ليبيا

تقرير فوربس: كيف راهن الدبيبة بسيادة ليبيا في صفقة أوكرانية انتهت بكارثة

تقرير: رئيس حكومة ليبيا المنتهية ولايته يقامر بالسيادة

ليبيا 24:

فوربس: الدبيبة سمح بضرب سفينة روسية من قاعدة مصراتة

نشرت مجلة «فوربس» تقريراً موسعاً لكبير مساهميها بول إيدون يكشف تفاصيل مثيرة عن واقعة استهداف الناقلة الروسية «أركتيك ميتاغاز» في الثالث من مارس الماضي قبالة السواحل الليبية.

التقرير الذي حمل عنوان «كيف قد تطلق أوكرانيا طائرات بدون طيار من ليبيا لضرب ناقلة روسية» يوثق، نقلاً عن مصادر متطابقة وتحليلات خبراء، كيف حوّل رئيس الحكومة المنتهية ولايتها، عبد الحميد الدبيبة، أراضي غرب ليبيا إلى منصة لعمليات كييف العسكرية ضد موسكو.

وتخلص المجلة إلى أن هذه المغامرة المحفوفة بالمخاطر كشفت ليس فقط عن اختراق سيادي خطير، بل عن يأس سياسي دفع رئيس وزراء يعيش أزمة شرعية متصاعدة إلى المقامرة بالاستقرار البيئي والأمني للبلاد من أجل بقائه.

وثائق فوربس: من مصراتة والزاوية انطلق الهجوم الأوكراني

بحسب ما كشفه تقرير «فوربس» نقلاً عن مصادر وصفتها بالرفيعة، تموضع خبراء طائرات مسيرة أوكرانيون في قاعدة مصراتة الجوية وفي مواقع ساحلية ببلدتي الزاوية وطرابلس، وذلك بتنسيق مباشر مع جهات عليا في وزارة دفاع الدبيبة وتحديداً مع نائب الوزير عبد السلام الزوبي.

التقرير أكد أن الضربة التي تلقتها ناقلة الغاز الطبيعي المسال الروسية، والتي كانت تحمل 61 ألف طن من الشحنة وتنتمي إلى ما يُعرف بـ «أسطول الظل» الملتف على العقوبات الغربية، نُفذت بطائرات بحرية مسيرة متطورة من الطراز نفسه الذي أربك القوات البحرية الروسية في البحر الأسود.

«فوربس» قالت إن المسيرات التي استهدفت «أركتيك ميتاغاز» وأعقبتها انفجارات مفاجئة وحريق هائل نجا منه ثلاثون بحاراً، انطلقت من منشآت تقع تحت سيطرة حكومة الدبيبة، مما يجعل الهجوم – وفق توصيف التقرير – ليس عملية أوكرانية محضة، بل نتيجة مباشرة لقرار سياسي اتخذته طرابلس بالسماح باستخدام أراضيها مسرحاً لحرب لا علاقة لليبيين بها.

ونقلت المجلة عن مصادرها أن هذه الفرق الأوكرانية كانت موجودة أصلًا في ليبيا منذ منتصف 2023 تقريباً، لكن ما حدث في مارس 2026 يمثل نقلة فارقة نحو “نشاط أكبر وأكثر جرأة ووقاحة”، على حد وصف التقرير.

ضغوط داخلية ومخاوف دفعته لتمييز نفسه بنزال مع روسيا

يرى تقرير «فوربس» أن جذور هذه المجازفة لا تُفهم بمعزل عن المأزق الذي عاشه الدبيبة بين مايو وديسمبر 2025.

في تلك الفترة، كما ينقل إيدون عن الباحث المتخصص في الشأن الليبي جلال حرشاوي من المعهد الملكي للخدمات المتحدة، وجد الدبيبة نفسه في “خطر حقيقي” سببه ديناميكيات أمنية محلية متدهورة في طرابلس، إضافة إلى مشاكل متصاعدة مع خصومه في الشرق الليبي، وإحساس متنام بأن الداعم التقليدي لحكومته، أي تركيا، بدأ يغير أولوياته وينفتح على أطراف أخرى.

في هذا السياق الضيق، وبحسب ما ينقله التقرير، سعى الدبيبة بكل السبل إلى تقديم نفسه للحلفاء الغربيين بوصفه القائد “الفريد وذي القيمة” الذي يجب التمسك به.

وذكرت «فوربس» أن من تجليات هذا المسعى تسليمه مشتبهاً به في قضية مقتل السفير الأمريكي كريستوفر ستيفنز عام 2012، لكن الأهم كان اختياره تأدية دور رأس الحربة المناهض لروسيا في المتوسط، مما يعني فتح الباب أمام الشركات الأوكرانية المتخصصة في تصنيع المسيرات ونشرها.

التقرير يربط هذا الخيار بمنطق بسيط، نقلاً عن حرشاوي: “إحدى وسائل الاختلاف عن خصومه هي أن تكون مناهضاً لروسيا”.

وهكذا رحبت حكومة الدبيبة بشركات تجارية أوكرانية، بعضها مسجل في بلغاريا وصربيا، وفتحت لها المجال ليس لنقل الخبرات وتطوير القدرات التقنية للوحدات الموالية لها فحسب، بل ولتنفيذ “أنشطة خارج المنهاج” تستهدف مصالح موسكو، بحسب تعبير التقرير.

صفقة المسيرات: فائدة تقنية بثمن الكارثة البيئية والدبلوماسية

تتهم «فوربس» حكومة الدبيبة بأنها استأجرت سيادة ليبيا في صفقة غير مكتوبة مع كييف فبينما كانت طرابلس تطمح إلى الاستفادة من صعود أوكرانيا السريع كـ “عاصمة للدرونز في العالم” والاستعانة بفنييها لتعزيز قدراتها العسكرية المحلية، قدمت بالمقابل هامشاً واسعاً لتلك الفرق لتشن من الأراضي الليبية عمليات موجعة ضد روسيا.

ويشير التقرير إلى أن المعادلة كانت واضحة: إما القبول أو أن تهدد كييف بالرحيل ونقل خبراتها المطلوبة بشدة إلى مكان آخر.

غير أن التقرير يلفت الانتباه بقوة إلى أن النتيجة تجاوزت كل التوقعات، وبالأخص في بعدها الكارثي، ناقلة الغاز لم تغرق فحسب، بل إنها أخذت تنجرف لأيام حاملة حمولتها الخطيرة بين مالطا وجزيرة لامبيدوزا، ما هدد بكارثة بيئية في المتوسط لو تسربت الكميات الهائلة من الغاز المسال.

«فوربس» تعزو إلى المحلل حرشاوي وصفه الحادثة بأنها “أمر كارثي بحق حتى من منظور بيئي”، وتضيف أن الدبيبة لم يكن يتصور للحظة أن الهجوم سيتحول إلى قصة إخبارية عالمية بذلك الشكل المذل، ولا أن السفينة المشتعلة ستنجرف إلى مسافات تزيد من الإحراج وتطيل أمد التغطية الإعلامية.

تقرير فوربس: الدبيبة لم يكن يعلم وربما اعتذر للافروف

من بين أخطر ما أورده تقرير «فوربس» ما يتعلق بمدى علم الدبيبة المسبق بتفاصيل العملية، التقرير يستبعد بشكل قاطع أن يكون الدبيبة جلس في مكتبه وقال إنه يوافق على هجوم بهذا الحجم وبهذه التداعيات.

ونقلت المجلة عن حرشاوي قوله: “لا أعتقد أن الدبيبة كان يعلم أن حادثة 3 مارس ستكون بهذا الحجم وهذا الإحراج”، ورجح أنه لو كان يعلم بهذه النتيجة النهائية المتمثلة في انتهاك سيادي مكشوف وضرر بيئي فادح واهتمام عالمي مدو لربما “اتخذ قرارات مختلفة تماماً”.

بل إن التقرير يذهب إلى أبعد من ذلك حين يربط الحادث باللقاء اللاحق الذي جمع الدبيبة بوزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف على هامش منتدى أنطاليا الدبلوماسي في أبريل 2026.

وترى «فوربس» أن الدبيبة قدم على الأرجح اعتذاراً ضمنياً عن الحادث، في محاولة واضحة لاحتواء الغضب الروسي واحتمال الرد الانتقامي على أراضيه، وهو ما يعكس، حسب تعبير التقرير، أن المغامرة التي بدأت كمحاولة لإثبات الجدارة أمام واشنطن ولندن انتهت إلى مأزق دبلوماسي يضاف إلى سجل الدبيبة المثقل أصلاً بأزمات الشرعية والعجز عن بسط الأمن في طرابلس نفسها.

حكومة منتهية الولاية تقايض سيادة ليبيا بلا تفويض

تخلص «فوربس» في ختام تحليلها إلى أن المشكلة الأعمق ليست فقط في أن هجوماً عسكرياً أجنبياً انطلق من أراض ليبية دون غطاء قانوني، بل في أن من أذن به هو رئيس حكومة انتهت ولايتها منذ سنوات ويتصرف خارج أي إطار دستوري.

التقرير لا يستخدم لفظ “صفقة” عرضاً، بل ليؤكد أن التراب الليبي تحول إلى سلعة تُقدم كجزء من حزمة تفاوض مع قوى خارجية تبحث عن وكلاء محليين.

وإذ تقر المجلة بأن فتح الباب أمام الأوكرانيين قد يكون قد خدم رغبة بعض العواصم الغربية في إبعاد ليبيا عن متناول موسكو، فإنها تحذر في الآن نفسه من أن هذه السياسة وضعت البلاد على شفا مواجهة إقليمية وتسببت في تهديد بيئي لم تكن المنطقة لتتحمله، وجعلت من حكومة الدبيبة منتهية الولاية الطرف الذي يمكن التضحية به حين تتغير ميزان القوى.

ووفقاً لمصادر «فوربس» فإن ما جرى في مارس 2026 لن يتكرر على الأرجح لا لأن الدبيبة أصبح أكثر حرصاً على السيادة الليبية، بل لأنه اكتشف متأخراً أن ثمن هذه المغامرة كان أكبر بكثير مما تخيله، وأن من وثق بهم من حلفاء لم يتحملوا معه تبعات انجراف الناقلة المحترقة ولا تداعيات الخرق السيادي الذي بات موثقاً بالتقارير الصحفية.

بهذا ينتهي تقرير «فوربس» إلى صورة قاتمة لحكومة تدير شأناً سيادياً بالغ الخطورة بمنطق حسابات البقاء السياسي الضيقة، وتستخدم أراضيها منصة لعمليات عسكرية أجنبية دون أي تفويض شعبي أو دستوري، في مشهد لا يعكس سوى عمق مأزق الدبيبة وهو يلهث وراء أي فرصة تميزه عن خصومه ولو كان ثمنها تعريض البيئة والأمن القومي الليبي لمخاطر لا يمكن احتواؤها.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى