واشنطن ترحب بتوحيد المسارين المالي والأمني بين شطري ليبيا
اتفاق الميزانية وتنسيق الحدود يعززان مسار الوحدة الليبية المرتقبة
ليبيا 24
وحدة ليبيا من الميزانية إلى الحدود: واشنطن تراهن على مسار تقني يتجاوز الانقسام
في تحول لافت يكرس منطق المسارات الفنية كبوابة للحل السياسي، عبّر مستشار الرئيس الأمريكي للشؤون الإفريقية والشرق الأوسط، مسعد بولس، عن ارتياح رسمي لتقدم متوازٍ تشهده الساحة الليبية على جبهتين حاسمتين: توحيد أدوات الإنفاق العام، وتنسيق العمل الأمني بين الشرق والغرب. التطورات، التي احتضنتها تونس وسرت في غضون أسابيع قليلة، تعكس مقاربة أمريكية متجددة تراهن على بناء الثقة من بوابة المؤسسات السيادية والملفات التقنية بعيداً عن أروقة الصراع السياسي المزمن.
اختبار الميزانية: خط الدفاع الأول عن الاستقرار
شكل اجتماع تونس، الذي انعقد برعاية مصرف ليبيا المركزي وحضور القائم بأعمال السفارة الأمريكية جيرمي برنت، لحظة فارقة في تفعيل اتفاق الإنفاق العام الموحد. الاتفاق الذي طال انتظاره بدأ ينتقل من مربع التعهدات إلى فضاء التنفيذ العملي، وهو ما أشاد به بولس بقوله إن واشنطن ترحب باستمرار التنسيق بين القيادات الليبية للحفاظ على الاستقرار المالي وبناء الثقة في مستقبل الاقتصاد.
المباحثات الفنية، التي قادها المحافظ ناجي عيسى ونائبه مرعي البرعصي ورئيس ديوان المحاسبة خالد شكشك، لم تقتصر على مراجعة أرقام الإنفاق حتى منتصف مايو، بل امتدت لوضع تصورات مالية حتى نهاية العام. الأهم أنها ناقشت تفاصيل حساسة تمس حياة المواطن مباشرة، وفي مقدمتها آلية توريد المحروقات النفطية عبر وزارة المالية والمصرف المركزي، وتفعيل المادة الثامنة من الاتفاق لضمان انتظام الصرف. الرسالة التي حملها بولس بدت واضحة: الإدارة الشفافة للموارد، والتنفيذ الموثوق للميزانية، وبناء مؤسسات وطنية قوية هي عناصر لا غنى عنها لحماية القدرة الشرائية ودعم الاستثمار واستمرار تدفق الطاقة.
من سرت إلى الحدود: الهندسة الأمنية للوحدة
على مسافة غير بعيدة من الملف المالي، حملت سرت مشهداً أمنياً نادراً. ممثلون من الشرق والغرب الليبيين، جلسوا معاً بتسهيل من البعثة الأممية، ليضعوا خطة تنفيذية لتفعيل آلية التنسيق المشترك لتأمين الحدود. الاتفاق الذي ينص على بدء التنفيذ خلال ثلاثين يوماً، تضمن إنشاء نقطة اتصال مباشرة بين الوحدات المعنية وتفعيل آليات تبادل المعلومات، بمشاركة خمسة عشر مندوباً يمثلون القيادة العامة ووزارتي الدفاع والداخلية في طرابلس وبنغازي.
بولس، الذي رحب بالنتائج بحماسة لافتة، ربط هذا التقدم بشكل غير مباشر باختبارين سابقين: المناورات المشتركة في “فلينتلوك 2026″، وتوقيع اتفاق الميزانية الموحدة. التتابع الزمني للأحداث يشي بأن واشنطن تنظر إلى الملفات التقنية والأمنية كحلقات مترابطة في سلسلة واحدة، حيث يمهد ضبط الإنفاق لتقاسم الموارد، ويهيئ تنسيق الحدود لبناء عقيدة أمنية موحدة، في انتظار لحظة سياسية أكثر نضجاً. ففي غياب تسوية دستورية شاملة، تبدو ليبيا وهي تختبر وحدتها عملياً من بوابة الميزانية والحدود، في مقاربة قد تعيد تعريف معنى الدولة من الخلف إلى الأمام.



