الزاوية تحترق بصمت حكومة الدبيبة والوطن يُباع
حرب ميليشيات الزاوية تفتك بالمواطن وسط تخاذل القصر
ليبيا 24:
الزاوية تحت النار: حين تصبح الدولة حاضنة للميليشيا وخصماً للمواطن
مدينة الزاوية، التي طالما وصفت ببوابة الغرب وقلبه الاقتصادي النابض، تستيقظ اليوم على واقع أكثر قتامة من أي وقت مضى.
إنها ليست مجرد مدينة تعاني انفلاتاً أمنياً عابراً، بل تحولت إلى مختبر حي لانهيار نظرية الدولة في ليبيا، وإلى شاهد إثبات دامغ على فشل حكومة عبد الحميد الدبيبة والمجلس الرئاسي برئاسة محمد المنفي، ليس فقط في حماية المواطن، بل في التخلي عن أبسط واجبات السيادة.
فبينما تتصاعد أعمدة الدخان من أكبر مصفاة لتكرير النفط في البلاد، وتتطاير شظايا القذائف العشوائية لتحصد أرواح الأبرياء في أحيائهم السكنية، يلف الصمت المطبق أروقة السلطة في طرابلس، ذلك الصمت الذي لم يعد مجرد غياب للفعل، بل تحول إلى فعل بحد ذاته، فعل تواطؤ صارخ يثير سؤالاً وجودياً في نفوس الليبيين: هل ما زالت هناك دولة أصلاً، أم أن ما تبقى مجرد واجهة لمشروع نهب منظم وإفقاد للمواطن آخر ما تبقى له، ألا وهو وطنه؟
خرائط الدم: الاقتصاد رهينة والنفط وقود للحرب
في مشهد أصبح مألوفاً بشكل مرعب، لم تكن الاشتباكات الأخيرة التي اندلعت فجر الجمعة مجرد جولة جديدة في صراع النفوذ بين الميليشيات، بل كانت نقلة نوعية في استهداف ما تبقى من جسد الدولة الليبية الهزيل.
إن إغلاق مصفاة الزاوية، التي تضخ الحياة في شرايين الاقتصاد المحلي بطاقة 120 ألف برميل يومياً، وإصابة خزانات الوقود، وإخلاء الناقلات النفطية من الميناء، ليست أضراراً جانبية لعملية أمنية فاشلة، بل هي جوهر المأساة.
لقد أصبحت المصفاة، التي هي شريان الحياة لعشرات الآلاف من الليبيين، مجرد ورقة ضغط عسكرية وقبلة للقذائف في حروب لا يفهم المواطن البسيط أبعادها ولا يتحمل تبعاتها.
يرى المحلل الاقتصادي ناصر المصراتي في هذا النزيف المتكرر “إعلان إفلاس أخلاقي وسياسي، فحكومة تدّعي شرعية مزعومة لا تستطيع حماية أغلى مقدرات الليبيين من حفنة من الخارجين عن القانون، هي حكومة فقدت مبرر وجودها.
إن توقف المصفاة لا يعني فقط نقصاً في الوقود، بل يعني تحطيم ثقة ما تبقى من مستثمرين، وإغراق البلاد في مستنقع التهريب الذي تتغذى عليه هذه الميليشيات نفسها.” ويضيف المصراتي بصوت ملؤه الغضب: “المواطن هو من سيدفع الثمن، في طوابير البنزين، وفي انقطاع الكهرباء، وفي ارتفاع الأسعار الجنوني، بينما يجلس صانعو الحرب في طرابلس يتبادلون الاتهامات أو يلتزمون الصمت المطبق.”
العمليات الأمنية: من ضبط الخارجين إلى حمايتهم
المفارقة التي تفجر العقل والمنطق، والتي تعكس ذلك الخلل العميق في العقل والسلوك السياسي الليبي، تتجسد في السيناريو العبثي الذي تكرر فصوله في الزاوية.
خرجت قوة أمنية، وفقاً لبياناتها، بتعليمات من النيابة العامة والجهاز القضائي (السلطات التي يفترض أن الحكومة تحميها وتحترمها) لضبط متهمين مطلوبين للعدالة، يشكل خطرهم الإجرامي تهديداً وجودياً للمجتمع. فكان الرد الصادم من حكومة الدبيبة، ليس بتقديم الدعم اللوجستي أو المعلوماتي لهذه القوة النظامية، بل بإطلاق طائرات مسيرة لدعم المتهمين المطلوبين وتفريق القوة الأمنية.
هذا الفعل، كما وصفه مراقبون، ليس مجرد تقصير أمني، بل هو فعل عصابة تتسمى بحكومة، على حد تعبير أحد النشطاء الغاضبين.
إنه إعلان حرب من السلطة التنفيذية على ما تبقى من هيبة القانون، وتأكيد قاطع للمواطن الليبي أن الدولة، ممثلة في حكومة الدبيبة، اختارت أن تكون خصماً له وحليفاً للمجرمين.
وقد أضاف هذا الفعل الوقح طبقة جديدة من الإحباط واليأس في الشارع الليبي، حيث يقول المهندس أسامة الفرجاني، أحد سكان الزاوية الذي اضطر للنزوح مع أسرته: “لم نعد نخاف من الميليشيات فقط، بل أصبحنا نخاف من الحكومة التي يُفترض أن تحمينا من يحمي المواطن من الدولة؟ هذا سؤال لم نكن نتخيل أن نسأله يوماً.”
سلطة غائبة وتردي عقلي في السلوك السياسي
إن ما حدث في الزاوية ويكاد يتكرر شهرياً في مدن الغرب الليبي ليس مجرد صراع على النفوذ والموارد، بل هو عرض لمرض عضال أصاب مفهوم الدولة، إنه كما لو أن هناك حالة من التردي العقلي أو البله الجماعي في السلوك السياسي الحاكم.
حين تخرج مشيخة وأعيان المدينة لـ “التهدئة”، لا لمطالبة المتهمين بتسليم أنفسهم للعدالة، بل لمطالبة القوة الأمنية الشرعية بـ “كف يدها” عن المطلوبين للقانون، وحين يتم التعامل مع المجرمين الخطرين كطرف سياسي له معادلاته وحقوقه في التفاوض، فهذا يعني ببساطة أن العقد الاجتماعي قد تمزق تماماً.
هذه العقلية، التي تنتصر فيها الجريمة على القانون، وينتصر فيها منطق القوة على منطق الحق، هي ما يجري تعزيزه وتكريسه يوماً بعد يوم من قبل حكومة الدبيبة.
هذا ليس فشلاً في الحوكمة، بل هو نموذج حكم بديل، نموذج يقوم على إدارة الفوضى وليس إنهائها، وعلى تأبيد حالة اللادولة لأنها الضمان الوحيد لبقاء هذه النخبة الحاكمة في السلطة.
فالمواطن ليس مجرد ضحية للرصاص الطائش، بل هو ضحية لمنظومة حكم كاملة قائمة على إفقاده الأمن والأمان والوطن.
“العدالة” الانتقائية: تدشين عصر الإفلات من العقاب
قصة محمد بحرون الملقب بـ “الفار”، هي القصة الأكثر تعبيراً عن هذه المنظومة. إنه قائد ميليشيا، صعد نجمه بسرعة البرق، وتدرج في المناصب الأمنية في غطاء رسمي من حكومة الدبيبة، رغم تورطه بدماء الليبيين وارتباطه باغتيال القيادي الأمني عبد الرحمن “البيدجا” في وضح النهار.
لكن مسرحية العدالة اكتملت فصولاً مثيرة للسخرية: تسليم النفس الغامض، ثم الإفراج غير المبرر، وصولاً إلى حكم البراءة الذي صدر “لعدم كفاية الأدلة”.
هذه القصة لم تعد تفاجئ الليبيين، بل أصبحت نموذجاً متوقعاً، حيث تتحول المحاكمات إلى مسرحيات لتلميع صورة أمراء الحرب وإضفاء شرعية زائفة عليهم.
إن رسالة هذه “العدالة” إلى المواطن الليبي واضحة ومباشرة: دمك رخيص، وحياتك لا تساوي شيئاً أمام لعبة المصالح، وقاتلك يمكن أن يتحول إلى قائد ميداني يحظى بدعم الدولة ما دام يدين بالولاء للمركز في طرابلس.
“لم نعد ننتظر العدالة من محاكم طالها الفساد والنفوذ، نحن ننتظر فقط رحمة ربنا من هذا البلاء،” هذا ما تردده بصوت مبحوح السيدة فاطمة، التي فقدت ابنها في اشتباكات سابقة بالزاوية.
صوت الشارع: غضب مكتوم من القصر إلى الكوشة
في مقاهي الزاوية وأزقتها، وفي مجالس العائلات التي نزحت من منازلها تحت جنح الليل، يختلف الخطاب تماماً عن البيانات الحكومية المنمقة.
هنا، لا أحد يتحدث عن “عمليات أمنية لتطهير المدينة” أو “خطة شاملة لفرض سلطة الدولة”.
هنا، يتحدث الناس عن الموت الذي يطرق الأبواب، وعن الجوع الذي يهدد مستقبل أطفالهم، وعن وطن بات مجرد ذكرى مؤلمة.
يقول الحاج مفتاح، وهو تاجر أقمشة فقد متجره في اشتباكات سابقة: “والله لم نعد نفرق بين الميليشيا والحكومة.
الحكومة نفسها تحولت إلى أكبر ميليشيا، توزع الرتب والرواتب على من يقتلنا ويخرب بيوتنا.
الدبيبة والمنفي يجلسان في قصورهما، ونحن من ندفع ضريبة بقائهم. أمن وأمان؟ لقد سلبونا حتى حلمنا بالأمن.”
أما الشابة مريم، التي خرجت مع أسرتها من منطقة الاشتباكات، فتضيف بصوت يائس: “أي وطن نتحدث عنه؟ الوطن هو أن تشعر بالأمان في بيتك، أن يذهب أطفالك إلى مدارسهم دون خوف.
هنا، نحن محاصرون، نازحون في وطننا، ننتظر قذيفة طائشة تنهي قصتنا، فيما تتفرج علينا حكومة لا نراها إلا في صور الولائم والسهرات.”
وتتعالى أصوات كثيرة في منصات التواصل الاجتماعي، التي غالباً ما تصدح بوجع الليبيين الحقيقي بعيداً عن رقابة الكتائب.
يكتب أحدهم: “يا حكومة الدبيبة، يكفي عبثاً الزاوية تنزف، والنفط يحترق، والناس تموت، وأنتم في صمت القبور أو في إنكار كاذب.
هل ستتحركون فقط عندما تصل النيران إلى أبواب مكاتبكم في طرابلس؟” ويكتب آخر: “المجلس الرئاسي، ما هو دوركم بالضبط؟ أن يكون قائد المنطقة العسكرية صامتاً وأهله في الزاوية يقتلون، هذا جريمة تاريخية.”
إن من يقرأ نبض الشارع الليبي يدرك أن الهوة بين الحاكم والمحكوم قد وصلت إلى نقطة اللاعودة. لم يعد هناك ثقة ولا حتى أمل في أن تحمل هذه النخبة السياسية حلاً.
السؤال الذي يتردد في كل مكان هو: لماذا يصر هؤلاء على البقاء في السلطة بينما كل ما يجيدونه هو صناعة الخراب وإطالة أمد المعاناة؟
البعثة الأممية والمواقف المكررة: استهلاك للإنذارات
من جانبها، دانت البعثة الأممية الاشتباكات، محذرة من عواقب إنسانية واقتصادية خطيرة، ومطالبة بفتح تحقيقات.
هذا البيان، الذي يتكرر مع كل جولة قتال، أصبح جزءاً من إيقاع الأزمة الليبية الممل. الليبيون لم يعودوا ينتظرون الإدانة، بل ينتظرون المحاسبة.
إن تحذيرات البعثة من “أضرار جسيمة في البنية التحتية” توحي بأن هناك من لا يزال بحاجة إلى تحذير، بينما الواقع يقول إن المتسببين في هذه الأضرار هم شركاء في السلطة أو تحت غطائها.
المطلوب ليس بيانات شجب، بل آليات مساءلة حقيقية، ودعم لقضاء وطني مستقل يستطيع أن يحاكم من أمر بضرب القوة الأمنية الشرعية بالطيران المسير، ومن فتح المصفاة كساحة للحرب، ومن أجرم في حق أهالي الزاوية الآمنين.
لكن طالما ظل المجتمع الدولي يتعامل مع هذه الحكومة “منتهية الولاية” على أنها ممثل شرعي، وطالما ظل يقدم الدعم والاعتراف بدلاً من المساءلة والضغط، فإنه يصبح شريكاً غير مباشر في هذه الجريمة المستمرة بحق شعب بأكمله.
مستقبل مسروق: جيل ضاع بين الميليشيا والتهريب
في الأفق البعيد، تتشكل ملامح كارثة أكبر إن تحويل مدينة استراتيجية مثل الزاوية إلى بؤرة دائمة للاقتتال والجريمة المنظمة لا يدمر الحاضر فحسب، بل يسرق المستقبل.
جيل كامل من الشباب في هذه المدينة يترعرع بين النيران والخوف والدمار مدارسهم مغلقة في كثير من الأحيان، وملاعبهم تحولت إلى ثكنات، وأحلامهم سُجنت بين جدران البيوت المهترئة.
هؤلاء الشباب، الذين كان يمكن أن يكونوا مهندسين في مصفاة الزاوية أو بحارة في مينائها، يجدون أنفسهم عالقين بين خيارين كلاهما قاتل: الانضمام إلى إحدى الميليشيات لضمان لقمة العيش والحماية، أو المخاطرة بحياتهم في قوارب الموت بحثاً عن وطن بديل.
إن استمرار هذا الوضع هو تصنيع متعمد لجيل مفخخ باليأس وقابل للحلول المتطرفة، وهو أقسى أشكال إفقاد المواطن لوطنه، ليس فقط جغرافياً، بل نفسياً ووجودياً.
إنه تجريد للإنسان الليبي من حقه في أن يكون له وطن، ليصبح مجرد رقم في تقارير الهجرة أو الضحايا.
ختاماً: بين الصمت المريب والتواطؤ المعلن
في المشهد الأخير من دراما الزاوية الدامية، بعد أن خفت صوت الرصاص بشكل مؤقت بفعل هدنة هشة، يقف المواطن الليبي بين أنقاض منزله، ينظر إلى أعمدة الدخان وهي تتصاعد من المصفاة التي كانت مصدر رزقه، يعدّ جرحاه ويحصي موتاه.
الصمت الذي يلف موقف حكومة الدبيبة ورئيس المجلس الرئاسي المنفي ونائبه عن الزاوية عبد الله اللافي ليس مجرد غياب للتعليق، بل هو إدانة مدوية لهم.
إنه اعتراف ضمني بأن الأحداث خرجت عن السيطرة، ليس بسبب قوة الخارجين على القانون، بل بسبب أن صانعي القرار هم جزء لا يتجزأ من هذه المنظومة أو عاجزون تماماً في مواجهتها، وكلا الأمرين مدمر.
المواطن الليبي في الزاوية، وفي كل المدن التي تعاني ويلات الميليشيات، لم يعد بحاجة إلى وعود أو تسويات أو لقاءات تهدئة. هو بحاجة ماسة إلى كلمة حق وإلى فعل جاد.
إنه يريد أن يرى قادة هذه التشكيلات المتورطة في قطع الطرق وتهريب البشر وضرب الاقتصاد وقتل الأبرياء خلف القضبان، لا في مناصب الدولة ومجالس الحكم.
إنه يريد أن يرى من أمر بضرب القوة الشرعية بطائرات مسيرة يُحاكم علناً. إنه يريد أن يستيقظ صباحاً فلا يجد صورة صاحب الميليشيا التي روعته بالأمس وهو يتقلد رتبة عسكرية جديدة.
وحتى ذلك الحين، ستظل كلمات مثل “الأمن” و”الوطن” مجرد سراب يذكره كل يوم بفداحة الخيانة وعمق المأساة التي تعيشها ليبيا تحت حكم من يديرون فوضى البلاد من خلف جدران العاصمة المغلقة.



