إيران ترسم ملامح مرحلة ما بعد الحرب في مضيق هرمز: نظام جديد للعبور ورسوم إلزامية على الناقلات
واشنطن تدرس إلزام السفن بتأمين حكومي لعبور هرمز
ليبيا 24:
طهران تلوح بنظام جديد لمضيق هرمز ما بعد الحرب
طهران توظف الممر الاستراتيجي كورقة ضغط اقتصادية وسياسية في مواجهة العقوبات والضربات العسكرية
في تطور يعيد رسم ملامح الجغرافيا السياسية للطاقة في الشرق الأوسط، كشفت طهران النقاب عن خطط طموحة لإعادة هيكلة نظام الملاحة في مضيق هرمز، أضيق ممر مائي حيوي في العالم، وذلك في مرحلة ما بعد انتهاء الحرب القائمة.
وتأتي هذه التصريحات على لسان كبار المسؤولين الإيرانيين في وقت يشهد فيه المضيق توتراً غير مسبوق، في ظل ضربات عسكرية متبادلة وتهديدات مستمرة لحركة السفن، مما ينذر بمعركة قانونية ولوجستية جديدة في قلب أحد أهم شرايين الاقتصاد العالمي.
نظام جديد تحت شعار السيادة على الممرات البحرية
فقد صرح عضو مجمع تشخيص مصلحة النظام، محمد مخبر، بأن طهران لم تعد تقبل بلعب دور الدولة الخاضعة للعقوبات، بل تعمل على التحول إلى لاعب محوري في معادلات الطاقة الدولية عبر فرض “نظام جديد” للمضيق.
وأوضح مخبر أن هذه الخطوة تأتي استغلالاً للموقع الاستراتيجي للمضيق باعتباره “ساحة ضغط” فعالة على الغرب، مشيراً إلى قدرة بلاده على فرض عقوبات خاصة بها تشمل منع السفن من العبور، في مرحلة ما بعد الحرب الحالية التي تشهد ضربات أمريكية إسرائيلية على الأراضي الإيرانية.
هذا الموقف الرسمي لم يقتصر على التصريحات، بل انتقل إلى حيز الإجراءات التشريعية، حيث أعلنت النائبة عن طهران، سميه رفیعي، أن مشروع قانون لإلزام السفن العابرة بدفع رسوم جديدة يدرس حالياً في أروقة البرلمان.
وأكدت رفیعي أن مشروع القانون يستند إلى مبدأ أن توفير ممر آمن لنقل الطاقة والغذاء والسفن التجارية يمثل خدمة كبرى يتوجب على الدول المستفيدة أن تدفع ثمنها للجمهورية الإسلامية، محولة بذلك الممر المائي الدولي إلى مصدر دخل قومي واستراتيجي.
المضيق في قلب المعركة: تراجع حركة الشحن وقفزة في أسعار التأمين
منذ بدء العمليات العسكرية الأمريكية والإسرائيلية على إيران في الثامن والعشرين من شهر شباط الماضي، تحول مضيق هرمز إلى مسرح لعمليات عسكرية وتهديدات متبادلة.
فقد عمد الحرس الثوري الإيراني إلى استهداف سفن تجارية وتهديد ناقلات النفط، مستخدماً الطائرات المسيرة والصواريخ والزوارق السريعة.
هذه العمليات أحدثت شرخاً كبيراً في استقرار المنطقة، وأدت إلى تراجع حاد في حركة الشحن، مما دفع بأسعار التأمين إلى مستويات قياسية.
فقد قفزت التعريفة الحالية لتأمين السفن العابرة للمضيق إلى 3% من قيمة السفينة، بعد أن كانت لا تتجاوز ربع في المئة فقط قبل اندلاع المواجهات العسكرية.
هذا الارتفاع الجنوني يعكس المخاطر الكبيرة التي تحيط بعبور المضيق الذي يمر عبره نحو عشرين مليون برميل من النفط يومياً، أي ما يعادل خمس الاستهلاك العالمي وربع تجارة النفط المنقولة بحراً، إضافة إلى جزء كبير من إمدادات الغاز الطبيعي المسال من قطر والدول المجاورة.
الرد الأمريكي: تأمين حكومي إجباري مقابل الحماية البحرية
في موازاة التحركات الإيرادية، كشفت صحيفة “فايننشال تايمز” البريطانية النقاب عن خطط أمريكية مضادة تهدف إلى تأمين استمرارية الملاحة في المضيق، ولكن بشروط جديدة أيضاً.
وأفادت الصحيفة نقلاً عن مصادر مطلعة أن الإدارة الأمريكية تدرس مشروعاً لإلزام السفن التي ترافقها البحرية الأمريكية في عبور المضيق بشراء عقود تأمين حكومية، كبديل عن التأمين التجاري التقليدي.
ويتم تنفيذ هذه الخطة، بحسب الصحيفة، بالتعاون بين مؤسسة تمويل التنمية الدولية الأمريكية وشركة التأمين الخاصة “شوب”، حيث سيغطي التأمين الحكومي هيكل السفينة وآلياتها وشحنتها، بقيمة إعادة تأمين قد تصل إلى عشرين مليار دولار.
ومن المتوقع أن تحقق واشنطن إيرادات بمئات الملايين من الدولارات من هذه الخدمة، في خطوة تهدف إلى طمأنة مالكي السفن وتوفير بديل آمن في ظل الفوضى التي تشهدها المنطقة.
إلا أن الخبراء حذروا، وفقاً للصحيفة ذاتها، من عدم اليقين الكبير الذي يكتنف هذا البرنامج، خاصة فيما يتعلق بقدرة البحرية الأمريكية على توفير حماية فعالة لجميع السفن الراغبة في العبور، في مواجهة تهديدات إيرانية متعددة ومتطورة.
وتعمل البحرية الأمريكية حالياً على وضع آليات واضحة لكيفية توفير المرافقة البحرية وتحييد التهديدات، في سباق مع الزمن لضمان عدم انسداد هذا الشريان الحيوي للتجارة العالمية.
مع تصاعد حدة الحرب الكلامية والإجراءات العملية، يبدو أن مضيق هرمز مقبل على مرحلة جديدة كلياً فما بين مشروع قانون إيراني لفرض “إتاوة” على العبور، وخطة أمريكية لفرض تأمين حكومي مقابل الحماية، يجد مالكو السفن وشركات الشحن أنفسهم في موقف بالغ الصعوبة.
ويبقى السؤال الأهم: هل تشهد الفترة المقبلة تدويلاً للممر المائي أم فرض أمر واقع جديد بالقوة، في معركة محسومة نتيجتها لمصلحة الاقتصاد العالمي بأسره؟



