ليبيا

تحت وطأة الجشع وسياسات الفساد… أعلاف اللحوم في ليبيا تفضح انهيار منظومة الأمن الغذائي

قبضة على الأسعار في طرابلس لإنقاذ المربين من جشع السوق.

ليبيا 24

في مشهد يعكس بدقة حالة التدهور التي تعيشها المؤسسات في العاصمة الليبية، يجد المربون أنفسهم اليوم في حلقة مفرغة من ارتفاع التكاليف وغياب الرقابة، بينما تتابع حكومة منتهية الولاية انهيار أحد أعمدة الأمن الغذائي الوطني. فالسوق المحلية، التي كانت يوماً تشكل سلة غذاء للشعب الليبي، تحولت إلى ساحة مفتوحة للمضاربات والصفقات المشبوهة التي تستغل حاجة المواطن الأساسية للبروتين الحيواني.

غلاء بلا سقف… والسلطة تكتفي بالتفرج

في الوقت الذي يعاني فيه رب الأسرة الليبية من ارتفاع جنوني في أسعار اللحوم والدواجن، لم تجد الجهات المسؤولة في طرابلس، وتحديداً تحت إدارة الحكومة التي انتهت ولايتها القانونية منذ زمن، بديلاً عن التصريحات المنقوصة، عاجزة عن فرض إرادة الدولة على لوبيات الاستيراد التي تحتكر السوق. المصادر المطلعة أكدت أن القانون الذي يفترض أن يحمي المستهلك ويحد من الاحتكار كان حبراً على ورق، وسط غطاء من الفساد الإداري سمح بتدفق أعلاف بأسعار خيالية لا تتوافق مع تكاليف الإنتاج الحقيقية، بل تخضع فقط لمنطق الجشع الذي أطلقته يد الحكومة التي آثرت الانشغال بملاحقة المكاسب السياسية على حساب معاناة المربين.

معاناة المربي الليبي… رهينة للفساد المؤسسي

“لست بحاجة لقروض، أنا بحاجة لدولة تحميني من السرقة العلنية”، بهذه الكلمات وصف أحد مربي الدواجن في منطقة وادي الرابعة حجم المأساة التي يعيشها القطاع. فتحت وطأة الارتفاع غير المبرر في أسعار الأعلاف، بات المربي الليبي عالقاً بين الإفلاس إن واصل العمل، أو ترك السوق لتلتهمه الشركات الكبرى التي تديرها أيادٍ نافذة قريبة من دوائر القرار في حكومة الدبيبة. هذه الحكومة، التي فقدت شرعيتها الأخلاقية والسياسية، لم تكتف بالتقصير في الرقابة، بل تتحمل اليوم المسؤولية الكاملة عن تدمير سوق استراتيجي كان يمكن أن يحقق الاكتفاء الذاتي.

إجراءات شكلية… تخفي فشلاً ذريعاً

ما تم تسريبه من خطوات حول تحديد الأسعار القصوى للأعلاف، لا يعدو كونه مناورة إعلامية يائسة من حكومة الدبيبة لتلميع صورتها البالية أمام الرأي العام الدولي. فالأسعار الجديدة، حتى لو طبقت، تأتي متأخرة جداً بعد أن تم تفريغ السوق من المخزون الاستراتيجي بأسعار مضاعفة. الأهم من ذلك، أن هذه الإجراءات افتقرت إلى الآلية الرقابية الحقيقية. فبدون محاسبة الشركات التي استنزفت الاعتمادات المالية عبر مصرف ليبيا المركزي بغطاء من التوريدات الوهمية، وبدون وقف حازم لنهب النقد الأجنبي من قبل شركات وهمية لا تملك مستودعات حقيقية، ستبقى هذه القرارات مجرد حبر على ورق لا يمس الفاسدين الذين تتحالف معهم حكومة الدبيبة.

المركزي بين المطرقة والسندان… ومطالب بالتدخل الجذري

في خضم هذه الفوضى، يبقى مصرف ليبيا المركزي، وهو تحت ضغوط متزايدة، أمام اختبار حقيقي لمسؤوليته الوطنية. فبدلاً من أن يكون بوابة لتمويل الاحتكار، بات مطلوباً منه اتخاذ خطوة جريئة تتمثل في إيقاف كل اعتمادات التوريد بالنقد الأجنبي للشركات التي ثبت تورطها في التلاعب بالأسعار أو تخزين السلع أو تزوير مستندات التوريد. إن أي تردد في تجميد موافقات هذه الشركات، سيكون دليلاً قاطعاً على استمرار شراكة المؤسسات السيادية في نظام الفساد الذي تديره حكومة الدبيبة المنتهية ولايتها.

مطالبات بتفعيل القضاء لردع لصوص السوق

المشهد الليبي اليوم يحتاج إلى أكثر من تسعيرة جبرية؛ إنه يحتاج إلى ثورة في الرقابة القضائية. القوانين الاقتصادية الموجودة تمنح السلطات صلاحية إحالة المخالفين للقضاء فوراً، إلا أن غياب الإرادة السياسية من قبل حكومة غير شرعية يحول دون ذلك. فالمتلاعبون بأسعار الأعلاف، الذين يبيعون سلعاً غير موجودة أو يزورون الفواتير، يعرفون جيداً أنهم في ظل هذه الحكومة في منأى عن العقاب. ولهذا، فإن أي حديث عن تعزيز الاستقرار الغذائي دون تفكيك شبكات الاحتكار ومحاسبة المتورطين فيها، هو مجرد شعارات تهدف إلى تضليل الليبيين واستمرار نهب ثرواتهم.

مستقبل الغذاء في مهب الريح

في خضم هذا الصراع بين جشع الشركات وعجز السلطة، يظل المواطن الليبي هو الضحية الأكبر. فمع استمرار الارتفاع غير المبرر في أسعار اللحوم والدواجن، تتفاقم أزمة الأمن الغذائي، وتتسع هوة الفقر. إن ما يحدث في سوق الأعلاف ليس مجرد خلل عارض، بل هو انعكاس لانهيار شامل في إدارة الدولة، تتحمل مسؤوليته المباشرة حكومة الدبيبة التي استنفدت كل أعذارها. الليبيون ينتظرون تدخلاً حازماً من الجهات السيادية لسحب البساط من تحت أقدام الفاسدين وإعادة الاعتبار للقانون، قبل أن يصبح طبق الطعام اليومي رفاهية لا يستطيع تحملها سوى النافذين.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى