انفراجة البطاقات تحرر ودائع الليبيين.. وكابوس السيولة يتحول إلى فخ سعر الصرف
تضخم الكتلة النقدية فوق 200 مليار دينار يهدد استقرار الأسعار
ليبيا 24
التحول الرقمي يطلق سيولة السوق الموازي ويضغط على الدينار الليبي
معادلة النفط والإنفاق وتضخم النقد.. خريطة المخاطر الثلاثية أمام المصرف المركزي
تحول المشهد النقدي الليبي خلال الأشهر الماضية من أزمة اختناق سيولة خانقة إلى تحدٍ من نوع مختلف وأشد تعقيداً، فبينما نجح مصرف ليبيا المركزي في دفع الجمهور نحو تبني وسائل الدفع الإلكتروني، وهو إنجاز طال انتظاره لسنوات، كشفت بيانات الخبير الاقتصادي محسن الدريجة عن مفارقة بالغة الدقة، مفادها أن الانتصار على أزمة النقود الورقية حرر فجأة كتلة هائلة من الودائع المصرفية الراكدة وضخها في تيار الطلب على العملة الأجنبية، مما غذى ضغوطاً صعودية حادة على سعر الصرف في السوق غير الرسمي، وأعاد خلط أوراق السياسة النقدية في بلد يعتمد كلياً على الريع النفطي.
صحوة المدفوعات الرقمية.. نصر تأخر كثيراً
يصف الدريجة، الذي تولى رئاسة المؤسسة الليبية للاستثمار سابقاً، انتشار استخدام بطاقات الدفع بأنه “خطوة ناجحة” للمصرف المركزي. فقد تزامن هذا التوسع مع سحب المصرف لفئات نقدية رئيسية من فئة العشرين والخمسين وحتى الخمسة دنانير من التداول، وهو ما خلق بيئة إجبارية طوعية دفعت الجمهور العريض لأول مرة نحو قبول البيع والشراء دون نقود ورقية على نطاق واسع. ويقر الدريجة بأن هذا التحول في ثقافة التعاملات اليومية يمثل تطوراً هيكلياً بالغ الأهمية تأخر تنفيذه كثيراً في الاقتصاد الليبي.
غير أن الوجه الآخر لهذا النجاح، وفق التحليل الذي نشره الدريجة، يكمن في أن الانتقال إلى المدفوعات الرقمية أتاح أخيراً الوصول المباشر والفوري لأموال الجمهور المكدسة في حساباتهم المصرفية. تلك الودائع التي كانت عملياً خارج التداول النشط، كان الوصول إليها في السابق يتطلب تكبد فارق سعري كبير بين قيمة النقود الورقية النادرة وقيمة الشيكات أو الحوالات المصرفية. وفجأة، باتت هذه الكتلة المالية “النائمة” قوة شرائية جاهزة ومتحفزة للدخول إلى السوق.
مفارقة السيولة.. حين يصبح وفرة الدينار ضغطاً على الدولار
يكمن جوهر الإشكالية التي يرصدها الدريجة في أن تحرير هذه الودائع وتزامنه مع الارتفاع القياسي في إجمالي عرض النقود، الذي يشمل العملة الورقية في أيدي الجمهور والأرصدة الجارية في المصارف، زاد من ضخامة الطلب الكلي. وهذا الطلب المتضخم على السلع والخدمات، وفي اقتصاد يستورد كل احتياجاته تقريباً، يتحول أوتوماتيكياً إلى طلب متسارع على النقد الأجنبي، وتحديداً الدولار، مما يشكل قوة دفع مستمرة لارتفاع سعر الصرف في السوق الموازي.
ويضيف إلى هذا المشهد عامل إضافي يتمثل في استمرار تعامل قطاعات حيوية بالنقود الورقية فحسب، وعلى رأسها محطات توزيع الوقود وسوق تحويلات العمالة الوافدة. هذه القنوات تخلق جيوباً منفصلة من الطلب النقدي الورقي البحت، تزيد من تعقيد إدارة الكتلة النقدية الإجمالية.
ارتياح عابر.. كيف أعاد ضخ الدولار التوازن مؤقتاً؟
يقدم الدريجة تفسيراً لحركة السوق خلال الشهور الأخيرة، مشيراً إلى أن ارتياح الجمهور الناتج عن ارتفاع أسعار النفط العالمية، متأثراً بالتوترات الجيوسياسية كالحرب على إيران، بالإضافة إلى التأكد الملموس من وصول شحنات العملة الورقية من فئة الدولار نقداً إلى البلاد، وزيادة الكمية المباعة للأغراض الشخصية، كلها عوامل تضافرت لخفض سعر الدولار في السوق الموازي إلى مستويات لم يشهدها منذ نوفمبر من عام 2025.
ويشرح الديناميكية قائلاً: كلما تضاءل الفارق بين سعر الصرف الرسمي وسعر السوق الموازي، كلما انحسرت مشكلة السيولة النقدية. والسبب واضح، فانخفاض سعر الدولار في السوق الموازي يشير إلى توفر كميات كافية منه، وهذه الوفرة تطمئن الجمهور وتدفع جزءاً كبيراً من النقود الورقية للعودة مجدداً إلى أحضان المصارف. إنها دورة ثقة مؤقتة: الدولار المتوفر يخفض سعره، مما يعيد الدينار للمصارف، مما يخفف بدوره أزمة السيولة.
خريطة الخطر الثلاثي لما تبقى من العام
لكن التحذير الأهم في تحليل الدريجة يتعلق بالمرحلة القادمة، حيث يحدد ثلاثة عوامل سيكون لها دور أساسي في تحديد اتجاه سعر الصرف، وقد تبدو هذه العوامل منفصلة لكنها في الحقيقة متشابكة وتمثل معاً معادلة هشاشة الاقتصاد الليبي.
العامل الأول: سقف سعر النفط الحرج. يضع الدريجة رقماً فاصلاً هو 80 دولاراً للبرميل. ووفق حساباته المرتبطة بحجم الإنتاج الليبي الحالي البالغ 1.4 مليون برميل يومياً، فإن أي سعر دون هذا المستوى لن يكون كافياً لتغطية بنود الإنفاق العام الأساسية المتمثلة في فاتورة المرتبات والدعم وبعض النفقات التشغيلية الضرورية. إنها معادلة وجودية للمالية العامة، فأي هزة في الأسواق النفطية العالمية ستنعكس فوراً على قدرة الدولة على تغذية السوق بالعملة الصعبة وبالتالي على سعر الصرف.
العامل الثاني: كبح جماح الإنفاق العام وإغلاق مراجل إعادة التصدير. يسلط الدريجة الضوء على ظاهرة اقتصادية مشوهة ومربحة في آنٍ واحد، وهي إعادة تصدير السلع المستوردة. ويكشف أن جزءاً كبيراً من هذه التجارة الوهمية يقوم على استيراد بضائع باعتمادات مستندية يتم الحصول عليها من المصرف المركزي بسعر الصرف الرسمي المدعوم، ثم بيعها خارج ليبيا. والهدف لم يكن يوماً سد حاجة السوق المحلي، بل تحقيق أرباح طائلة تصل إلى 50%، وذلك عبر الاستفادة من الفارق الهائل بين سعر الصرف الرسمي وسعر السوق الموازي.
ويشرح الآلية بدقة: التجار يشترون البضائع بالدولار المدعوم، ويبيعونها بالدولار في الخارج، ثم يحولون أرباحهم إلى الدينار الليبي عبر سوق الصكوك بسعر أعلى بكثير. لهذا، يرى الدريجة أن اختفاء فارق سعر الصرف، بتوفر العملة الأجنبية بالسعر الرسمي للجميع، سيضرب هذه التجارة التحكيمية في مقتل، وسيقلص حجم الاستيراد إلى مستويات أقرب للحاجة الفعلية للبلاد بدلاً من كونها وسيلة للمضاربة على الدينار. ويختصر الفكرة بالقول إن استمرار الوضع الحالي يشجع على استيراد كميات تفوق حاجة ليبيا بأضعاف.
العامل الثالث والأكثر إثارة للقلق: قنبلة عرض النقود الموقوتة. يكشف الدريجة عن رقم صادم، وهو أن إجمالي النقد الليبي، الذي يشمل العملة الورقية والأرصدة الجارية، قد تجاوز حاجز 200 مليار دينار. وتفصيل هذا الرقم يظهر أن هناك 59 مليار دينار عملة ورقية متداولة في أيدي الجمهور، إضافة إلى ودائع تزيد على 140 مليار دينار في الحسابات الجارية.
ويحذر من أن هذه الكتلة الضخمة تجعل الطلب الكامن على العملة الأجنبية أكبر بكثير من قدرة المصرف المركزي على مواجهته بسعر الصرف الرسمي، إذا ما اندفع هذا الطلب مرة واحدة. والمحفزات لمثل هذه الهجمة على الدولار معروفة: زيادة غير مدروسة في الإنفاق العام، أو تسارع مشاعر الجمهور بعدم الاستقرار السياسي والاقتصادي. الوصفة التي يقدمها الدريجة للمركزي صارمة وواضحة: إيقاف نمو عرض النقود فوراً، بل والعمل على تقليله، ولا يتحقق هذا إلا بضبط الانفاق العام وبوسائل غير تقليدية.
تشريح التضخم.. ماذا يحدث حقاً عند طباعة الدينار؟
في تحليله للجدل الدائر حول أثر طباعة النقود على الأسعار، يقدم الدريجة نموذجاً توضيحياً بالغ الأهمية. في الظروف العادية، تزيد النقود بزيادة الدخل الناتج عن نمو حقيقي في الإنتاج، سواء كان إنتاج النفط أو الحبوب أو غيرها. أما زيادة الأرصدة والنقود دون زيادة موازية في الإنتاج فهي المسار الكلاسيكي للتضخم. وفي ليبيا، حيث أغلب السلع مستوردة، المعادلة تترجم مباشرة إلى: كمية أكبر من الدينار الليبي تطارد كمية ثابتة من الدولارات.
ويفترض سيناريو شهرياً قائماً على شراء سلع مستوردة بقيمة 6 مليار دينار، هي قيمة المرتبات الشهرية. في الوضع الطبيعي دون طباعة جديدة، يشرح الدريجة أن هذه العملية تؤدي إلى عودة النقود إلى المركزي على شكل دولارات، ويعود عرض النقود لوضعه السابق تقريباً: الأرصدة الجارية تُشطب عندما تمنح اعتمادات أو تباع بالدولار، بينما تظل النقود الورقية في التداول. أما إذا تمت طباعة 6 مليار دينار جديدة لذات الغرض، فإن عرض النقود يرتفع فوراً وبشكل دائم، لأن الأرصدة الجارية المستخدمة في عملية الشراء تُشطب، لكن النقود الورقية المطبوعة حديثاً لا تسحب من التداول أبداً، بل تبقى لتلبية الطلب المتزايد على السيولة.
النتيجة المباشرة لهذه العملية، حسب التحليل، هي زيادة عرض النقود الإجمالي من 200 مليار إلى 206 مليار دينار، مما يعني ضخ طلب إضافي دائم في السوق دون أي زيادة في الإنتاج. وهذا بالضبط ما يؤكده الدريجة بأنه المحرك الأساسي للتضخم، ولهذا، فإن الدعوة إلى وقف نمو الكتلة النقدية ليست خياراً أكاديمياً، بل ضرورة ملحة لتجنب تفاقم الأزمة المعيشية في البلاد.



