فضائح مصرفية في ليبيا تهز ثقة المواطنين وتكشف عن ثغرات رقابية هيكلية
نيابة ليبيا تحاكم موظفين بمصرف الجمهورية بتهم اختلاس مليارات الدنانير.

ليبيا 24
خبراء: ثغرات الرقابة الداخلية تهدد استقرار القطاع المصرفي في ليبيا.
أعادت سلسلة الأحكام القضائية الأخيرة التي أصدرتها محاكم ليبية بحق عدد من موظفي “مصرف الجمهورية”، أكبر المصارف في البلاد، الجدل حول فجوة الرقابة الداخلية وضعف أنظمة الحوكمة في القطاع المصرفي، وسط تحذيرات من تداعيات هذه الحوادث على الاستقرار المالي وهشاشة ثقة الجمهور في المؤسسات المصرفية.
أحكام قضائية تكشف حجم التجاوزات
في أحدث تطورات هذه الملفات، قضت محكمة استئناف طرابلس بالسجن لمدة سبع سنوات على موظف بفرع القادسية التابع للمصرف، بعد إدانته بالاستيلاء على مبلغ تجاوز 8.2 ملايين دينار ليبي. ولم تقتصر التهم على عمليات الاستيلاء المباشر للأموال، بل شملت أيضاً تهم التزوير والإهمال الوظيفي التي طالت موظفين آخرين، في مؤشر على تعدد أوجه القصور وضعف الضوابط.
وفي قضايا منفصلة لكنها ذات صلة، كشفت تحقيقات النيابة العامة عن عمليات اختلاس جديدة في فرعي المصرف بالحي الجامعي والأكاديمية الليبية للدراسات العليا، بلغ إجمالي قيمتها أكثر من عشرين مليون دينار ليبي. هذه الأرقام الضخمة لم تعد تمثل حالات فردية معزولة، بل تحولت إلى ظاهرة مقلقة تنذر بانهيار قد يطال أحد أهم دعامات الاقتصاد الوطني.
تحليل الخبراء: خلل هيكلي يهدد البنية التحتية للمصرفية
يرى محللون اقتصاديون أن هذه الحوادث المتكررة ليست سوى العرض الخارجي لمرض داخلي عميق، يتمثل في خلل هيكلي مزمن في أنظمة الرقابة والمراجعة الداخلية. ويشيرون إلى أن بيئة العمل المصرفي في ليبيا تعاني من إشكاليات بنيوية تجعلها بيئة خصبة لتكرار مثل هذه التجاوزات.
وفي هذا الصدد، يقول المحلل الاقتصادي محمد الشيباني: “الاعتماد على الإجراءات الورقية التقليدية، إلى جانب ضعف أو انعدام الربط الإلكتروني الفعال بين الفروع المختلفة للمصرف الواحد، سمح بتمرير وتكرار هذه المخالفات على مدى سنوات طويلة دون اكتشافها في الوقت المناسب”. ويضيف الشيباني في حديثه أن “تكرار حوادث الاختلاس في مصارف حكومية وعامة كبيرة يهز ثقة المواطنين في الجهاز المصرفي برمته، وهو ما يفرض على السلطات النقدية المسؤولة إعادة تقييم شاملة وجذرية لمنظومة الحوكمة والإشراف المالي، واعتماد معايير أكثر صرامة”.
البعد القانوني: المساءلة ضرورية لكنها غير كافية
من الناحية القانونية، يرى خبراء أن تحريك الدعاوى القضائية وإحالة الملفات إلى القضاء تمثل خطوة في غاية الأهمية على طريق تحقيق المساءلة ومحاربة الفساد. إلا أنهم يشددون في الوقت ذاته على أن هذه الإجراءات الجزائية، رغم ضرورتها، تبقى غير كافية وحدها لضمان عدم تكرار مثل هذه الحوادث في المستقبل.
ويوضح الخبير القانوني ميلاد الورفلي أن “المحاكمات والإدانة تمثل رسالة قوية، لكنها يجب أن تكون جزءاً من حزمة إصلاحات أشمل. لا بد أن تتبعها إصلاحات إدارية وتشريعية عميقة تضمن تحقيق الشفافية الكاملة وتمنع حدوث تضارب في المصالح داخل المؤسسات المالية، وهو ما يعد أحد الأسباب الخفية وراء العديد من حالات الفساد”.
ويؤكد الورفلي أن “ما جرى في مصرف الجمهورية ليس حادثاً منفرداً أو معزولاً، بل هو تجلي واضح لظاهرة اتساع فجوة الرقابة والمحاسبة في المؤسسات العامة بشكل عام. هذه الفجوة تتفاقم في ظل تراجع دور وفاعلية منظومات التدقيق الداخلي، وتزامن ذلك مع تزايد الضغوط الاقتصادية والمعيشية التي قد تدفع ببعض الموظفين، ضعيفي النزاهة، إلى استغلال أي ثغرات إدارية أو مالية متاحة”.
تدهور البيئة المصرفية وتراجع معايير التوظيف
يدعم تحليل الخبراء المصرفيين هذه الرؤية، حيث يشيرون إلى تراجع ملحوظ في البيئة المصرفية الكلية وضعف المنظومة الرقابية الاحترازية. ويذهب البعض إلى أبعد من ذلك، مشيراً إلى أن القطاع المصرفي الليبي يشهد تراجعاً غير مسبوق في معايير اختيار وتعيين الموظفين، مما يفتح الباب أمام دخول عناصر لا تتوفر فيها الكفاءة والنزاهة المطلوبة لمثل هذه الوظائف الحساسة.
وفي هذا الإطار، يقول الخبير المصرفي محمد أبوسنينة: “القطاع المصرفي الليبي لم يكن يعرف هذا المستوى المتفشي من الفساد من قبل. إذا وُجدت حالات في الماضي، فكانت في أضيق نطاق ولا يُتهاون معها ويتم التعامل معها بحزم. أما تنامي الظاهرة بهذا الحجم مؤخراً فيعود إلى جملة من العوامل الهيكلية والرقابية المتشابكة”.
ويوضح أبوسنينة أن من أبرز أسباب تصاعد وتيرة الفساد المالي في المصارف الليبية، هو “ضعف أنظمة الرقابة الداخلية بشكل كبير، وانحرافها عن أهدافها الأصلية في منع المخالفات واكتشافها مبكراً، لتصبح مجرد إجراءات روتينية. هذا بالإضافة إلى تراجع ثقافة الامتثال والالتزام داخل المؤسسات المصرفية، ما أضعف بشكل كبير قدرتها على رصد التجاوزات والانحرافات قبل وقوعها أو في مراحلها الأولى”.
المعادلة الاقتصادية للجريمة: العائد مقابل العقاب
ويقدم أبوسنينة تفسيراً اقتصادياً لظاهرة الاختلاس، مشيراً إلى أن بعض من يتورطون في هذه الجرائم يقومون بتحليل تكلفة المنفعة بشكل خاطئ، حيث يبدو العائد من الجريمة في أعينهم أكبر من التكلفة أو العقاب المحتمل.
ويضيف قائلاً: “في البيئة الحالية، بات المبلغ الذي يمكن اختلاسه وفرصة الاستفادة منه بشكل شخصي، تفوق في نظر الجاني العقوبة المحتملة، خاصة مع ضعف احتمالات الاكتشاف السريع. هذا الواقع يشكل حافزاً سلبياً، ويجعل الجريمة في نظر من يفكر بها بمثابة صفقة رابحة لا تحمل مخاطرة حقيقية تذكر”.
كما يلفت الخبير المصرفي إلى نقطة بالغة الأهمية، وهي تراجع معايير اختيار الكوادر البشرية، قائلاً: “في السابق، كان يتم إجراء بحث اجتماعي دقيق للتأكد من سمعة ونزاهة المتقدم للعمل وملاءمته الأخلاقية للعمل في قطاع حساس مثل القطاع المصرفي. أما اليوم، وللأسف، فقد تراجعت هذه المعايير بشكل كبير أو اختفت تماماً في العديد من الحالات، مما يعني أننا قد نكون نضع أموال المودعين بين أيدي أشخاص غير مؤتمنين من الأساس”.
الطريق إلى الإصلاح: حزمة متكاملة وليس حلولاً ترقيعية
في ضوء هذه التحليلات، يبدو واضحاً أن معالجة الأزمة تتطلب نهجاً شاملاً ومتكاملاً، يبدأ من إصلاح الإطار التشريعي والقانوني ليشمل إعادة بناء أنظمة الرقابة الداخلية والخارجية، واعتماد التكنولوجيا الحديثة في الربط بين الفروع والمراكز الرئيسية، لتقليل مساحة التدخل البشري المباشر والحد من الثغرات.
كما أن تعزيز ثقافة النزاهة والشفافية داخل المؤسسات المصرفية، وإعادة الاعتبار لمعايير التوظيف الصارمة، ورفع كفاءة وأجور الموظفين لتتناسب مع طبيعة المسؤولية الملقاة على عاتقهم، تمثل جميعها عناصر أساسية في أي خطة إصلاحية حقيقية. فبدون معالجة الجذور، ستستمر ظاهرة الفساد المصرفي في النمو، مما يهدد ليس فقط استقرار القطاع المالي، بل وأيضاً الأمن الاقتصادي الوطني برمته.



