جمعة الدبيبة المشؤومة: حين تغدو مناسبة العمال نكتة وطنية ويستيقظ الليبيون على عطلة في يوم العطلة
قرار "إجازة الجمعة" يكشف فجوة العبث بين سلطة طرابلس والواقع
ليبيا 24
حكومة الدبيبة تمنح الليبيين عطلة رسمية في يوم عطلتهم الأسبوعية
في مشهد لا يليق إلا بمسرح العبث السياسي الذي تعيشه ليبيا منذ انقسامها، أصدر رئيس حكومة الوحدة منتهية الولاية، عبدالحميد الدبيبة، قراراً إدارياً لا يمكن وصفه إلا بأنه تحفة فنية في فنون البيروقراطية الميتافيزيقية. فقد أعلنت الحكومة عبر صفحتها الرسمية أن يوم الجمعة الموافق الأول من مايو سيكون عطلة رسمية بمناسبة عيد العمال العالمي، في خطوة قلبت موازين المنطق رأساً على عقب، وأغرقت منصات التواصل الاجتماعي الليبية في موجة من السخرية اللاذعة التي تحولت بسرعة إلى مادة دسمة لتحليل عمق الفجوة بين نخبة حاكمة تدور في فلك ذاتها وشعب يكافح من أجل الكهرباء والسيولة النقدية.

لم يكن الخبر كاذباً، ولم يكن مفبركاً، بل كان منشوراً رسمياً على صفحة “حكومتنا” التي تديرها حكومة الدبيبة، مما أكسب الموقف طابعاً سريالياً فاق كل التوقعات. ففي بلد لم يتعافَ بعد من صدمة إعلان عطلات رسمية متضاربة بين حكومة الشرق وحكومة الغرب، يأتي هذا القرار ليخلق فئة جديدة من العطلات: “العطلة المزدوجة” أو “دبل عطلة” كما أسماها المعلقون الليبيون بسخرية بالغة، حيث يتقرر رسمياً تعطيل يوم هو في الأساس يوم عطلة أسبوعية شاملة في كامل المؤسسات العامة والخاصة.
القرار الذي أيقظ السخرية الليبية من سباتها
لفهم عمق هذه السقطة الكوميدية، يجب تفكيك نص القرار والملابسات المحيطة به. يوم الجمعة في ليبيا هو يوم عطلة رسمية بحكم القانون والعرف والدين، تغلق فيه المدارس والجامعات والمصالح الحكومية والمتاجر الكبرى أبوابها، ويتوجه فيه الموظفون، نظرياً على الأقل، إلى دور العبادة أو إلى الراحة المنزلية. أن تُعلن الحكومة هذا اليوم “عطلة رسمية” يشبه تماماً أن تُعلن بلدية مدينة ساحلية أن البحر مالح، أو أن تُصدر وزارة الصحة تعميماً يؤكد أن التنفس ضروري للحياة.
الواقعة تعكس بجلاء حالة الانفصال التام عن الواقع التي تعيشها حكومة الدبيبة، وانشغالها بإنتاج التعاميم والشعارات بدلاً من معالجة الأزمات الخانقة. فبينما يغرق المواطن الليبي في متاهة البحث عن أنبوبة غاز أو ينتظر دوره في طابور مصرفي وهمي، ينشغل جهاز الدولة بإصدار بيانات لا تحمل أي قيمة مضافة، بل تحمل في طياتها بذور السخرية الشعبية التي سرعان ما انفجرت كبركان على موقع فيسبوك، المنصة الأكثر شعبية في البلاد.
“فيسبوك ليبيا” يشتعل: من سخرية المادة إلى سخرية المعنى
لم يمر دقائق على نشر القرار حتى تحولت التعليقات إلى ما يشبه جلسة تحليل نفسي جماعي للأمة الليبية المنهكة. كان واضحاً أن المواطن الليبي قرر هذه المرة مواجهة العبث الرسمي بسلاحه المفضل: الدعابة السوداء.

حساب باسم”Faisal Shaqan” صاغ السؤال الجوهري ببلاغة الرجل البسيط الذي أربكه المنطق الحكومي: “به مليح عطلتين في عطلة، بالله سؤال سخيف، انتم بجديات مسؤولين عن الشعب الليبي ولا غير بالجو واخدينها؟”. هذا التساؤل لم يكن مجرد تعليق عابر، بل كان تجسيداً لمعاناة الليبيين مع طبقة سياسية يُنظر إليها غالباً على أنها تمارس لعبة الحكم دون اكتراث حقيقي بمعاناة المحكومين. وتابعت “Maisym Later” بدهشة: “خليتواها السبت اهون، باقي الجمعة عطلة من غير ما تقولو!”، في إشارة إلى أن السبت كان سيكون خياراً أكثر منطقية لو كان الهدف فعلاً منح الناس يوم راحة إضافي.
أما التعليقات الواردة على صفحة الحكومة، فقد تحولت إلى مادة خام لعلماء الاجتماع لدراسة المزاج الشعبي. “Walid Maatoug” اختصر المشهد بجملة تحمل في طياتها نقداً لاذعاً لمضمون الاحتفال ذاته: “عيد العمل يخص وزير العمل ووزارته فقط”. هذه العبارة لم تسخر من القرار فقط، بل من مفهوم العيد نفسه في بلد تآكلت فيه فرص العمل، وتحول القطاع العام إلى كيان وظيفي مترهل يعاني من البطالة المقنعة، بينما الشباب يخاطرون بحياتهم في قوارب الموت هرباً من واقع لا يوفر أملاً اقتصادياً.

وتجلى الإبداع الشعبي في تعليق “محمد مختار” الذي دقق في الصياغة اللغوية للقرار: “تي هي صياغة ترعى عيد العمال وليس عيد العمل، وكيف جمعة عطلة يعني دبل عطلة”. هنا نكتشف أن المعلق الليبي لم يعد مجرد مستقبل سلبي للقرارات، بل تحول إلى خبير في فقه اللغة الإدارية، قادراً على تفكيك التناقض بين “العمال” و”العمل”. وفي السياق ذاته، تساءل “Noordeen Shagan” عن خطأ لغوي محتمل: “هل العيد للعمل، أم للعمال؟ خطأ لغوي بالقرار”، مما يفتح باباً للتكهن بأن أحد موظفي ديوان رئاسة الوزراء ربما كان بحاجة ماسة إلى دورة تقوية في قواعد اللغة العربية قبل صياغة التعاميم المصيرية.
تشريح العبث: بين فقه اللغة وفقه الضحك
لم تقتصر السخرية على مضمون القرار، بل امتدت إلى تبعاته الافتراضية التي تخيلها المعلقون ببراعة. “عبدو التكا” قاد الموجة الأكثر ضحكاً بتعليقه الأيقوني: “صلاة جمعة نصلوها السبت يعمل بهذا القرار من تاريخ صدوره”، متخيلاً أن القرار الحكومي قد يطال حتى الشعائر الدينية. هذا التعليق حصد عشرات التفاعلات لأنه لامس القلب الحيوي للمفارقة: كيف يمكن ليوم عطلة رسمية أن يكون يوم عطلة عمال وفي نفس الوقت يوم صلاة الجمعة التي لا يمكن ترحيلها إلى السبت؟ المفارقة أصبحت مكتملة الأركان.

ولم تكن النساء الليبيات أقل حضوراً في الكرنفال الساخر. “Mona Omar” سألت بسخرية أنثوية لاذعة: “يعني عطلة من شنو بضبط، مانديروش بازين ولا مانصلوش في الجامع؟”. البازين، تلك الأكلة الليبية الشعبية التي تُعد عادة يوم الجمعة، أصبحت هنا مقياساً شعبياً للعطلة الحقيقية. أما “Doja Mohammed” فأطلقت السؤال البديهي الذي تبادر إلى ذهن كل ليبي: “من امته الجمعة عطلة؟”، وكأنها تكتشف لأول مرة أن شيئاً بهذا الوضوح يحتاج إلى قرار وزاري. وجاء رد “AS AL” ليكمل السيمفونية: “هوا الجمعة كان مش عطلة؟ مو عطلة أصلا!”
أما التعليقات المنشورة في الصور المرفقة، فكشفت حالة من التخبط الممزوج بالامتنان الساخر. “Amal Elshamli” كتبت ضاحكة: “والو والاو عطلة يوم الجمعة ماقصرتوش الحق”، بينما علقت “Banan Ali” بمزيج من الحيرة والتندر: “الله يهديكم.. درتو الخميس عطلة وعدلتو الموضوع كتعويض..”. هذا التعليق يلمح إلى نظرية مؤامرة بيروقراطية طريفة: ربما كان القصد إعلان يوم الخميس عطلة، لكن الصياغة الخرقاء جعلت الجمعة هي العطلة، مما اضطرهم إلى “تعديل” الواقع ليتناسب مع القرار.
“محمد امحمد دردا” أغلق الباب على أي محاولة لتبرير القرار بمنطق الدولة، قائلاً: “هو الجمعة عطلة أصلا، والله خسارة ورق رسمي وتعميمات”. في هذه الجملة القصيرة يكمن مكمن الألم: إهدار المال العام على طباعة ونشر تعميمات لا لزوم لها في بلد يعاني من شح الموارد وفساد مزمن.
الخميس الضائع.. حكاية العطلة التي ضلّت الطريق
من بين مئات التعليقات، برزت مجموعة ترى أن العبث بلغ ذروته ليس في الإعلان عن عطلة الجمعة، بل في إضاعة فرصة ذهبية لعطلة حقيقية. “صالح الحاج” اقتبس بعمق المفارقة التاريخية: “قالها هيرودت من زمان بكل: من ليبيا يأتي الجديد”. الجديد هنا ليس اختراعاً علمياً، بل قدرة فائقة على تحويل المنطق الإداري إلى مادة للتهكم.
“Mohamed Alsamih” حاول فك شيفرة العبث قائلاً: “مليح بكل معناها الخميس عيد العمال والجمعة عيد العمل”. هذا التحليل، رغم طرافته، يكشف حيرة المواطن أمام قرارات لا تستند إلى أي عقلانية. وكأن حكومة الدبيبة أرادت أن تخلق احتفالاً ممتداً من الخميس إلى الجمعة، لكنها صاغته بطريقة جعلت الجمعة هي العطلة الوحيدة المعلنة، مما أدى إلى ضياع يوم الخميس كعطلة محتملة، وبقاء الجمعة كعطلة مزدوجة لا معنى لها.
“Khalid Benramadan” أبدى امتناناً ساخراً مختلطاً بالحيرة: “صار قلنولي عطلة في جميع المؤسسات، بارك الله فيكم اللي اعلنتوا عليها بكري الواحد يجهز نفسه من توا”. هذا التجهيز المبكر، في قاموس الليبيين، لا يعني ترتيب أمتعة السفر، بل يعني الاستعداد الذهني لتقبل المزيد من القرارات الغريبة التي تخرج من رحم المؤسسات الرسمية.
رسالة سياسية أم زلة لسان بيروقراطي؟
في محاولة للغوص في أعماق هذا الحدث، يمكن طرح سؤال افتراضي: هل كان هذا القرار مجرد خطأ بشري ارتكبه موظف صغير في ديوان رئاسة الوزراء، أم أنه يحمل في طياته رسالة سياسية مشفرة من رئيس حكومة يكافح من أجل إثبات وجوده وشرعيته؟
التحليل يرجح الاحتمال الأول، وهو الأكثر إدانة للحكومة. ففي أي دولة طبيعية، تمر التعميمات بعدة مستويات من التدقيق قبل النشر. حقيقة أن هذا القرار مر دون أن ينتبه إليه أحد في سلسلة القيادة، يكشف عن غياب تام لأبسط معايير الحوكمة والإدارة. هذا الغياب ليس بالجديد؛ فحكومة الدبيبة، التي تعاني أصلاً من أزمة شرعية بعد انتهاء ولايتها ورفض البرلمان لها، تبدو وكأنها مشغولة بمعارك البقاء السياسي أكثر من انشغالها بجودة الخدمات المقدمة للمواطنين. الخطأ الإداري الفادح هنا تحول إلى استعارة مثالية لفشل النخبة الحاكمة في طرابلس.
لكن بعض المعلقين ذهبوا إلى أبعد من ذلك، متبنين تفسيراً سياسياً أكثر سوداوية. فقد رأوا أن القرار ربما كان مقصوداً، ليس كخطأ، بل كخطوة دعائية رخيصة الثمن. الفكرة أن إعلان عطلة في يوم الجمعة، حتى لو كانت ساذجة، يضمن تفاعلاً جماهيرياً هائلاً على وسائل التواصل الاجتماعي. هذا التفاعل، حتى لو كان معظمه سخرية ونقداً، يخلق “بروزاً” إعلامياً لرئيس الحكومة، ويجعله حاضراً في نقاشات الناس. في عالم السياسة الحديثة، لا يوجد شيء اسمه إعلام سيئ، وكل تفاعل هو مكسب. ربما كان المخطط أن يضحك الناس، ثم يتناقلوا الاسم والصورة، وهكذا يتحول القرار الخاطئ إلى حملة علاقات عامة ناجحة. لكن هذا التفسير يمنح حكومة الدبيبة قدراً من الدهاء الإعلامي لا تبدو قادرة عليه حقاً.
“دبل عطلة”: ثقافة السخرية كسلاح المواطن الليبي
ما يجب التوقف عنده طويلاً ليس القرار نفسه، بل كيفية تعامل الليبيين معه. في خضم أزمات خانقة تشمل انهيار القدرة الشرائية، وانقطاعات الكهرباء المزمنة، وصعوبة الحصول على جواز سفر، لم يخرج الليبيون إلى الشوارع غاضبين، ولم يطلقوا حملات غضب على مواقع التواصل. بدلاً من ذلك، سخروا وضحكوا بمرارة. هذا التحول من الغضب إلى السخرية اللاذعة يمثل ظاهرة اجتماعية تستحق الدراسة.
إنها استراتيجية دفاعية نفسية تطورت لدى الشعوب التي أنهكتها الصراعات والوعود الفارغة. عندما يصبح الواقع عبثياً إلى درجة لا تُحتمل، يصبح الضحك هو الملاذ الأخير. “آية علي” صاغت الأمر بطريقتها البسيطة: “دبل عطلة”، وكأنها تتحدث عن قسيمة شراء مجانية وليس عن تعميم حكومي. “RA Khaled Abohaliga” وصف الحكومة بأنها “حكومة سلاطه”، في إشارة إلى طبق ليبي يُطهى على نار هادئة ويُقلب كثيراً، في استعارة دالة على حالة التخبط وعدم الاستقرار.
“Moaz Al Jankoo” قدم اعترافاً صادماً: “سبحان الله كان ما قلتو ش الجمعه عطلة راهو مشينا”. هذا الاعتراف يظهر مدى الاستلاب الإداري، حيث يحتاج المواطن إلى تعميم من سلطة عليا ليؤكد له أن يوم الجمعة هو عطلة، وإلا لذهب إلى العمل. إنها حالة من فقدان الثقة في البديهيات لدرجة أن الإنسان يشك في معرفته بأيام الأسبوع ما لم يصدر بها قرار وزاري. وتابعت “Dona Sh” نفس السياق: “كان مش من القرار ره مشيت خدمت الحمدلله قلتولنا”.
أما “Abdul Rahman Diyyaq” فسأل بسخرية محيرة: “كيف صار الجمعة دوام قبل ولاشئو؟”، وكأنه يتساءل إن كان الجمعة كان يوم عمل قبل هذا القرار التاريخي الذي صحح مسار التقويم الأسبوعي. الأمر يشبه أن تستيقظ صباحاً لتجد الحكومة تعلن أن الشمس تشرق من الشرق، وتطلب منك الاحتفال بهذا الاكتشاف.
هذه السخرية، رغم مرارتها، تحمل بذور وعي سياسي. المواطن الليبي، الذي يُصوَّر أحياناً كضحية سلبية، أظهر هنا قدرة فائقة على تفكيك الخطاب الرسمي، وكشف تناقضاته، وفضح عبثيته. إنه ليس ضحكة استسلام، بل ضحكة مقاومة؛ مقاومة بالسخرية لسلطة فقدت القدرة على الإقناع، ولم يعد لديها ما تقدمه سوى المزيد من الوعود الفارغة والقرارات العبثية التي تذكر الجميع بأن هذه الطبقة الحاكمة تعيش في فقاعة معزولة تماماً عن الشارع.
ديوانية الدبيبة وجغرافيا الانفصال عن الواقع
لفهم مصدر هذا العبث، يجب تفكيك طبيعة النخبة الحاكمة في غرب ليبيا. حكومة الدبيبة تعيش حالة من الحصار السياسي الداخلي والخارجي، وتكافح من أجل البقاء في مواجهة ضغوط برلمانية ودولية لإجراء انتخابات وإنهاء المراحل الانتقالية. في مثل هذا السياق، يتحول العمل الحكومي إلى سلسلة من الإجراءات البهلوانية البيروقراطية التي تهدف إلى خلق وهم النشاط والإنجاز، دون أي تأثير فعلي على حياة الناس. التعميمات والقرارات التي تُتخذ في ديوان رئاسة الوزراء في طرابلس تُناقش غالباً في قاعات مغلقة بعيداً عن ضجيج الشارع، بين نخبة من المستشارين الذين تحولوا إلى كهنة للبيروقراطية، يتبارون في صياغة نصوص قانونية لا معنى لها.
هذا الانفصال يفسر كيف يمكن لقرار مثل هذا أن يرى النور. في عالم موازٍ، ربما كان أحد مستشاري الدبيبة يعتقد حقاً أنه يقدم خدمة جليلة للعمال الليبيين بإعلان يوم الجمعة عطلة، دون أن يلتفت إلى التقويم المعلق على الحائط. في هذا العالم الموازي، العمال موجودون كرقم إحصائي في تقارير الوزارات، وليسوا كبشر من لحم ودم يقفون في طوابير الوقود.
القرار أيضاً يعكس توقفاً كاملاً للعقل الاستراتيجي. في بلد يعاني من أزمة إنتاج حادة، حيث القطاع الخاص يئن والعمالة الأجنبية تملأ الفراغ في المهن الحرفية، كان من الأولى بحكومة تدّعي العمل من أجل الاستقرار أن تغتنم مناسبة عيد العمال للإعلان عن مبادرات حقيقية: خلق فرص عمل، دعم المشاريع الصغرى، تحسين بيئة الاستثمار. بدلاً من ذلك، تلجأ إلى الحل الأسهل والأكثر أماناً: طباعة بيان بعطلة لا وجود لها. إنه السلوك الكلاسيكي للدولة الريعية التي لا تعرف كيف تنتج الثروة، ولكنها بارعة في إنتاج التعاميم التي لا تكلفها شيئاً سوى ثمن الحبر والورق، وهما موردان، كما أشار المعلقون، نادران ويجب عدم إهدارهما في “خسارة ورق رسمي”.
أبعد من النكتة: تداعيات عبثية الحكم
ما يبدو مجرد نكتة عابرة هو في حقيقته عرض لمرض عضال في جسد الدولة الليبية. الإدارة التي لا تستطيع التمييز بين أيام العمل وأيام العطلة هي نفسها الإدارة التي تفشل في إدارة ملفات المصالحة الوطنية، وتفشل في توحيد المؤسسة العسكرية، وتفشل في توفير الأمن والخدمات الأساسية. هذا الفشل ليس نتاج نقص في الموارد أو الكفاءات البشرية بالضرورة، بل هو نتاج ثقافة المحسوبية والارتجال وغياب المساءلة.
كيف يمكن لدبلوماسي أجنبي أو ممثل منظمة دولية أن يأخذ على محمل الجد حكومة تصدر قراراً بعطلة رسمية في يوم العطلة الأسبوعية؟ كيف يمكن التفاوض مع سلطة هذا هو مستواها الإداري حول عقود نفطية بمليارات الدولارات أو خطط إعادة إعمار؟ “سبحان الله والله فرحت أن الجمعة ع الأقل نرتاحو من الدوام شكرا دبيبة ع القرار في وقته”، تعليق “Mohamed Emhamed Dorda” يختزل هذه المأساة: “الجمعة عطلة أصلا”. هذا الإدراك المتأخر، والمفاجئ أحياناً، هو ما يجعل الحكم في ليبيا أقرب إلى مهزلة منه إلى ممارسة سياسية جادة.
في وداع الجمعة التي لم تكن عطلة حتى أصبحت عطلة
في النهاية، سيبقى هذا القرار علامة فارقة في تاريخ العبث الإداري الليبي. سيبقى الناس يذكرونه كما يذكرون النكات القديمة، وسيضاف إلى قاموس الأمثال الشعبية: “عطلة الدبيبة”. سيُروى للأجيال القادمة أنه كان هناك حاكم، في زمن عصيب، كان جل ما استطاع تقديمه لشعبه هو إعلان عطلة في يوم هم أصلاً في عطلة. إنها قصة قصيرة ولكنها بليغة، قصة نخبة سياسية تعيش في مدار مختلف تماماً عن مدار الشعب الذي يفترض أنها تخدمه.
“Ahmed Hamza” أنهى تعليقه بعبارة “يا ودي بارك الله فيكم كنت بنمشي قبل”، مؤكداً أن هذا القرار، رغم عبثيته، ربما أنقذه من ذهاب غير مقصود إلى العمل. و”Mosab Fa” اختصر فلسفة العصر بعبارة غامضة ولكنها عميقة: “كان ميرعوش ميفعوش”. ربما هي وصفة للتعامل مع هذه الحكومة: لا تخافوا ممن لا يفقهون. في ليبيا الدبيبة، كل يوم هو عطلة عن العقل والمنطق، والجمعة القادمة هي عطلة رسمية فوق العطلة، في انتظار ما ستسفر عنه الأيام القادمة من قرارات، ربما تعلن فيها الحكومة أخيراً أن الليل للراحة والنهار للسعي، وذلك يعمل به من تاريخ صدوره.



