الدبلوماسي عادل عيسى لـ”ليبيا 24″: المشهد الليبي أسير منطق المحاصصة والانسداد ليس حالة محايدة بل يمنح المتربصين فرصة للتمدد
عادل عيسى يحذر من "تطبيع الأزمة" ويؤكد: اللامركزية دون ضمانات وصفة لتفكيك الدولة والانتخابات وحدها ليست كافية
أجرى الحوار: عبدالعزيز الزقم – قناة ليبيا 24:
في حوار موسع خص به قناة “ليبيا 24″، فتح الدبلوماسي بوزارة الخارجية الليبية عادل عيسى نافذة نادرة على كواليس الأزمة الليبية بتعقيداتها المتشابكة.
من تقييم المشهد السياسي الهش إلى مخاوف التوطين والهجرة غير الشرعية، ومن تحليل طبيعة العلاقة بين حكومة الدبيبة وتيار الإسلام السياسي إلى جدلية الأقاليم واللامركزية، يقدم عيسى قراءة صريحة تخلو من المجاملات الدبلوماسية.
الحوار الذي جاء بأسلوب يجمع بين العمق التحليلي والصراحة غير المعهودة، يرسم خارطة طريق للخروج من النفق الليبي ويوجه رسائل واضحة للقوى السياسية والشعب الليبي على حد سواء.
المشهد السياسي: توازن هش وأفق غير مغلق
ليبيا 24: كيف تقيمون المشهد السياسي الليبي في هذه المرحلة الحساسة؟
عادل عيسى: المشهد الليبي اليوم يتسم بتعقيد بالغ، لكنه في الوقت ذاته ليس بلا أفق. نحن أمام حالة من التوازن الهش بين قوى سياسية متعددة المرجعيات، وسط ضغوط إقليمية ودولية متشابكة.
ما يُقلقني هو أن النقاشات السياسية باتت أسيرة لمنطق المحاصصة على حساب منطق بناء الدولة. غير أنني لا أفقد التفاؤل، لأن الليبيين أثبتوا تاريخياً قدرةً على اجتياز اللحظات الحرجة حين تتوافر الإرادة الحقيقية.
ليبيا 24: هل تقترب ليبيا من تسوية شاملة أم من جولة جديدة من الانسداد؟
عادل عيسى: الإجابة الصادقة أن المسارين مفتوحان في آنٍ معاً. التسوية ممكنة إذا التزمت الأطراف الليبية بمبدأ “التنازل المتبادل”، أي أن يقبل كل طرف بأقل مما يريد لكي تحصل ليبيا على أكثر مما تحتاج.
أما الانسداد فيصبح قدَراً حتمياً إذا استمرت كل جهة في اشتراط الاستسلام الكامل من الطرف الآخر.
ما يجب أن يدركه الجميع أن الانسداد السياسي ليس حالة محايدة، بل هو يومياً يُضعف الاقتصاد ويُهدر فرص الشباب ويمنح المتربصين بليبيا فرصة للتمدد.
ليبيا 24: ما أبرز التحديات التي تواجه الدولة الليبية؟
عادل عيسى: داخلياً: غياب المؤسسات الدستورية الجامعة، وضعف منظومة العدالة والمساءلة، واقتصاد ريعي يجعل الدولة رهينة للنفط والغاز.
خارجياً: التنافس بين القوى الإقليمية التي تتعامل مع ليبيا أحياناً كساحة نفوذ لا كدولة ذات سيادة.
والمفارقة أن هذين البُعدين يُغذّي كل منهما الآخر؛ الضعف الداخلي يُشجّع التدخل، والتدخل يُعمّق الضعف.
ليبيا 24: كيف تنظرون إلى دور المجتمع الدولي في الملف الليبي؟
عادل عيسى: المجتمع الدولي مطلوب، لكنه لا يجب أن يكون بديلاً عن الإرادة الوطنية. الأمم المتحدة أدّت ومازالت تؤدي دوراً محورياً في الحفاظ على الحوار، لكن التجارب المتراكمة منذ 2011 تُثبت أن أي تسوية مُستوردة بالكامل لن تصمد طويلاً.
أدعو المجتمع الدولي إلى دعم الليبيين على إيجاد حلولهم بدلاً من فرض خرائط طريق جاهزة.
أما الإرادة الدولية فهي موجودة لكنها متقلبة وانتقائية وفق حسابات المصالح، وعلى الليبيين أن يُوظّفوها ذكاءً لا أن يكونوا رهينيها.
الهجرة والتوطين: خطر يستحق اليقظة
ليبيا 24: كيف تنظرون إلى مخاوف التوطين والهجرة غير الشرعية؟
عادل عيسى: هذه المخاوف مشروعة ويجب أخذها بجدية تامة بعيداً عن التهويل أو الاستخفاف.
ليبيا بموقعها الجغرافي الاستراتيجي على المتوسط باتت محوراً لحركة هجرة دولية ضخمة، وهذا الواقع يُفرض عليها بحكم الجغرافيا لا بإرادة أبنائها.
الخطر الحقيقي لا يكمن في الهجرة كظاهرة إنسانية، بل في غياب الدولة القادرة على إدارتها وتنظيمها والحفاظ على الهوية الوطنية في الوقت ذاته.
ليبيا 24: هل هناك مؤشرات حقيقية تدعم المخاوف من تغيير ديموغرافي؟
عادل عيسى: لا يجوز التهاون في متابعة هذا الملف، فالأرقام الدقيقة تُغيب نفسها في ظل غياب إحصاءات رسمية موثوقة، وهذا الغياب بحد ذاته مشكلة.
ما يمكن قوله هو أن أي تغيير ديموغرافي غير خاضع لسيطرة الدولة الليبية هو خطر يستحق اليقظة.
والحل لا يكون بالإنكار ولا بالمبالغة، بل بتفعيل أجهزة الإحصاء والسجل المدني واستعادة السيطرة على الحدود الجنوبية.
ليبيا 24: ما المخاطر الأمنية والاقتصادية والاجتماعية لاستمرار تدفق المهاجرين غير الشرعيين؟
عادل عيسى:
أمنياً: صعوبة الفصل بين المهاجر الاقتصادي والعنصر المسلح ومهرب البشر والمخدرات.
اقتصادياً: ضغط إضافي على الخدمات الشحيحة أصلاً وانتشار اقتصاد غير رسمي يُقوّض المنظومة الضريبية.
اجتماعياً: توترات مجتمعية إذا تُركت دون معالجة مدروسة.
لكنني أُصرّ على التمييز: المهاجر الهارب من جحيم ليس عدواً لليبيا، والمشكلة الحقيقية في منظومات التهريب والفوضى، لا في الإنسان الباحث عن حياة كريمة.
ليبيا 24: كيف تتعامل الدولة مع هذا الملف في ظل الانقسام؟
عادل عيسى: هذا هو جوهر المشكلة: إدارة أزمة الهجرة تستلزم دولة قوية موحدة وهي غير موجودة حالياً. على المدى القريب، يمكن إنشاء آليات تنسيق بين غرب البلاد وشرقها في هذا الملف تحديداً حتى قبل التوصل إلى حل سياسي شامل، لأن الهجرة قضية وطنية لا تعرف الخطوط السياسية.
وهذا أحد الملفات القليلة التي قد تكون أرضية للتعاون العملي بين مختلف الأطراف.
ليبيا 24: ما مسؤولية الاتحاد الأوروبي في هذا الملف؟
عادل عيسى: الاتحاد الأوروبي يتحمل مسؤولية أخلاقية وسياسية واقتصادية كبيرة. هو من استفاد من الاستقرار الليبي قبل 2011 كحاجز طبيعي، وهو من ساهم بصورة أو بأخرى في تفكيك هذا الحاجز.
اليوم حين يُموّل مشاريع احتجاز المهاجرين في ليبيا دون استثمار حقيقي في تعزيز الدولة الليبية فهو يشتري الوقت لا يحل المشكلة.
أطالب الاتحاد الأوروبي بشراكة حقيقية تشمل بناء المؤسسات والتنمية الاقتصادية، والتعاون في حماية الحدود الجنوبية وتوفير الدعم التقني والمادي لحراسة الحدود، لا مجرد تمويل دوريات البحر.
ليبيا 24: هل تُستخدم ليبيا منطقة احتواء لأزمة الهجرة الأوروبية؟
عادل عيسى: هذا التوصيف يحمل قدراً من الحقيقة لا يمكن إنكاره.
أوروبا تعاني من أزمة سياسية داخلية حول ملف الهجرة، وليبيا في وضعها الراهن تُوفّر لها “هامشاً” للتنفس بمعزل عن المساءلة الكاملة. هذا الوضع يُسيء لكرامة الإنسان المهاجر ويُسيء لسيادة ليبيا معاً.
وعلى القيادات الليبية كافة رفضه بصوت موحد ومطالبة أوروبا بشراكة متكافئة تحترم السيادة الليبية، ومجدداً شراكة في الجنوب الليبي وليس بحراسة الشواطئ لتصبح ليبيا مكب بشري.
الدبيبة والإخوان: تقاطعات وتوترات
ليبيا 24: كيف تقرؤون طبيعة العلاقة بين الدبيبة وجماعة الإخوان؟
عادل عيسى: هذه العلاقة بالغة التعقيد وتصف نفسها بشكل مختلف في مراحل مختلفة. لا أرغب في إصدار أحكام قاطعة لأن الصورة الكاملة تحتاج تحليلاً معمقاً للتحالفات التنظيمية والمالية والسياسية.
ما يمكن قوله علناً هو أن الساحة الغربية شهدت تقاطعات كثيرة بين التيارات الإسلامية وحكومة الوحدة الوطنية، وهذه التقاطعات أفرزت مصالح مشتركة، ثم توترات ناجمة عن تضارب هذه المصالح.
ليبيا 24: هل نحن أمام خلاف حقيقي أم إعادة تموضع؟
عادل عيسى: التاريخ السياسي يُعلّمنا أن كثيراً من “الخلافات” بين حلفاء سابقين هي في جوهرها صراعات على النفوذ بعد انتهاء المرحلة التي وحّدتهم. حين تنتهي المنفعة المشتركة التي جمعت أطرافاً تختلف في رؤيتها للدولة، ينشأ الصدام حتماً.
أُرجّح أننا أمام مزيج من الاثنين: خلاف حقيقي في بعض الملفات وإعادة تموضع تكتيكية في ملفات أخرى استعداداً لاستحقاقات مقبلة.
ليبيا 24: ما أسباب تصاعد التوتر بين الدبيبة وتيار الإسلام السياسي؟
عادل عيسى: في مرحلة التأسيس تلتقي القوى ضد العدو المشترك، وفي مرحلة الاستقرار النسبي تتفرق حول توزيع المكاسب.
التوتر المتصاعد في غرب ليبيا لا يخرج عن هذه المعادلة الكلاسيكية. يُضاف إلى ذلك أن القرارات الاقتصادية والأمنية لحكومة الوحدة الوطنية أثارت استياء قوى بعينها رأت أن نصيبها من الثروة والنفوذ لم يتناسب مع حجم دعمها السياسي.
ليبيا 24: كيف ينعكس هذا الصراع على الاستقرار الأمني في غرب ليبيا؟
عادل عيسى: غرب ليبيا هشّ أمنياً بطبيعته بسبب تعدد التشكيلات المسلحة واختلاف مرجعياتها. أي صراع سياسي يتحول بسرعة في هذه البيئة إلى توتر أمني، وشهدنا ذلك في الأشهر الماضية ولا نزال نشهد. المخيف أن المواطن الليبي في طرابلس وضواحيها هو من يدفع الثمن الأول في حال أي تدهور.
لذلك أدعو كافة الأطراف إلى عدم توظيف الأجسام المسلحة في خدمة التنافسات السياسية الضيقة.
ليبيا 24: هل التحالفات السياسية الحالية قابلة للاستمرار؟
عادل عيسى: التحالفات السياسية في بيئات الانتقال عموماً قصيرة الأمد بطبيعتها، ما يمسكها هو توازن المخاوف المشتركة لا الرؤى المشتركة، وهذا بناء هش.
مع اقتراب أي استحقاق انتخابي ستُعاد رسم خرائط التحالفات بالكامل وفق حسابات الربح والخسارة الانتخابية.
من الأهمية بمكان أن يكون ذلك عبر صناديق الاقتراع لا عبر التفاهمات خلف الكواليس أو لغة السلاح.
الأقاليم: بين التنمية والانقسام
ليبيا 24: كيف تنظرون إلى طرح فكرة الأقاليم؟
عادل عيسى: فكرة الأقاليم أو اللامركزية الإدارية ليست مقترحاً طارئاً، بل لها جذور في تاريخ ليبيا ووردت في نقاشات دستورية جادة.
المشكلة ليست في الفكرة ذاتها بل في سياق طرحها؛ حين تُطرح في خضم الانقسام السياسي يصعب الفصل بين الدوافع التنموية الحقيقية ومحاولات رسم خرائط نفوذ جديدة.
الفيصل هو: هل يُعزز هذا الطرح قدرة المواطن على الحصول على خدمات أفضل أم يُكرس تفتيت السلطة المركزية؟
ليبيا 24: ما تقييمكم للمطالب المتعلقة بإقليم المنطقة الوسطى؟
عادل عيسى: المنطقة الوسطى تحمل جرحاً تاريخياً حقيقياً من حيث التهميش في السياسات التنموية والتمثيل السياسي باستثناء مدينة مصراتة طبعاً.
هذا الجرح يستحق اعترافاً وطنياً صريحاً ومعالجة جادة. لكن المعالجة الصحيحة تكون بتطوير منظومة توزيع الثروة والخدمات لا بالضرورة عبر إعادة رسم الخرائط الإدارية.
وأن أي ترتيب إداري مقترح يجب أن يكون جزءاً من تصور وطني متكامل لإعادة هيكلة الإدارة المحلية من السلطة التشريعية.
ولكن ما يجمع الليبيين أعمق بكثير مما يُفرّقهم جغرافياً.
ليبيا 24: ما رأيكم في طرح إقليم الحمادة الحمراء؟
عادل عيسى: الحمادة الحمراء منطقة ذات خصوصية جغرافية وبشرية، والاعتراف بهذه الخصوصية ضرورة.
غير أن أي ترتيب إداري مقترح يجب أن يكون جزءاً من تصور وطني متكامل لإعادة هيكلة الإدارة المحلية كما أسلفت، وليس استجابة لضغوط آنية أو تفاهمات سياسية طارئة. الأطر الإدارية الناجحة تبنى على دراسات وإجماعات وطنية لا على الارتجال.
ليبيا 24: هل تُحقق فكرة الأقاليم تنمية متوازنة أم تفتح باب الانقسام؟
عادل عيسى: هذا السؤال هو الأهم في هذا الملف. الإجابة: كلاهما ممكن، والفارق يكمن في التصميم والتنفيذ والضمانات.
اللامركزية الناجحة في دول مثل ألمانيا وكندا وإسبانيا نجحت لأن فيها ضمانات دستورية صارمة للوحدة الوطنية وقواعد واضحة لتوزيع الموارد. اللامركزية في غياب هذه الضمانات تُصبح وصفة لتفكيك الدولة.
الأمر يتوقف على كيفية التصميم والنصوص الدستورية المُرافقة.
ليبيا 24: كيف التوفيق بين اللامركزية والحفاظ على وحدة الدولة؟
عادل عيسى: المعادلة الذهبية هي: أكبر قدر من اللامركزية الإدارية في تقديم الخدمات، مع أقوى مركزية ممكنة في ملفات السيادة كالسياسة الخارجية والدفاع والداخلية والثروات الطبيعية والمالية.
هذه المعادلة نجحت في كثير من دول العالم وهي قابلة للتطبيق في ليبيا إذا توافرت الإرادة السياسية وأُحكم التصميم الدستوري.
ليبيا 24: هل النظام الإداري الحالي يحتاج مراجعة جذرية؟
عادل عيسى: نعم دون تردد.
النظام المركزي الذي ورثناه جاء بفلسفة تحكم الدولة الريعية التي تُوزّع الأموال لا التي تُوفر الخدمات وتُعزز حقوق المواطنة.
ليبيا بحاجة إلى نظام إداري يُمكّن البلديات من تقديم الخدمات وجباية الضرائب وتحقيق التنمية المحلية، مع بقاء السلطة الوطنية العليا حارسة للسيادة والوحدة.
الحوار المهيكل: إنجازات جزئية وآمال معلقة
ليبيا 24: كيف تقيمون تجربة الحوار المهيكل؟
عادل عيسى: الحوار المهيكل كمسار له قيمة لا يجب الاستهانة بها؛ فهو أتاح فضاءً للحوار الوطني بعيداً نسبياً عن حدة الاستقطاب السياسي.
التقييم الواقعي يقول إنه حقق إنجازات جزئية في بناء توافقات حول ملفات بعينها، لكنه لم يصل بعد إلى المرحلة التي تُترجم فيها هذه التوافقات إلى قرارات سياسية مُلزمة. النجاح الكامل يستلزم أن تلتزم به الأطراف ذات النفوذ الفعلي على الأرض.
ليبيا 24: هل نجح في إشراك مختلف المكونات؟
عادل عيسى: الإشراك كان موسعاً بالمقارنة مع مسارات سابقة، وهذا يُحسب للحوار المهيكل.
غير أن التمثيل الكامل لكل مكونات المجتمع الليبي الغني بتنوعه قضية معقدة لا تحل بمجرد توسيع قوائم المشاركين. المهم أن من اجتمعوا يمتلكون تمثيلاً حقيقياً لمجتمعاتهم وقدرة على ترجمة التوافقات إلى قبول شعبي.
ليبيا 24: ما أبرز المخرجات القابلة للتطبيق؟
عادل عيسى: ما يمكن تطبيقه فوراً: التوافق على المبادئ الدستورية الجامعة كالوحدة والديمقراطية وسيادة القانون.
وعلى المدى القريب: ترتيبات الحكم الانتقالي الموحد واللجان الفنية المشتركة لملفات كالنفط والمالية والأمن. والأهم أن المخرجات لا تُقاس بعدد الوثائق الموقّعة بل بمدى احترامها على أرض الواقع.
ليبيا 24: ما العقبات التي تواجه التنفيذ؟
عادل عيسى: ثلاث عقبات رئيسية: أولاً، غياب آلية إلزامية تجعل التوافقات قابلة للتنفيذ. ثانياً، تضارب المصالح لأطراف تستفيد من الوضع الراهن وتُقاوم أي تغيير يُهدد نفوذها.
ثالثاً، الضغوط الخارجية من قوى إقليمية لا تريد ليبيا موحدة قوية بالضرورة.
ليبيا 24: هل يمكن أن يُشكّل أرضية لحل سياسي دائم؟
عادل عيسى: بإمكانه ذلك إذا تحول من مسار استشاري إلى مسار إلزامي يستند إلى شرعية شعبية واضحة.
الحوار المهيكل وحده لا يكفي، هو يحتاج إلى “قوس” سياسي أوسع يُضفي عليه الإلزام ويُربطه بجدول زمني واضح نحو الانتخابات أو الاستفتاء الشعبي.
ليبيا 24: ما الذي يحتاجه للحصول على ثقة الشارع؟
عادل عيسى: الشارع الليبي يُؤمن بالنتائج لا بالوعود.
ما يكسب ثقته هو: الشفافية في نشر وثائق الحوار والتوافقات، ومشاركة مؤسسات المجتمع المدني بصورة حقيقية لا شكلية، وربط الحوار بأجندة زمنية محددة تُفضي إلى انتخابات، وأن يشعر المواطن في طرابلس وبنغازي وسبها أن الحوار يعالج همومه اليومية لا فقط حسابات النخب.
السيادة والعلاقات الدولية: قرار وطني منقوص
ليبيا 24: ما حجم التدخلات الخارجية في الشأن الليبي اليوم؟
عادل عيسى: التدخل الخارجي حاضر ومؤثر وأحياناً حاسم، ولن أتجمّل الواقع بأقل من ذلك. الجديد هو أنه بات أكثر تنوعاً في أدواته، فهو لم يعد مقتصراً على الأدوات العسكرية بل امتد إلى التأثير السياسي والمالي والإعلامي.
ما يُقلقني أن بعض الأطراف الليبية باتت تُسوّق التدخل الخارجي لصالحها وكأنه دعم مشروع، بينما ترفض التدخل الذي يُسوّقه الخصوم. السيادة الوطنية لا تتجزأ.
ليبيا 24: هل تملك ليبيا القدرة على بناء سياسة خارجية موحدة؟
عادل عيسى: في الوضع الراهن القدرة محدودة، وهذا واقع مؤلم يجب الاعتراف به. وجود أكثر من مرجعية في السياسة الخارجية يُشتت القدرة التفاوضية ويُعطي الطرف الخارجي ورقة إضافية للعب على التناقضات الليبية.
الأمر الإيجابي أن الحد الأدنى من المصالح الوطنية مشترك بين كل الليبيين: وحدة الأراضي وعائدات النفط والكرامة الوطنية.
وهذا الحد الأدنى يمكن البناء عليه كأرضية للسياسة الخارجية حتى قبل الحل السياسي الشامل.
ليبيا 24: ما المطلوب لاستعادة القرار الوطني؟
عادل عيسى: أولاً: إزالة الوجود العسكري الأجنبي وفق جدول زمني واضح، لأن هذا الوجود يُقيّد القرار السياسي ويضغط عليه.
ثانياً: توحيد الأجهزة الاقتصادية والعمل جاري وبالأخص مؤسسة الوطنية النفط والمصرف المركزي لأن من يتحكم في المال يتحكم في القرار. وثالثاً: بناء مؤسسة دبلوماسية مهنية مستقلة عن التجاذبات السياسية.
ليبيا 24: كيف تستفيد ليبيا من موقعها وثرواتها لتعزيز مكانتها الإقليمية؟
عادل عيسى: الموقع الجغرافي لليبيا يجعلها دولة محورية على خريطة المتوسط وإفريقيا والشرق الأوسط في آن واحد، وهذه ميزة جيوسياسية نادرة. والثروات النفطية والغازية والثروات المعدنية، في ظل الطلب العالمي المتصاعد على الطاقة تُعطي ليبيا قدرة تفاوضية مهمة.
توظيف هذه المزايا يستلزم دولة مستقرة تتحدث بصوت واحد وتتفاوض بعقل استراتيجي، وليس بصوت أصحاب النفوذ المتعددين الذين يُفرطون في هذه الموارد مقابل ضمانات وقتية والكل يعلمها.
رسائل ختامية: ثلاث أولويات وطريق الإنقاذ
ليبيا 24: ما أكبر خطر يهدد ليبيا خلال السنوات القادمة؟
عادل عيسى: الخطر الأكبر في تقديري ليس خارجياً كما قد يتوقع البعض، إنه خطر التعايش مع الأزمة وتطبيعها حتى يصبح الانقسام “طبيعياً” ويفقد الليبيون القدرة على تخيّل بديل أفضل. حين يقبل المواطن بنقص الكهرباء والخدمات الصحية وانعدام الأمن كأمر واقع لا يمكن تغييره، ينتقل الأمل إلى اليأس. واليأس هو وقود الهجرة النافعة وهو الذي يدفع الكفاءات الشابة للمغادرة ويترك البلد أكثر هشاشة.
ليبيا 24: هل الانتخابات لا تزال تمثل المخرج الحقيقي؟
عادل عيسى: الانتخابات ضرورة لا غنى عنها، لكنها ليست كافية وحدها. انتخابات دون قاعدة دستورية واضحة تُفرز نزاعات، وانتخابات دون توافق مسبق على احترام نتائجها تُعيد إنتاج الأزمة.
الانتخابات كمخرج صحيح يعني أن تكون خاتمة لمسار متكامل لا مغامرة في فراغ.
ومع ذلك أقول: حين تُتوافر الشروط الصحيحة، صندوق الاقتراع هو الوحيد صاحب الشرعية في تحديد من يحكم ليبيا.
ليبيا 24: ما الرسالة التي توجهونها إلى القوى السياسية الليبية؟
عادل عيسى: رسالتي بكل وضوح: التاريخ لن يكون رحيماً بمن يُقدّم مصالحه الخاصة على مصلحة وطن ينزف. أنتم جميعاً، على اختلاف مرجعياتكم وانتماءاتكم، أبناء هذه الأرض وستُحاسبون أمام أبنائها وأمام التاريخ.
السلطة الحقيقية الدائمة لا تُبنى بالسيطرة على الموارد والمناصب بل تُبنى بكسب ثقة الشعب، وثقة الشعب لا تُكتسب إلا بخدمته وليس باستخدامه.
ليبيا 24: ما الرسالة التي توجهونها إلى الشعب الليبي؟
عادل عيسى: إلى الشعب الليبي الصابر الكريم أقول: سنوات الأزمة أنهكتكم وقد قلّلت المصائب المتراكمة من ثقتكم بكل شيء، ولهذا حق. لكن ليبيا بدونكم وبدون إرادتكم لن تُبنى. أنتم أصحاب هذا الوطن لا الساسة ولا الميليشيات.
صوتكم وإرادتكم ومشاركتكم في الحياة المدنية هي الحصن الحقيقي لليبيا. لا تتركوا الفضاء العام لمن يستغلونه، ليبيا تستحق منكم المطالبة بحقوقكم وبناء مستقبل أبنائكم على هذه الأرض التي ارتوت بدماء أجدادكم.
ليبيا 24: إذا طُلب منكم تلخيص طريق إنقاذ ليبيا في ثلاث أولويات فقط، فما هي؟
عادل عيسى:
أولاً، الدستور: إقرار دستور دائم يُجمع عليه الليبيون ويحسم قواعد اللعبة السياسية والاقتصادية ويكون حكماً فوق الجميع، بدون دستور كل شيء آخر قابل للتفكيك.
ثانياً، المؤسسات السيادية الموحدة: توحيد السلطة التنفيذية بحكومة جديدة وتوحيد المؤسسة العسكرية تحت سقف وطني واحد، لأن من يسيطر على هذه المؤسسات يمتلك ليبيا فعلاً، ومن يتشاركها تحت قانون موحد يبني ليبيا فعلاً.
ثالثاً، الانتخابات على أساس سليم: الذهاب إلى انتخابات رئاسية وبرلمانية متزامنة في أقرب وقت ممكن وفق قاعدة دستورية مُتفق عليها وبضمانات دولية وأمنية تجعل نتائجها مقبولة. ليبيا لا يحكمها إلا من يختاره الليبيون.



