ليبيا

عبدالعزيز الزقم يكتب: مستنقع الصحراء الاستراتيجي.. تشريح “اللادولة الوظيفية” في ليبيا ومن يقف خلف ستارها

ليبيا في مرمى شبكات الموت المترابطة سياسياً وأمنياً


ليبيا 24

تحذيرات دولية من تحول الفوضى الليبية إلى كيان متجذر

عندما يصبح الفراغ غاية لا مجرد نتيجة

في العرف السياسي السليم، تكون الفوضى عرضاً طارئاً يسعى الجميع لإنهائه. أما في الحالة الليبية، فقد تحولت الفوضى من مجرد حالة مرضية إلى “كيان موازٍ” قائم بذاته، يدر على صانعيه أرباحاً طائلة من السلطة والنفوذ والمال. إن التحذيرات الأممية الأخيرة لا تحمل جديداً فيما يخص التهديدات الأمنية فحسب، بل تكشف عن حقيقة أكثر مرارة: لقد نجحت قوى بعينها في تطويع “الفراغ السيادي” وتحويله إلى مشروع بقاء. إننا لا نقف اليوم أمام مجرد عصابات عابرة للحدود أو خلايا متطرفة تائهة في العراء، بل أمام “منظومة متكاملة” للفوضى، تقوم على تحالف غريب بين أيديولوجيا سياسية منحرفة، وشبكات جريمة عابرة للقارات، وبيروقراطية إقليمية تجيد فن إدارة الأزمات بغرض استدامتها.

في قلب هذه المعادلة القاتلة، يبرز تيار الإسلام السياسي المتمثل في جماعة الإخوان وحلفائها ليس كطرف فاعل بالمعنى التقليدي، بل كـ “مهندس للبيئة الحاضنة”. فبقدر ما تبدو بعض وجوههم في أروقة الفنادق الفاخرة لمحادثات السلام، فإن بنيتهم العميقة تتغذى على استمرار حالة السيولة الأمنية. هذه القراءة ليست اتهاماً مذهبياً بقدر ما هي تشريح دقيق لبنية المصالح، حيث تلتقي الحاجة إلى إضعاف مشروع الدولة الوطنية الليبية مع ضرورات الحفاظ على اقتصاد الظل الذي يضمن البقاء التنظيمي.

فيزياء الفوضى المعقدة: كيف تخلق الشبكات من الرماد حياة سياسية؟

لنكن أكثر وضوحاً: الحديث عن “شبكات” لم يعد ترفاً أكاديمياً في علم الاجتماع السياسي، بل أصبح المفتاح الوحيد لفهم لغز الاستعصاء الليبي. الفارق النوعي بين الميليشيا المسلحة التقليدية والمنظومة القائمة اليوم في غرب ليبيا هو “القدرة على التلون والتشظي”. هذه المنظومات لا تدافع عن خط أمامي ثابت، بل تدير “مسارب للبقاء”. إنها تجيد فن التسلل في المسام الضيقة للاقتصاد المنهك، وفي شقوق الانقسام السياسي، وتحت جسور الخطاب الحقوقي المضلل.

أين تكمن خطورة الجماعة الإخوانية تحديداً في هذا المشهد؟ تكمن في امتلاكها “الواجهة المزدوجة”. فهي تقدم للخارج خطاباً دبلوماسياً حول المصالحة والشراكة، بينما تقدم للداخل بنية تحتية قوامها: مليشيات عقائدية توفر القوة الصلبة عند الحاجة، وأذرع دعوية توفر التأطير الأيديولوجي، وشبكات مالية في قطاعي الأعمال والتهريب توفر الوقود اللازم للاستمرار. إن هذا التداخل العضوي يجعل من المستحيل تقريباً فصل “العمل السياسي المدني” المزعوم عن “التمكين التنظيمي الخفي”. إنهم لا يحكمون بالضرورة، ولكنهم يتقنون فن “منع الآخرين من الحكم”. وكلما تقدمت القيادة العامة للقوات المسلحة الليبية خطوة نحو توحيد المؤسسة العسكرية وبسط نفوذ الدولة، زادت حدة الصراخ المأزوم من “العودة للاستبداد”. إنها ليست مبالغة القول إن مشروع ليبيا القوية الموحدة هو التهديد الوجودي الوحيد لهذه المنظومة المراوغة، لأن الدولة بجيش واحد وحدود مغلقة ومخابرات يقظة تعني ببساطة “إسدال الستار” على مسرح الفوضى المربح.

تشريح اقتصاديات الموت: من يمول استمرار النزيف الوطني؟

إن الأبعاد الأمنية والسياسية لا تنفصل عن البعد الاقتصادي الذي يشكل العمود الفقري لهذه الأزمة. لقد تحولت ليبيا إلى “شركة مساهمة كبرى للجريمة المنظمة”، يتداول أسهمها أمراء الحرب وتجار البشر وشيوخ التهريب. وهنا يظهر الدور المحوري للوكلاء السياسيين المحليين. فمن ذا الذي يضمن الممرات الآمنة لقوافل التهريب عبر الصحراء الكبرى نحو البحر المتوسط؟ ومن ذا الذي يحمي تلك الأموال من الرقابة الدولية عبر مؤسسات مالية صورية تحمل شعارات “الإغاثة” أو “التنمية”؟

لا يمكن قراءة تحركات الجماعة الإخوانية في المشهد الليبي بمعزل عن هذه الحلقة المالية. فهي تمثل “الحاضنة السياسية” التي تضفي شرعية مزعومة على النفوذ الميداني للكتائب المسلحة. إن سيطرة هذه الجماعة أو وكلائها على مفاصل حساسة في مؤسسات مالية أو رقابية في الغرب الليبي ليست صدفة تاريخية، بل هي ثمرة استراتيجية محكمة تهدف إلى ضمان التدفق المالي الذي يبقي الآلة التنظيمية دائرة. لهذا السبب تحديداً، تصطدم أي محاولة جادة من القيادة العامة لتوحيد المؤسسة الاقتصادية أو ضبط المنافذ الحدودية بحائط صد سياسي هائل. إن الأمر لا يتعلق بخلاف على فاتورة الرواتب، بل يتعلق بصراع وجودي على “مصادر الحياة” للكيانات الموازية.

بين حتمية الانهيار وضرورة الحسم الاستراتيجي

في أروقة الدبلوماسية الدولية، قد يظل الحديث عن “حوار ليبي ليبي” مغرياً كنظرية، لكنه في أرض الواقع الليبي القاسي يصطدم بصلابة المصالح التي تفضل الإبقاء على المريض في غرفة الإنعاش لا إخراجه سالماً إلى النور. إن فكرة دمج هذه الشبكات المعقدة في إطار دولة مدنية دون نزع مخالبها المالية والعسكرية هي فكرة ساذجة لا تليق بمستوى التهديد.

الخلاصة التي تفرض نفسها بقوة المنطق هي أن الطريق إلى الاستقرار يمر حتماً عبر دعم المشروع الوطني للقوات المسلحة الليبية. إنها المؤسسة الوحيدة العابرة للقبائل والمناطق، والتي تمتلك الشرعية والقدرة على فرض “احتكار الدولة للقوة”. إن إنهاء معاناة الليبيين لا يكون بمداهنة صانعي الأزمات، بل بحسم الخيار لصالح دولة المؤسسات والقانون. آن للعالم أن يدرك أن مكافحة شبكات التهديد في ليبيا تبدأ من تفكيك غطائها السياسي، وآن لهذه البلاد أن تخرج من مستنقع الصحراء لتبني صرحاً وطنياً واحداً، جيشه موحد، وحدوده آمنة، وثروته لشعبه وحده.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى