ليبيا

الناشطة السياسية نادية الراشد لـ«ليبيا 24»: ليبيا تواجه أخطر تحدياتها وسط تعقيدات الهجرة والصراع على السلطة

نادية الراشد: فوضى الهجرة تعكس هشاشة الدولة الليبية

حاورها: عبدالعزيز الزقم

نادية الراشد: مخاطر التوطين تهدد الهوية وتعمّق أزمات ليبيا

في ظل تصاعد الجدل داخل الأوساط الليبية بشأن ملف الهجرة غير الشرعية ومخاوف التوطين، وتزامن ذلك مع استمرار الانقسام السياسي وتعثر مسارات التسوية والانتخابات، أجرت «ليبيا 24» هذا الحوار مع الناشطة السياسية نادية الراشد للوقوف على رؤيتها تجاه أبرز القضايا التي تشغل الرأي العام الليبي، من الهجرة والأمن القومي إلى مستقبل العملية السياسية والتوازنات الدولية المؤثرة في المشهد الليبي.

ملف الهجرة بين الرفض الشعبي وضعف المؤسسات

  • كيف تنظرين إلى تصاعد الجدل في ليبيا بشأن مخاوف التوطين والهجرة غير الشرعية؟

نادية الراشد: بصراحة، الملف معقد جدا لليبيا وأصبح مشروعا عابرا للحدود. ليبيا تراها أوروبا أرضا خصبة للتدفق، باعتبارها اليوم غير مناسبة للعيش ولا تصلح لأي مشروع، بل هي دولة عبور فقط.

هذا الطرح يجلب رفضا شعبيا قاطعا ضد التوطين لأسباب اجتماعية محضة، تتعلق بالتغيير الديموغرافي وضرب الهوية. تصاعد الجدل والمخاوف أصبح كبيرا جدا مع انتشار الجريمة والأوبئة، وحتى تمكين المهاجرين في سوق العمل بطرق غير شرعية.

دخولهم بطرق غير قانونية جعل الأصوات تتعالى بشكل غير مسبوق في الساحة الليبية الاجتماعية.

  • هل تعتقدين أن الحديث عن وجود مشاريع لتوطين المهاجرين في ليبيا يستند إلى معطيات واقعية أم إلى مخاوف سياسية وشعبية متراكمة؟

نادية الراشد: واقعيا، لا يوجد توطين فعلي حتى الآن، لكن الرغبة واضحة من الخارج الليبي لهذا الشأن. المعطيات تقول إن هناك سعيا حقيقيا، تحديدا داخليا في ظل الصراعات السياسية المستمرة منذ أكثر من عقد ونيف.

مشروع التوطين يتداول بين مراكز الساحة الدولية، وموضوع الهجرة والمهجرين قديم حديث، لم يكن وليد اللحظة، لكنه يختلف بين الدول المستقرة وغير المستقرة، وهذا ما جعل المخاوف تزداد يوما بعد يوم.

لست هنا بصدد مخاوف سياسية، بل على العكس، الحكومات الليبية مساهمة في هذا الأمر، وتحديدا مع إيطاليا، حيث تسعى السلطات الليبية جاهدة لإرضائها لكسب مصالحها، وهي البقاء أطول فترة في السلطة للأسف.

السيادة المفقودة تحت البند السابع

  • ما مدى قدرة المؤسسات الليبية الحالية على إدارة ملف الهجرة وحماية الأمن القومي؟

نادية الراشد: ضعف المؤسسات الليبية وهشاشتها يجعلها غير قادرة على حماية أمنها القومي. السبب هو ضعف الإرادة القيادية، والإمكانيات التقليدية دون أي تطور في الحوكمة، وغياب أحدث التقنيات.

حتى النوايا غير واضحة لهذا الملف. هناك اختراق لكل المؤسسات من جنسيات أخرى، وهذا أمر موثق. ليبيا لا تحتمل هذا الهول، خاصة أن الوضع الليبي منهار سياسيا وأمنيا واقتصاديا، والحدود مفتوحة على مصراعيها، وليبيا لا تزال تحت البند السابع بلا سيادة تذكر.

كل الاتفاقيات لا تنفذ لصعوباتها، أو لأن هناك كواليس أخرى من قبل السلطات المحلية تساعد في هذا الشأن. لهذا، كل الليبيين رافضون رفضا قاطعا، وهناك عدة حملات بهذا الخصوص، وآخرها التظاهرات أمام المفوضية السامية للاجئين التي تساعد في هذا التوطين، مع العلم أن ليبيا غير موقعة على اتفاقية عام 1951، ووجود المفوضية غير شرعي.

  • برأيك، من المستفيد من استمرار الفوضى في ملف الهجرة غير الشرعية داخل ليبيا؟

نادية الراشد: المستفيد الأكبر من استمرار الفوضى هي الأدوات المحلية الليبية، تحديدا المتورطين والمتصارعين، والتشكيلات المسلحة التي تعمل في الجريمة المنظمة والاتجار بالبشر والتهريب والفساد المستفحل مع انهيار مؤسسي بالكامل. هنا تأتي الأصوات لتتعالى أكثر وتخرج على العلن بقوة.

بين الالتزامات الإنسانية والأمن الوطني

  • كيف يمكن لليبيا أن توازن بين التزاماتها الإنسانية وضرورات الحفاظ على التركيبة السكانية والأمن الوطني؟

نادية الراشد: التوازنات الإنسانية والحفاظ عليها لا يمكن أن تتحقق في ظل هؤلاء القادة، لأنه ليس في قواميسهم أي استقرار يفضي إلى خدمات المواطن والحفاظ على الهوية والحماية الاجتماعية وتنظيم المنافذ.

لا توجد أي رغبة في التنازلات لكي تحافظ ليبيا على نفسها وتستقر. الأمر لا يعتمد على الضغوط من عدمها، بل على فرض السيادة والقوانين المبرمة بين الدول.

في اعتقادي، الدول لا ترى قوة واقعية تفرض هيبة الدولة، بل وجدت رضوخا من قبل الداخل الليبي -أقصد السلطات- ساعية إلى إبرام شروط في سبيل مصالحها الشخصية بدلا من مصلحة شعبها وبلادها.

لا يمكن أن يكون هناك ضغط إلا في حال التساهل والقبول بكل أرياحية. المجتمع الدولي ودول أوروبا تتعامل مع الأزمة وفق مصالحها وأمنها القومي، لا يهمها ليبيا ولا الليبيون. دول أوروبا تعتبر القادة الليبيين حراسا لحدودها فقط.


الصراع السياسي والدبيبة بين الإخوان وأمريكا

  • هل أصبح مشروع الدبيبة السياسي في مواجهة مباشرة مع حلفاء الأمس؟

نادية الراشد: نعم، عبدالحميد الدبيبة أصبح خصم الجميع. هو يلعب وفق المصلحة النفعية، لا يثق بالحلفاء سواء الأمس أو اليوم، ولكنه ينفذ ما يملى عليه. الهدف الأهم هو البقاء في السلطة ولو أنكر ذلك أمام كل الليبيين.

لا يوجد صراع سياسي بين عبدالحميد الدبيبة والإخوان المسلمين، لأنهم موجودون في المشهد وهو تحت رعايتهم من قبل دار الإفتاء.

لكن مؤخرا، يحاول الدبيبة ترضية الأميركان ومحاولة التنصل منهم، خاصة بعد إعلان الولايات المتحدة الأميركية وبريطانيا وفرنسا واغلب دول أوروبا أن جماعة الإخوان منظمة إرهابية. لكنه يتعامل وفق مصلحته وبطرق ناعمة مع أجندة الإخوان، وفي الكواليس شيء آخر.

الهندسة الجيوسياسية وليبيا قلب المتوسط

  • كيف تنعكس هذه الخلافات على فرص إجراء الانتخابات؟

نادية الراشد: كل الخلافات وكل التعقيدات لا توحي بأي انتخابات قادمة. من الصعب جدا ذكر الانتخابات طالما جذور المشكلة قائمة: دولة هشة تحت الوصايا، فساد، انقسام سياسي وإداري ومالي وعسكري، تشتت مجتمعي وخدمي، اقتصاد ريعي منهار، بطالة وفقر متجذر، غلاء فاحش، سلاح منشر، وصراع سلطة.

من المستحيل أن تكون انتخابات في هذا المناخ السيئ. ليبيا اليوم مهمة في الخريطة العالمية لأنها قلب المتوسط، وبين أوروبا وأفريقيا.

من الطبيعي أن توضع فيها نقطة ارتكاز لإعادة رسم الجيوسياسية العالمية وحماية الأمن الإقليمي للحدود الأوروبية، وهذا مهم لمصلحة أمريكا ومصالحها. إعادة هندسة الجيوسياسية للمنطقة والعالم، والدعوة للاستقرار في ليبيا وتوحيد المؤسسات، هي من أهم شروط استعادة أنفاس الدولة، ووقف التمدد الروسي والصيني إلى ليبيا والقارة الأفريقية، ووقف الجماعات الإرهابية العابرة للحدود.

  • هل تعتقدين أن المرحلة المقبلة ستشهد مزيدا من الانقسام أم إعادة تموضع للقوى السياسية؟

نادية الراشد: قصة التوازنات ونفوذ القوى تعتمد على من يفرض وجوده في النظام العالمي الجديد بالاقتصاد الحر والاستثمارات والمؤسسات القوية والتحالفات القوية، ليس بزرع الفوضى والفساد والانتهاكات.

إذن إعادة تشكيل الخرائط موجودة، لكن من يفرض وجوده يكون في المعادلة الدولية. الصراعات الداخلية أثرت بسبب التشكيلات المسلحة وانتشار السلاح وصراع السلطة دون استقرار، بل زادت هشاشة وتعقيدا أكثر دون أي براغماتية، وأصبحت المؤسسات تستخدم فيها الولاءات والمحاصصة واللصوصية.

اعتقد أن المرحلة القادمة ممتدة للمرحلة الحالية، لا حلول في الأفق، والمشهد بلا أي توقع، لأن التعقيد كل يوم نشاهده واقعيا.

بالرغم من موارد ليبيا الضخمة، لو استثمرت العقول وتنازلت وفرضت قوتها الاقتصادية واختارت الحليف الدولي القوي، من المؤكد ستكون رقما مهما في المعادلة الدولية. بينما الاستراتيجية الأمريكية مستمرة في إعادة التموضع خلال الأشهر القادمة، لنرى القادم. والكرة في ملعب الليبيين.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى