كشف التلبيس القانوني.. لماذا يفشل إعلان “إقليم المنطقة الوسطى” في اجتياز اختبار الدستور والتشريعات النافذة؟
"زبيدة يفضح الفراغ القانوني ويحذر من تجزئة ليبيا"
ليبيا 2
“عمداء بلديات يعلنون إقليماً وسطياً دون سند تشريعي”
تحرير: وحدة الشؤون السياسية والقانونية – ليبيا 24
في تطور سياسي وقانوني أثار جدلاً واسعاً في الأوساط الليبية، خرج المحلل السياسي فيصل الشريف بتصريحات تلفزيونية وصف فيها إعلان ما يعرف بـ”الإقليم الرابع” أو “إقليم المنطقة الوسطى” بأنه لا يثير إشكالاً قانونياً مباشراً، معتبراً أن هذا الإطار يمنح عمداء البلديات حق الاجتماع وإعلان تشكيل إقليم اقتصادي وفق النصوص المنظمة للحكم المحلي.
لكن الناشط السياسي والمهندس عبدالسلام زبيدة قلبت هذه المقاربة رأساً على عقب، مقدماً تقييماً قانونياً محكماً يفند هذه الادعاءات ويكشف حجم الثغرات التي تعتري هذا الإعلان الأحادي.
في مشهد يعكس حالة الفوضى المؤسسية التي تعيشها ليبيا منذ أكثر من عقد، تتصارع القراءات القانونية حول شرعية إعلان “إقليم المنطقة الوسطى” الذي بادرت إليه مجموعة من عمداء البلديات.
بينما يرى البعض فيه خطوة تنموية لا غبار عليها، يذهب آخرون إلى أنه يمثل مخالفة صريحة للتشريعات النافذة التي تنظم نظام الإدارة المحلية في البلاد.
فراغ قانوني وتفسيرات مغلوطة
انطلاقاً من المسؤولية المهنية التي يضطلع بها موقع “ليبيا 24” في متابعة الشأن الوطني، ننشر في هذا التحليل السياسي الاقتصادي والاجتماعي المتخصص، تفنيداً وافياً للقراءة القانونية التي قدمها المهندس عبدالسلام زبيدة، والتي تنطلق من نصوص واضحة وقاطعة في قانون الإدارة المحلية رقم 59 لسنة 2012 الصادر عن المجلس الوطني الانتقالي، ولائحته التنفيذية الصادرة بقرار مجلس الوزراء رقم 130 لسنة 2013.
يشير زبيدة في مستهل قراءته النقدية إلى أن ما ذهب إليه فيصل الشريف يمثل “مغالطة خاطئة وخادعة”، مؤكداً أن نظام الحكم المحلي في ليبيا، كما رسمه المشرع، يتكون من وحدات إدارية محددة تتمتع بشخصيتها الاعتبارية واستقلاليتها الإدارية والمالية، وهي المحافظات ثم البلديات ثم المحلات. واللافت أن القانون لم يذكر الأقاليم مطلقاً كجزء من هذا النظام.
هنا يبرز السؤال الجوهري الذي تطرحه قراءة زبيدة: كيف يمكن لعمداء بلديات، وهم جهات تنفيذية ضمن هرم إداري محدد، أن يستحدثوا كياناً إدارياً جديداً لم يأت به النص التشريعي؟
والإجابة التي يؤكد عليها المحلل السياسي تأتي قاطعة: لا اختصاص ولا صلاحية لعمداء البلديات في استحداث تغيير في نظام الحكم المحلي باستخدام مفهوم “الإقليم”، لأن ذلك يتطلب قانوناً يصدر عن مجلس النواب، وحتى لو تم تعديل القانون، فإن صلاحية تحديد مسمى الإقليم والوحدات الإدارية التابعة له تعود حصراً إلى مجلس الوزراء.
قراءة في نصوص القانون: كيف فرق المشرع بين الوحدات الإدارية والفروع البلدية؟
يكشف المهندس زبيدة في تحليله الموجّه لقراء “ليبيا 24” عن دقة متناهية في صياغة المشرع الليبي لنصوص قانون الإدارة المحلية.
فالمادة الرابعة من القانون تنص بوضوح على أن البلديات وفروعها تنشأ وتحدد حدودها الجغرافية بقرار من مجلس الوزراء بناءً على اقتراح من الوزير المختص. والمادة الرابعة والعشرون توضح أن البلدية تضم عدداً من المحلات، ويجوز أن تضم عدداً من الفروع البلدية.
لكن اللافت أن المواد من 36 إلى 38 خصصت بالكامل للفروع البلدية، وجاء فيها أن “الفرع البلدي يتبع ديوان البلدية” و”يقدم خدماته للمحلات الواقعة في نطاقه الإداري” و”يديره رئيس فرع بلدي يصدر بتكليفه قرار من المجلس البلدي”.
وهذا التحديد الدقيق يكشف عن فرق جوهري قد يتغافل عنه الكثيرون: فالفرع البلدي، وإن كان جزءاً من التنظيم الإداري للبلدية، لم يعده المشرع وحدة إدارة محلية مستقلة مثل المحافظة أو البلدية أو المحلة. وبالتالي، فهو لا يتمتع بشخصية اعتبارية مستقلة، ولا يملك مجلساً منتخباً خاصاً به.
فكيف يمكن الانطلاق من فكرة “الفرع البلدي” التي هي مجرد جهاز إداري تابع، إلى بناء “إقليم” يجمع عدة بلديات ويمثل كياناً أعلى منها؟ هذا قفز على النصوص لا يقبله منطق قانوني سليم.
إرادة المشرع: لا مجال لأجسام إدارية فوق المحافظات
يمضي زبيدة في تحليله مستخلصاً جوهر المسألة: إن إرادة المشرع الليبي في قانون الإدارة المحلية قد اتجهت بوضوح إلى أن يتكون هيكل نظام الإدارة المحلية من أجسام محددة ومقصورة على محافظات تتبعها بلديات تتبعها محلات. ولم تترك إرادة المشرع أي مجال لإنشاء أجسام إدارية أعلى من المحافظات.
وهذا يعني أن أي حديث عن “أقاليم” كهيكل إداري فوق المحافظات لا يستند إلى أي نص قانوني نافذ، بل هو اجتهاد شخصي يفتقر إلى السند التشريعي.
والأكثر خطورة، كما يشدد المحلل السياسي، أن القانون حدد بشكل قاطع وحصري مسؤولية إنشاء الأجسام الإدارية وتحديد حدودها وصلاحياتها لمجلس الوزراء وحده، لا لعمداء البلديات ولا لأي تجمع محلي آخر.
فراغ حكومي عمره 14 عاماً: الإهمال يخلق الأرضية للتجاوزات
في قراءة تحليلية عميقة للأسباب التي أدت إلى بروز هذه الدعوات، لا يغفل المهندس زبيدة البعد السياسي والإداري المتمثل في الإهمال المزمن من قبل الحكومات المتعاقبة.
فبالرغم من مرور 14 سنة على صدور قانون الإدارة المحلية، فإن الحكومات المتعاقبة أهملت تفعيل النصوص المتعلقة بالمحافظات، ولم تعمل على استكمال بناء الهيكلة الإدارية لنظام الحكم المحلي.
هذا التقصير الرسمي ركز جهوده فقط على استحداث وبناء وإجراء انتخابات البلديات والمحلات، الأمر الذي أدى إلى خلق فراغ إداري وتنظيمي كبير.
وهذا الفراغ، كما يرى زبيدة، هو الذي أفسح المجال لإجراءات أحادية مخالفة للتشريعات النافذة، كان من نتيجتها إعلان بعض البلديات إنشاء إقليم يجمعها.
من النص إلى الواقع: لماذا يرفض الليبيون تقسيم بلدهم؟
بعيداً عن التعقيدات القانونية التي قد تثقل على القارئ العادي، يطرح إعلان “إقليم المنطقة الوسطى” إشكاليات سياسية واجتماعية واقتصادية لا تقل خطورة عن الجانب القانوني.
فليبيا التي عانت من ويلات الحرب والانقسام منذ عام 2014، تدرك جيداً أن مشروع التقسيم مهما توشح بعباءة التنمية والإعمار، يظل مشروعاً يهدد النسيج الوطني الموحد.
من منظور مستقل، فإن الدعوات إلى إنشاء أقاليم في الوقت الحالي، في غياب دستور دائم يحدد شكل الدولة ونظام الحكم، وفي ظل انقسام مؤسسي حاد، تثير مخاوف حقيقية من أن تكون خطوة أولى نحو تقسيم ممنهج يفتت ما تبقى من وحدة وطنية.
إن تأكيد المهندس عبدالسلام زبيدة على أن “التقسيمات الإدارية الشرعية في ليبيا حسب قانون الإدارة المحلية هي المحافظات والبلديات والمحلات”، وأنه “لا يوجد أي نص على أن الأقاليم جزء من نظام الحكم المحلي”، هو تأكيد يستند إلى روح النص وحرفيه في آن معاً.
ماذا لو استدعت الحاجة فعلاً وجود أقاليم؟
يتسم النقاش الذي يطرحه زبيدة بالعقلانية والمنطقية، فهو لا يقف عند حد الرفض المطلق لفكرة الأقاليم كمنطق إداري، بل يطرح إطاراً قانونياً واضحاً لكيفية الانتقال إلى هذا النظام إن استدعت الضرورة ذلك.
يوضح المحلل السياسي أنه حتى لو استدعت الحاجة إلى إدخال نظام الأقاليم كتقسيم إداري أعلى من المحافظات، فإن الأمر يتطلب إجراءات محددة لا يمكن تجاوزها:
أولاً: تعديل القانون بقانون جديد يصدر عن مجلس النواب، باعتباره السلطة التشريعية الوحيدة في البلاد.
ثانياً: تعديل اللائحة التنفيذية بقرار يصدر عن مجلس الوزراء.
ثالثاً: صدور قرار من مجلس الوزراء يحدد مسميات الأقاليم والمحافظات التابعة لها، أو إلغاء نظام المحافظات وتحديد البلديات التابعة لكل إقليم.
هذه الإجراءات، كما يلاحظ قراء “ليبيا 24″، ليست مجرد إجراءات شكلية، بل هي ضمانات دستورية وقانونية تهدف إلى حماية الدولة من العبث بهيكلها الإداري، ومنع أي جهة مهما كانت صفتها من فرض أمر واقع يخدم أجندات ضيقة على حساب المصلحة الوطنية العليا.
الخلاصة: إعلان غير قانوني.. وصلاحيات منتهكة
بعد هذا التحليل المتعمق للنصوص القانونية والأبعاد السياسية والاجتماعية، يمكن الخروج بحقائق قاطعة يدحض فيها موقع “ليبيا 24” أي ادعاءات بشرعية إعلان “إقليم المنطقة الوسطى”:
أولاً: لا يوجد على الإطلاق أي سند قانوني للإعلان عن إنشاء هذا الإقليم، سواء في قانون الإدارة المحلية رقم 59 لسنة 2012 أو في أي تشريع نافذ آخر.
ثانياً: لا صلاحية ولا اختصاص ولا صفة لعمداء البلديات الذين أصدرت هذا الإعلان تخولهم فعل ذلك. فالعمداء هم جهات تنفيذية في هرم إداري محدد، وليسوا سلطة تأسيسية أو تشريعية.
ثالثاً: إن هذا الإعلان يمثل مخالفة صريحة ومتعمدة للتشريعات النافذة التي تنظم إدارة الدولة ومؤسساتها المركزية والمحلية. وهو يشكل سابقة خطيرة قد تفتح الباب أمام إعلانات مماثلة من مناطق أخرى، مما يؤدي إلى تفكك الوحدة الإدارية للدولة.
رابعاً: إن الترويج لهذا الإعلان على أساس أنه “اقتصادي تنموي” لا يغير من طبيعته القانونية المخالفة، فالتنمية الحقيقية لا تبنى على مخالفة القوانين، بل تحتاج إلى إطار مؤسسي سليم ومرجعية قانونية واضحة.
نحو ليبيا موحدة.. لا مكان للأقاليم الانفصالية
في ختام هذا التحليل الذي يضعه موقع “ليبيا 24” بين يدي قرائه الكرام، نؤكد أن موقفنا الثابت هو دعم ليبيا الموحدة أرضاً وشعباً ومؤسسات. ونرى في الدعوات إلى إنشاء أقاليم، مهما كانت مسمياتها، محاولة لتعزيز الانقسام وتكريس التشرذم في بلد ينشد الاستقرار والوحدة.
إن الحلول الجذرية للمشكلات التنموية والإدارية التي تعاني منها ليبيا لا تكمن في اجتراح كيانات جديدة خارج الإطار القانوني، بل في تفعيل النصوص القائمة، وانتخاب المحافظين، واستكمال بناء مؤسسات الدولة على أسس دستورية سليمة.
إن من يتحدثون اليوم عن “أقاليم” ينسون أو يتناسون أن ليبيا ما زالت تنتظر دستوراً دائماً يقرره الشعب عبر استفتاء عام، وأن أي نقاش حول الشكل الإداري للدولة يجب أن يكون جزءاً من حوار وطني شامل، وليس نتيجة إجراءات أحادية تتخذها جهات لا تملك الصلاحية ولا الشرعية للقيام بذلك.



