ما بعد الذهب الأسود: هل تنجح ليبيا في فك ارتباط مصيرها المالي بتقلبات النفط عبر ثروات الجنوب المنسية؟
جنوب ليبيا المعدني ثروة استراتيجية لكسر قبضة تقلبات النفط
ليبيا 24
انهيار النفط يدفع ليبيا نحو استثمار ثروات الجنوب المعدنية
على مدى العقد ونصف العقد الماضيين، ظل النبض المالي للدولة الليبية مرتهناً لإيقاع مضخات النفط وأسعار الأسواق العالمية المتقلبة. هذا الإيقاع الذي تحول في كثير من الأحيان إلى نوبة من عدم انتظام ضربات القلب الاقتصادية، يدفع اليوم بصناع القرار والمؤسسات المالية الدولية إلى طرح سؤال وجودي واحد: كيف يمكن لبلد يمتلك واحداً من أعلى احتياطيات القارة الأفريقية من الموارد غير النفطية أن يظل أسير هذه الدوامة؟ تشير المعطيات المتاحة إلى أن الإجابة قد تكون مدفونة تحت رمال الجنوب الليبي الشاسعة وليس في حقول النفط المألوفة.
هشاشة النموذج الريعي ومطرقة صندوق النقد
يكشف التشريح الدقيق للاقتصاد الليبي عن حالة متقدمة من “المرض الهولندي”، حيث أدى الاعتماد شبه المطلق على الإيرادات النفطية إلى إضعاف تنافسية القطاعات الإنتاجية الأخرى. وقد أوضح المستشار والخبير النفطي خالد الكاديكي في حديث خاص أن الاقتصاد عانى خلال السنوات العشر الفائتة من نوبات حادة من الانتعاش والركود، ارتبطت حصراً بارتفاع أسعار النفط أو انخفاضها. هذه الآلية المعطوبة أنتجت أزمات عجز مالي متكررة منذ عام 2011، جعلت الموازنة العامة للدولة رهينة لتقلبات جيوسياسية بعيدة عن سيطرة طرابلس.
وفي هذا السياق، لم تعد الدعوات إلى تنويع مصادر الدخل مجرد رفاهية أكاديمية، بل أصبحت شرطاً أساسياً لاستدامة الدولة. فقد شدد صندوق النقد الدولي، خلال جولات التشاور الأخيرة مع مصرف ليبيا المركزي، على ضرورة الانتقال من سياسات الدعم النقدي المفتوح إلى ترشيد الإنفاق والبحث الجاد عن بدائل اقتصادية. الرسالة كانت واضحة: استدامة الاستقرار المالي لن تتحقق دون شرايين إنتاجية جديدة خارج قطاع المحروقات.
خزائن الجنوب: البوتاسيوم والرمال الزجاجية والثروة غير الممسوحة
بينما تتركز عيون الأسواق على عدد براميل النفط المصدرة يومياً، تزخر الأقاليم الجنوبية لليبيا بمخزون هائل من المعادن الاستراتيجية التي لم تحدد كمياتها بدقة حتى اللحظة. يؤكد الكاديكي أن نتائج المسوحات الجيولوجية الأولية تشير إلى وجود تركزات ضخمة من المعادن، أبرزها البوتاسيوم المستخدم في صناعة الأسمدة، وهو سلعة ترتفع قيمتها عالمياً مع تنامي أزمة الأمن الغذائي. إضافة إلى ذلك، تمتلك ليبيا احتياطيات وفيرة من الرمال عالية الجودة اللازمة لصناعة الزجاج، وهو قطاع يمكن أن يحول البلاد إلى مركز تصنيعي إقليمي إذا ما توفرت الطاقة الإنتاجية والبنية التحتية اللازمة.
لا تقتصر الثروة على المعادن الصناعية فحسب، بل تمتد لتشمل إمكانات واعدة في قطاع التعدين النفيس. إن فتح المجال أمام الشركات الدولية المتخصصة في التنقيب عن الذهب وغيره من الفلزات الثمينة يمكن أن يخلق تدفقات دولارية موازية للخزانة العامة، بعيداً عن حساسية سوق النفط وتقلباته السياسية. التحدي الأكبر هنا لا يكمن في وجود المورد، بل في غياب “استراتيجية الحصر والتقييم” التي تسبق أي استثمار جاد.
بين مصراتة وبنغازي: بنية صناعية تنتظر القاطرة التعدينية
إحدى الميزات النسبية التي قد تسرع من وتيرة الاستفادة من الثروة المعدنية هي وجود بنية صناعية ثقيلة قائمة بالفعل. فليبيا ليست دولة تبدأ من الصفر، فهي تمتلك ثلاثة مصانع ضخمة للحديد والصلب في مصراتة وبنغازي، بالإضافة إلى مشروع مصنع جديد قيد الإنشاء في بنغازي يتوقع أن يكون أحد أكبر المجمعات الصناعية في شمال أفريقيا من حيث الطاقة الإنتاجية. هذا الحضور الصناعي يشكل قاعدة استيعاب مثالية للمواد الخام المستخرجة من الجنوب، ويمكن أن يحول التعدين إلى محفز لنمو الصناعات التحويلية بدلاً من أن يكون مجرد نشاط استخراجي بدائي.
سياج الاستثمار: ضرورة تجاوز ألغام السياسة إلى فرص الاقتصاد
على الرغم من وضوح الفرصة، تظل البيئة الاستثمارية في ليبيا محفوفة بمخاطر جسيمة تتعلق بعدم الاستقرار الأمني وهشاشة الإطار القانوني. غير أن حدة الحاجة المالية تفرض واقعاً جديداً. فالتوجه نحو استثمار الموارد الطبيعية غير النفطية لم يعد خياراً بين بدائل، بل هو السبيل الوحيد لتخفيف وطأة الاعتماد على النفط الذي يشكل أكثر من خمسة وتسعين بالمائة من إيرادات الدولة.
تشير توقعات المراقبين إلى أن نجاح هذا المسار مرهون بثلاثة محاور رئيسية: الأول، إجراء مسوحات جيولوجية شاملة ومفصلة لتقدير حجم الاحتياطيات بدقة. الثاني، سن تشريعات تضمن للشركاء الدوليين حقوقاً واضحة واستقراراً طويل الأمد. والثالث، إعادة ضخ عوائد الثروات الجديدة في تطوير قطاعي الزراعة والسياحة اللذين يظلان قطاعين حيويين لاستيعاب اليد العاملة الوطنية.
ختاماً، تقف ليبيا على أعتاب مرحلة حرجة من تاريخها الاقتصادي، حيث تحولت أزمة تقلب أسعار النفط من مجرد عارض مالي إلى فرصة تاريخية لإعادة هندسة النسيج الاقتصادي الوطني. فكما كان الذهب الأسود وقود النهضة الأولى، قد تكون كنوز الجنوب المنسية ضمان المستقبل للأجيال القادمة.



