ليبيا

انسداد سياسي في ليبيا في ظل الخلافات بشأن المفوضية العليا للانتخابات

انجراف مفوضية الانتخابات إلى قلب الخلافات السياسية

التصعيد المتواصل بين مجلسي النواب والدولة يفاقم من حالة الانسداد السياسي، ويهدد بنسف خريطة الطريق الأممية التي أعلنت بعثتها انها تهدف إلى إنهاء المرحلة الانتقالية عبر انتخابات رئاسية وبرلمانية.

وقد اتخذ هذا التصعيد بعدا أكثر خطورة مع انجراف المفوضية الوطنية العليا للانتخابات إلى قلب الخلافات السياسية، في نزاع يتمحور حول تفسير صلاحيات إعادة تشكيل مجلس إدارتها، بما يضع العملية الانتخابية برمتها أمام اختبار حاسم.

المفوضية في قلب الصراع السياسي

شهد المشهد السياسي الليبي منعطفًا لافتًا عقب تصويت مجلس اللدولة، بشكل أحادي الجانب، على اختيار صلاح الكميشي رئيسًا لمجلس إدارة المفوضية الوطنية العليا للانتخابات، في ظل احتدام الخلاف بين مجلسي الدولة والنواب حول إدارة الاستحقاق الانتخابي، ما جعل الخطوة محط جدل واسع بشأن مشروعيتها السياسية وتأثيرها على نزاهة العملية الانتخابية.

وقبل ذلك، وتحديدًا في 29 ديسمبر الماضي، صوّت مجلس النواب على استكمال تعيينات مجلس المفوضية مع الإبقاء على عماد السائح رئيسا لمجلس إدارتها، في خطوة عُدّت ردًا مباشرًا على تحركات مجلس الدولة، ورسّخت حالة الازدواج في القرار السياسي المتعلق بالمفوضية.

مواقف متعارضة وتصعيد متبادل

رفض رئيس مجلس النواب عقيلة صالح تغيير مجلس المفوضية، ووجّه اتهامات مباشرة لرئيس مجلس الدولة محمد تكالة بعدم الرغبة في تغيير المشهد السياسي، والسعي إلى تعطيل إجراء الانتخابات.

وتأتي هذه المواقف في وقت سبق فيه اتفاق بين مجلسي النواب والدولة على شغل المناصب السيادية، بما في ذلك المفوضية العليا للانتخابات، غير أن مجلس الدولة تراجع عن تلك التفاهمات، في سياق يُنظر إليه على أنه انسجام مع توجهات حكومة عبد الحميد الدبيبة، التي تدفع حاليًا نحو تعديل وزاري كبديل عن الاستحقاق الانتخابي.

الدور الأممي والخيارات البديلة

دخلت المبعوثة الأممية إلى ليبيا هانا تيتيه على خط هذه المناكفات، مذكّرة بما ورد في إحاطتها أمام مجلس الأمن بتاريخ 19 ديسمبر، ومؤكدة عزم البعثة الأممية طرح “آلية بديلة” في حال فشل مجلسي النواب والدولة في التوصل إلى توافق بشأن استحقاقات خريطة الطريق السياسية. ويعكس هذا الموقف الأممي حالة القلق الدولي من استمرار الانسداد، واحتمال انهيار المسار السياسي برمته.

رؤى متباينة حول الحل

في ظل الظروف الراهنة اعتبر رئيس مجلس النواب أن الاتجاه نحو تشكيل حكومة موحدة تشرف على الانتخابات الرئاسية والبرلمانية بات “مستحيلًا”، محذرا من أن عدم إجراء الانتخابات خلال ستة أشهر قد يجر البلاد إلى مزيد من الانقسام. وفي هذا الإطار، طرح عقيلة صالح مقترح تشكيل لجنة لتنفيذ العملية الانتخابية تضم مسؤولين من مؤسسات الدولة، مع الإبقاء على الحكومتين القائمتين دون حلّهما.

القراءة القانونية للخلاف

من منظور قانوني، فإن قرار مجلس الدولة بإعادة تشكيل مجلس إدارة المفوضية، حتى وإن قُدّم بوصفه إجراءً تنظيميًا، يمسّ جوهر العملية الانتخابية، وينعكس مباشرة على مبدأ استقلال المفوضية وحيادها، وهذا المبدأ يُعد ركيزة دستورية وحقوقية مستقرة، ومكرّسًا في المعايير الدولية للانتخابات الحرة والنزيهة.

وبالتالي، فإن أي إجراء لو كان في ظاهره قانونيا إذا أُنجز في ظرف استقطابي حاد ودون توافق وطني واسع، فإنه يثير شبهة المساس بالحياد، ويضعف الثقة العامة في المسار الانتخابي، وهو ما يتعارض جوهريا مع الحقوق السياسية للمواطنين، ويهدد بتحويل الانتخابات من أداة للحل إلى عامل جديد للأزمة.

في ظل هذا المشهد المعقّد، تبدو ليبيا أمام مفترق طرق حاسم.. إما التوصل إلى توافق سياسي يحصن المفوضية ويعيد الثقة في المسار الانتخابي، أو الاستمرار في منطق القرارات الأحادية الذي قد يفضي إلى تعميق الانقسام وإطالة أمد المرحلة الانتقالية، بما يحمله ذلك من مخاطر على الاستقرار السياسي ومستقبل الدولة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى