ليبيا

حين يلتهم التمساح ذيله.. الدبيبة ينقلب على الإخوان ويكشف مؤامرتهم

انقلاب التحالف: الدبيبة يشن حرباً على الإخوان بعد المؤامرة


ليبيا 24- عبدالعزيز الزقم

المريض الذي أفاق ليجد رفاقه يسرقون كفنه

في بلد تحولت فيه السياسة إلى فرع من فروع الطب النفسي العسكري، لا يخرج رئيس حكومة منتهية الولاية إلى العلن ليعلن عن مشروع وطني، بل ليحكي حكاية أقرب إلى اعترافات قيصر على فراش الموت، حيث الرفاق ليسوا رفاقاً، والطاعن في الظهر لا يحمل خنجراً بل دفتر شروط.

من على منصة لقاء جمعه بأعيان منطقة «قصر الأخيار»، أسدل عبدالحميد الدبيبة الستار على واحدة من أكثر الزيجات السياسية إثارة للغثيان في ليبيا ما بعد 2011، وأعلن بصوت الواعظ الذي انكشف عواره أن جماعة الإخوان المسلمين الذين ظلوا سند حكمه ووسادة راحته طيلة سنوات، لم يكونوا سوى ذئاب تتربص بنبضه وهو يصارع المرض.

كان المشهد جديراً بأن تنقله الأقمار الصناعية حياً إلى كل عواصم الرعاة الدوليين الذين صنعوا هذا المسخ، ليشاهدوا كيف أن الكائن الذي أوجدوه في المختبر يلتهم بعضه بعضاً قبل أن يلتهم ما تبقى من الدولة.

حكاية التحالف المسموم: الإخوان والدبيبة.. زواج متعة سياسي

لكي نفهم عمق المهزلة، لا بد من استعادة أرشيف العلاقة بين رجل الأعمال القادم من رحم المصالحات الهجينة والتنظيم الذي احترف لعبة الاختباء خلف كل سلطة هشة.
لم يكن الدبيبة يوماً ذلك الوطني الصلب الذي يرفض الأفكار المعلبة، بل كان التجسيد الأمثل للتاجر السياسي الذي يوقّع على أي بوليصة شحن أيديولوجي ما دامت تؤمن إبحار سفينته في بحر المال العام.

عندما نصّبه الإخوان مع بقية القوى في اتفاق الصخيرات حاكماً بصلاحيات مفتوحة ومدة انتهت صلاحيتها عملياً قبل أن تبدأ، كان الرجل بمثابة المشروع الاستثماري المثالي بالنسبة لهم: وجه مقبول غربياً وشهية لا تُشبع على الموارد.

في المقابل، منحهم مفاتيح الوزارات السيادية والصناديق الموازية وملفات الاقتصاد العميق، لتتحول طرابلس إلى مزرعة ربحية مشتركة يزرع فيها الإخوان كوادرهم ويحصد الدبيبة الأتاوات.

لم نسمع يومها اعتراضاً على فكر مستورد، بل كانت المساجد والمنابر الإعلامية التابعة للجماعة تلهج بالثناء على حكمة رئيس الحكومة التوافقية، وتصفه بأنه رجل المرحلة ودرع الشرعية.

اليوم، وبعد أن آلت الأمور إلى هذا المنعطف، يريد الدبيبة منا أن نصدق أنه كان نائماً في العسل، ولم يكتشف أن من حوله يحملون «أفكاراً معلبة من الخارج» إلا بعد أن ارتفعت حرارته.

مشهد من مسرح العبث: كيف تحول لقاء الأعيان إلى منصة لتصفية الحسابات
في العادة، تخصص لقاءات الأعيان لتقديم الولاء وتحصيل المنح الرمزية وترديد المديح المتبادل، لكن عبدالحميد الدبيبة اختار أن يحوّل جلسة قصر الأخيار إلى ما يشبه جلسة علاج جماعي بالقوة.
وبدلاً من أن يتحدث عن هموم المنطقة أو مشاريع التنمية اليتيمة، أطلق العنان لسيل من الاتهامات والسخرية اللاذعة التي صدمت حتى أكثر المراقبين سخرية.

كان الدبيبة يتحدث بصوت الواثق من أن مرضه منحه براءة الضحية، فتحولت المنصة إلى محكمة صورية حيث مثّل دور القاضي والمجني عليه في آن واحد. لقد سخر من انتهازية بعض قيادات الإخوان، مؤكداً أنهم «لم يعودوا أهلًا للثقة» وكأنه كان يتعامل مع ملائكة حتى الأمس القريب، لكنه فوجئ بهم يعدّون عدتهم لخلافته وهو على فراش الألم.

المشهد يستدعي مقطعاً من كوميديا سوداء عربية بامتياز، حيث أخرج الدبيبة من جعبته حكاية مرضه كأم لم تنجب غيرها.
قال إن شخصيات إخوانية بعينها راحت تتصل بقادة دول لتخبرهم بأن «حميد يموت» وتطلب ترشيحها مكانه، وكأن الأمر يتعلق بتغيير مقاعد في رحلة سفاري لا برئاسة حكومة دمرت ما تبقى من مقدرات الليبيين.

لم يقدم أسماء، ولم يقل أي دليل، لكنه ألقى القنبلة وترك الدخان يتصاعد، متوسلاً أن يحوله الرأي العام من متهم في قفص الفساد والإخفاق إلى ضحية لمؤامرة في جناح الأمراض الصدرية.

التهمة: مؤامرة في غرفة العناية المركزة

لو تفحصنا مضمون الاتهام الذي صدر عن الدبيبة بعين مجردة من أي تعاطف مع الطرفين، سنكتشف أنها ليست مجرد تسريب غضب شخصي، بل إعلان إفلاس سياسي مزدوج.

من جهة، الدبيبة يعترف ضمناً بأن حكمه هش إلى درجة أن اتصالات هاتفية من هنا وهناك كانت كافية لجعل حلفائه يظنون أن بوسعهم قطف ثمرة الحكم قبل أن يلفظ أنفاسه.
ومن جهة أخرى، جماعة الإخوان تظهر في الرواية الدبيبية بصورة الوارثين المتعجلين الذين لا يطيقون صبراً حتى يبرد جثمان الحليف، فيسلقون البيان الختامي قبل أن يعلن الأطباء الوفاة.

لكن المأساة الحقيقية أبعد من هذه الترهات: الطبقة السياسية برمتها في ليبيا تدير صراع البقاء على إيقاع النبض والموت السريري. إنها سابقة في التاريخ الحديث أن يصبح استشفاء رئيس حكومة من وعكة صحية محطةً لإعادة فرز التحالفات ورسم خريطة الولاءات.
هذا الانحدار وحده يختصر حجم التفاهة التي استقرت في شرايين الجسم السياسي الليبي، حيث المجلس الرئاسي برئاسة محمد المنفي غائب تماماً عن المشهد كأنه موظف استقبال في فندق خرب، لا يملك إلا أن يشيح بوجهه حين يتعارك النزلاء في البهو.

المنطق الدبيبي: أنا ضد الأفكار المعلبة إلا إذا كانت صلاحيتها سارية لصالحي

من أجمل لحظات المهزلة تلك القفزة البهلوانية التي أداها الدبيبة وهو يهاجم الإخوان بذريعة رفضه لـ«الأفكار المعلبة من الخارج».
لقد قالها وكأنه أستاذ قانون دستوري يلقي محاضرة عن السيادة الوطنية، متجاهلاً بسخرية قدرية أنه يقبع في منصبه أساساً بوصفة معلبة من الخارج، موقعة ومختومة من عواصم لم يعد يذكرها لكثرة ما يغازلها.
الرجل الذي استقدم شركات ومستشارين وخبراء من كل حدب وصوب لإدارة مفاصل حكومته، والذي دفع برواتب وأموال الليبيين ثمناً لولاء قوى إقليمية ودولية، يقف اليوم ليحذر من الأفكار المستوردة!

لقد ارتدى الدبيبة فجأة قميص الحارس الأمين على نقاء الفكر الوطني، وهو الذي تحالف سنوات مع تنظيم يعتبر أن مرجعيته الفكرية لا تنبت في ليبيا أصلاً، بل تُستورد بانتظام من الخارج في شكل بيانات وتنظيرات وفتاوى جاهزة للتطبيق.
إنه منطق بائع الفصفص الذي يدين جاره لأنه يبيع التسالي، فلا أصلح الله حال هذا ولا أبعد عن ذاك.

الجانب الآخر: الإخوان بين إنكار التهمة وابتزاز الولاء

من جهتها، قابلت جماعة الإخوان المسلمين وفروعها الحزبية هذه الهجمة العنيفة بصمت أربك أنصارها أكثر مما أربك خصومها. فالجماعة التي لم تتورع عن تبرير كل خطايا حلفائها في السابق، وجدت نفسها فجأة في مرمى القذائف الكلامية لمن كانت تصفه قبل أسابيع برجل التوافق والحوار.
هذا ليس انتقاداً عابراً، إنه طلاق سياسي بائن على مرأى الجميع، يضع الإخوان في مأزق الرد: إن هم دافعوا عن أنفسهم أكدوا صحة الاتهامات بوجود تخطيط مسبق، وإن هم صمتوا بدوا وكأنهم يقرون بأنهم فعلاً مجرد طفيليين انتهازيين لا يرعون حرمة مريض.

لكن الأخطر في هذا الصمت ليس ما يعنيه للإخوان، بل ما يكشفه عن آليات اشتغالهم طوال سنوات في الحكم الموازي. فهؤلاء القادة الذين هاتفوا عواصم أجنبية ليطلبوا ترشيحهم مكان الدبيبة المحتضر، لم يفعلوا ذلك بدافع الغدر، بل بدافع الغريزة التنظيمية التي تدفعهم لاستباق كل فراغ وملئه قبل أي طرف آخر. هو نفس المنطق الذي دفعهم للانقضاض على مفاصل الدولة عقب سقوط النظام السابق، ونفسه الذي جعلهم يوقعون مع الدبيبة وهو لا يزال دافئاً في شرعيته الهشة. إنها غريزة الاستحواذ التي لا تسعف صاحبها حتى في لحظات العزاء.

صمت الرئاسي: محمد المنفي يتفرج على الشجار من شرفته الرخامية

في مكان ما داخل قصور المجلس الرئاسي، يجلس محمد المنفي وحكومته التعددية الموقرة، يراقبون فصول هذه التراجيديا الهزلية عبر الشاشات، دون أن يحركوا ساكناً. إن غياب المجلس الرئاسي كلياً عن الأزمة ليس مجرد عجز، بل هو فن قائم بذاته، حيث يمارس الرجل وفريقه سياسة «النعامة الاستراتيجية» التي تعتمد على دفن الرأس في رمال الصمت المؤسسي حتى تمر العاصفة.
في واقع الأمر، إن المجلس الرئاسي المنتهية ولايته هو الآخر يعيش على الهامش ذاته، غير قادر على أن يكون طرفاً في الصراع ولا وسيطاً فيه.

لا أحد يدري إن كان المنفي يخشى على كرسيه إن تكلم، أم أنه طُلب منه رسمياً أن يكون مجرد دمية عرض في مشهد تسوية دولية لا يملك تغيير فصولها.
لكن المؤكد أن هذا الصمت الرئاسي على فضيحة تآمر المتنفذين على بعضهم البعض، في وقت يموت المواطن الليبي العادي في طوابير الخبز والوقود، يجعل من الشرعية المؤقتة أبدية العار.
إن المجلس الرئاسي، من خلال إدارته الصامتة، يتحول إلى شاهد زور على اغتصاب متبادل للسلطة بين الدبيبة وحلفائه السابقين، لا يجرؤ على أن يقول كلمة الحق في مشهد لا يمثل إلا نسخة محدثة من صراع الأجنحة داخل سجن مفتوح.

الجغرافيا السياسية للانتهازية الليبية.. كيف تدور دوائر الدم في جسد الدولة النخر

إن ما حدث ويحدث في قصر الأخيار ليس مجرد فلتة لسان رجل مريض، بل هو تشريح لا إرادي للجثة السياسية الليبية. لقد تحولت البلاد إلى مختبر لأنواع الانتهازية السياسية، حيث لا قيمة للفكرة أو العقيدة سوى بكونها جواز مرور إلى الموارد.
الدبيبة الذي وصل للحكم على أكتاف الإسلاميين وتوافق دولي، أصبح بين ليلة وضحاها فارساً قومياً يرفض الأجندات الأجنبية. الإخوان الذين بشروا به منقذاً من الفوضى، وجدوه اليوم خائناً ألد. أما المجلس الرئاسي الذي يفترض أن يكون الحارس النزيه للفترة الانتقالية، فيقف متفرجاً كالمراقب في مباراة شطرنج بين غوريلات.

الأبعاد الإقليمية للقصة تجعلها أكثر سواداً. فالاتصالات التي تحدث عنها الدبيبة بين قادة الإخوان وعواصم خارجية تشير بوضوح إلى أن حبل الولاءات لا يمتد داخل ليبيا فحسب، بل يعبر الحدود إلى أنظمة داعمة تستثمر في الوجوه عينها، وتتبادل أوراقها حسب تطور نبض المريض الليبي.

هذا يعني أن السيادة التي يدافع عنها الدبيبة في خطابه الجديد، قد أهينت مرتين: مرة عندما خطط حلفاؤه لاستبداله بإيعاز خارجي، ومرة أخرى عندما اعتقد هو أنه يستطيع بخطاب شعبوي أن يمسح سجل تبعيته هو الآخر.

ما يجري هو صراع انتهازيين محترفين يدور في الفراغ الذي تركته الدولة. ليس في الأمر قضية وطنية ولا صراع مبادئ، بل مجرد معركة بقاء أقذر أنواع الانتهازيين، الذين يتساقطون تباعاً مثل أوراق الخريف المتعفنة.
إن وحشية هذا الصراع تذكرنا بأن غياب العدالة والمساءلة في ليبيا جعل من كل سياسي فيها ضحية محتملة ومن كل حليف جلاداً مرتقباً.

لا غالب ولا مغلوب.. فقط رائحة العفن

في خواتيم هذه الحلقة من المسلسل الليبي اللانهائي، يخرج المراقب باستنتاج مرير: لا الدبيبة خرج منتصراً، ولا الإخوان استطاعوا تبرئة أنفسهم، والمجلس الرئاسي ازداد غرقاً في وحل التهميش، والمواطن الليبي الذي كان ينبغي أن يكون محور كل هذا الصخب، يقف خارج اللعبة تماماً، لا يهمه إن كان «حميد» يموت أو يعيش، طالما أن الموت اليومي أقرب إليه من رغيف الخبز. لقد تحول فراش المرض إلى حلبة مصارعة حرة، وتحولت الدولة إلى مجرد خلفية لجريمة لا تنتهي.

حين ينشغل الحكام بتوزيع الغنائم على جثث بعضهم البعض وهم بعدُ أحياء، نكون قد بلغنا القاع الذي لا قاع بعده. وهكذا، بين مريض يخاف على كرسيه أكثر من خوفه على صحته، وجماعة تعد قوائم المناصب قبل أن تعلن الوفاة، ومجلس رئاسي ينام في العسل، تستمر مأساة ليبيا بلا ضمير ولا شهود.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى