ليبيا

عقيلة صالح: مصر سند ليبيا التاريخي وشريك مصيرها الواحد

رئيس النواب: القاهرة ركيزة الاستقرار وداعم الوحدة الوطنية

ليبيا 24


العلاقات المصرية الليبية: شراكة وجودية تتجاوز الحسابات الآنية

في خطاب يعكس ثوابت الجغرافيا والتاريخ، قدم المستشار عقيلة صالح، رئيس مجلس النواب الليبي، شهادة شاملة حول عمق العلاقات بين القاهرة وطرابلس، مؤكداً أنها علاقات تتجاوز المصالح المرحلية لتصل إلى مستوى الشراكة الوجودية والمصير المشترك. الكلمة التي ألقيت خلال جلسة عامة، لم تكن مجرد إجراء بروتوكولي، بل وثيقة سياسية تبرز استمرارية الدور المصري كعامل استقرار حاسم في المشهد الليبي.

الإرث التاريخي: من الجهاد إلى بناء الدولة

لقد غاص رئيس البرلمان الليبي في أعماق التاريخ، مستعيداً محطات فارقة شكلت الذاكرة الجمعية للعلاقات الثنائية. أشار بوضوح إلى أن مصر احتضنت قادة الكفاح الليبي ضد الاحتلال، ولم تكتف بالدعم السياسي بل قدمت التدريب العسكري للضباط الليبيين ضمن ما عُرف بـ”القوة العربية الليبية”. هذا الإرث لم يتوقف عند حدود حقبة التحرر، بل امتد ليشمل عملية بناء الدولة الليبية الحديثة بعد الاستقلال، حيث كانت العقول المصرية والكوادر الفنية عنصراً فاعلاً في تأسيس أنظمة التعليم والصحة والزراعة والإسكان، مما يجعل من الحضور المصري جزءاً من النسيج المؤسسي للدولة الليبية.

دبلوماسية الصمود: من الفوضى إلى مواجهة الإرهاب

في سياق تحليلي أقرب إلى قراءة استراتيجية، تناول السيد عقيلة صالح المرحلة الفارقة التي أعقبت أحداث 2011. وفقاً لروايته، لم يكن الموقف المصري مجرد رد فعل على أزمة، بل كان عقيدة دولة ثابتة تقوم على الحفاظ على وحدة الأراضي الليبية. هذا الثبات تجلى في دعم البرلمان كمؤسسة شرعية وحيدة وفي تقديم الغطاء السياسي للجيش الوطني الليبي في معركته ضد التنظيمات الإرهابية. يشير هذا الخطاب إلى أن القاهرة نظرت إلى مكافحة الإرهاب في ليبيا باعتبارها امتداداً مباشراً لأمنها القومي، ومقدمة لا غنى عنها لاستعادة النظام ومحاربة الانقسام والفوضى.

القوة الناعمة والصلبة: درنة كنموذج للدعم المزدوج

لم تخل الكلمة من استعراض القوة الناعمة إلى جانب الصلبة، إذ شكلت الاستجابة المصرية لكارثة مدينة درنة نموذجاً فريداً. وصول فرق الإنقاذ والمساعدات الطبية والإغاثية المصرية كأول المستجيبين، جسّد قدرة فائقة على المزج بين الدبلوماسية الإنسانية والوجستيات العسكرية، مما يعكس مبدأ أساسياً في العقيدة المصرية بأن استقرار ليبيا الداخلي مرتبط بشكل عضوي بأمنها الاجتماعي والإنساني.

خريطة طريق القاهرة: انتخابات بلا وصاية

في صلب الخطاب، هناك تأكيد على ثوابت الحل السياسي كما تراه القاهرة: مسار ليبي-ليبي خالص، وإجراء انتخابات رئاسية وبرلمانية تفضي إلى سلطة موحدة، وخروج فوري لجميع القوات الأجنبية والمرتزقة. هذا الموقف يمثل تحدياً مباشراً لأي أطروحات تسعى إلى فرض حلول من الخارج أو تكريس الأمر الواقع القائم على الميليشيات. إنه تأكيد متجدد على أن ضمان السيادة الليبية هو الضمان الوحيد لاستقرار حدود مصر الغربية الاستراتيجية.

شراكة وجودية تتحدى العواصف

تظل كلمة رئيس مجلس النواب الليبي بمثابة إعلان مبادئ للعلاقة بين البلدين الجارين، فهي علاقة لا ترتبط بأسماء أو فترات حكم بقدر ما ترتبط بمصير متشابك. في منطقة تتسم بالسيولة والتغير المستمر في التحالفات، تبرز العلاقة المصرية الليبية كنموذج للثبات والجوار الاستراتيجي الذي يقوم على دعم لا ينقطع وسند تاريخي لا يتزعزع، حيث ترى النخبة السياسية الليبية أن مصر لم تكن يوماً مجرد جار، بل العمق الحيوي الذي لا غنى عنه للدولة الليبية ومستقبلها.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى