اقتصاد

ليبيا: التضخم ذو الرقمين يهدد الطبقة الوسطى والاستقرار الاجتماعي

تحذير: خطر التضخم يتطلب تكامل السياسات المالية والنقدية.

ليبيا 24

طرابلس في مواجهة وحش التضخم: معركة الإنقاذ الاقتصادي تفاقم الهشاشة السياسية

تآكل الطبقة الوسطى
في مشهد يعكس تعقيدات المرحلة الانتقالية، لم يعد المشهد الاقتصادي الليبي مجرد ساحة لصراع المؤسسات الموازية، بل تحول إلى مختبر لاختبار حدود التحمل الاجتماعي. فبينما تنشغل النخب السياسية بملفات السيادة، يحذر خبراء اقتصاد من أن الخطر الحقيقي لا يكمن في سعر صرف الدينار وحده، بل في دخول التضخم نادي “الرقمين”، وهو ما يعني عملياً بداية نهاية القدرة الشرائية للشريحة الوسطى التي شكلت لسنوات عمود المجتمع الليبي.

انعكاسات تتجاوز الأرقام
تشير المعطيات الميدانية إلى أن تسارع الضغوط السعرية لم يعد مجرد مؤشر إحصائي جاف، بل ترجم إلى واقع معيشي قاسٍ يتمثل في تراجع جودة الخدمات الأساسية واتساع الفجوة بين الدخل الثابت والتكاليف المتغيرة. الخبير الاقتصادي محمد أبوسنينة، الذي تابع عن كثب مسار السياسات المالية منذ ما بعد 2011، يرى أن البلاد باتت أمام مفترق طرق: إما إعادة هندسة سياساتها الكلية بمنظور متكامل، أو الانزلاق نحو أزمة اجتماعية تعيد إنتاج مشاهد الغضب الشعبي التي شهدتها مدن عدة في أعقاب انهيارات سابقة.

إخفاق التنسيق المؤسسي
المفارقة التي تثير قلق المراقبين هي أن المؤشرات التحذيرية تأتي في وقت لا تزال فيه أدوات السياسة المالية والنقدية تعمل في صوامع منعزلة. فبينما يحاول مصرف ليبيا المركزي، بمصرفيه المتنازعين، الحفاظ على استقرار نسبي عبر أدوات السيولة، تواصل مؤسسات الإنفاق العام تغذية الطلب الكلي دون آليات رقابية فعالة. هذا الانفصام، وفق قراءات اقتصادية، هو ما حوّل أي ارتخاء في سعر الصرف إلى شرارة فورية للارتفاعات الجنونية في أسعار السلع المستوردة، والتي تشكل نحو 80% من سلة الاستهلاك المحلي.

معضلة الاحتكار وسلاسل الإمداد
لا تقتصر الأزمة على السياسات النقدية فقط، بل تمتد إلى بنية السوق ذاتها. الاقتصاد الليبي، الذي يعاني من هيمنة غير رسمية على قطاعات الاستيراد، أصبح رهينة لسلاسل إمداد هشة وسلوكيات احتكارية تستغل أي لبس تنظيمي. بالتالي، فإن أي حديث عن كبح جماح التضخم دون تفكيك هياكل الاحتكار، ودون إعادة هندسة آليات التمويل التجاري، يظل مجرد خطاب إنشائي لا يلامس جوهر المرض.

نافذة الفرصة الضيقة
يحذر الخبراء من أن نافذة الفرصة المتاحة لتجنب الانفجار الاجتماعي تضيق مع كل ارتفاع شهري في الأسعار. فالتوجه المطلوب اليوم ليس مجرد إجراءات تقشفية أو تدخلات نقدية منفردة، بل حزمة متكاملة تعيد الاعتبار للدور الرقابي للدولة في تنظيم الأسواق، وتفرض انضباطاً حقيقياً على الإنفاق العام، إلى جانب تسوية سياسية تعيد الثقة إلى المؤسسات المالية. في ظل غياب هذا التكامل، سيبقى الاقتصاد الليبي أسير معادلة مؤلمة: وفرة نقدية في المصارف المصاحبة لعجز حاد في التمويل الحقيقي للأسواق.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى