ليبيا 24
واشنطن تراهن على الفريق أول ركن صدام حفتر لكسر جمود المؤسسات الليبية
لقاء روبيو وصدام يعلن تحولاً استراتيجياً في الموقف الأمريكي
في خطوة تحمل دلالات سياسية عميقة، كشف وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو عن صورته مع نائب القائد العام للقوات المسلحة الليبية، الفريق صدام حفتر، عبر حسابه الرسمي على منصة “إكس”، في مشهد يرقى إلى ما هو أبعد من البروتوكول الدبلوماسي.
يأتي هذا اللقاء الذي احتضنته واشنطن، ليعكس تحولاً في الموقف الأمريكي تجاه الملف الليبي، خصوصاً في ظل التصريحات المتتالية للمبعوث الأمريكي مسعد بولس، التي أكد فيها أن الرئيس دونالد ترامب يشرف شخصياً على المبادرة الأمريكية الأخيرة.
ويُعد روبيو المنحدر من أصول كوبية والمولود في ميامي عام 1971، أحد أبرز صقور السياسة الخارجية في الحزب الجمهوري ويصنف ضمن الدائرة الأولى لصنع القرار حول الرئيس ترامب.
وقد انتُخب لعضوية مجلس الشيوخ عن ولاية فلوريدا لعدة دورات، قبل أن يتحول من منافس لترامب على ترشيح الحزب عام 2016 إلى أحد أقرب حلفائه.
ويُطرح اسمه اليوم على نطاق واسع كمرشح الجمهوريين المحتمل للانتخابات الرئاسية بعد انتهاء ولاية ترامب، مستفيداً من حضوره السياسي وخبرته التشريعية، إلى جانب تنامي التيار اليميني داخل الحزب.
مبادرة بولس.. العرض العملي الوحيد
ويرى المحلل السياسي عيسى عبدالقيوم، في تحليل له، أن ما نشره روبيو للصورة شخصياً “يعكس الأهمية التي يوليها لهذا اللقاء”، مشيراً إلى أن هذه الخطوة “قد تحمل دلالات سياسية تتجاوز الطابع البروتوكولي، وربما تشير إلى طبيعة وأهمية هذا اللقاء التي استوجبت توثيقه بشكل شخصي كمحطة سياسية يعول روبيو على استثمارها لاحقاً”.
ويضيف عبدالقيوم أن الإدارة الأمريكية تراهن على نتائج هذا اللقاء “لإنهاء ركود الحالة الليبية والولوج بها إلى مرحلة تنفيذ خطوات عملية سنرى أثارها السياسية والاقتصادية خلال النصف الثاني من هذا العام”.
وفي قراءة متعمقة للمبادرة الأمريكية، يصف عبدالقيوم “مبادرة بولس” بأنها “العرض العملي الوحيد، وفق المتغيرات والمعطيات المتاحة في هذه المرحلة”.
ويوضح أن المبادرة “لن تحل جميع الأزمات، بل سترفعنا من القاع إلى السطح، ويمكنها أن تُصفّر العداد، وتعمل على إنهاء خمسة أجسام متهالكة، وتجعلنا في مواجهة جسم واحد”. وهذا الطرح يعكس رؤية واقعية لأزمة ليبيا التي تعاني من تعدد المؤسسات وتضارب الصلاحيات، حيث تسعى المبادرة إلى توحيد المؤسسات الليبية تدريجياً، مع التركيز على الملفات الاقتصادية والأمنية.
تحول جذري في قواعد اللعبة
ويشير عبدالقيوم إلى أن “كل المؤشرات تقول إن قواعد اللعبة قد تغيرت بشكل جذري، وإن المجتمع الدولي بات يضع 50% من البيض في سلة ‘المركز السياسي في بنغازي’، وهو ما يفرض على غرب ليبيا تغيير منهجه المركزي في التفكير والسلوك”. ويأتي هذا التقييم في وقت تتصاعد فيه الضغوط على حكومة عبدالحميد الدبيبة، التي يصفها المحللون بأنها “منتهية الولاية”، وتواجه اتهامات بالفشل في إدارة مؤسسات الدولة، حيث يسيطر قادة المركز السياسي في طرابلس على مساحة لا تتجاوز 20% من مساحة ليبيا.
ويطرح عبدالقيوم رؤية جديدة لمستقبل ليبيا، مؤكداً أن “من تمام نضج التيار الوطني أن يشتبك مع سلة أفكار ما بعد نجاح مبادرة بولس، لا قبلها؛ فما قبلها مجرد عملية إنقاذ، أما ما بعدها فهو أفكار تهم الاستقرار الاستراتيجي ليبيا”.
ويشبه نقل مؤسسات الدولة مؤقتاً إلى سرت بـ”نقل الجنين إلى جهاز الإنعاش لمنحه فرصة للحياة”، في إشارة إلى أهمية إيجاد منطقة محايدة تستضيف مؤسسات الدولة بعيداً عن التجاذبات السياسية في العاصمة.
تحذير للمتشبثين بالسلطة
وفي لهجة حادة، يوجه عبدالقيوم تحذيراً واضحاً للمتشبثين بالسلطة في طرابلس، داعياً إياهم إلى “تذكروا نصيحتهم للقذافي بالمغادرة وترك الاختيار للشعب الليبي”.
ويؤكد أن “ليس من حق الخصوم الاعتراض على من يمثل الطرف الآخر، فلكل طرف معطياته وتوازناته ورؤيته التي تختلف، بالضرورة، عن رؤية الطرف الآخر”. ويعكس هذا الطرح رفضاً لأي محاولات لفرض رؤية أحادية على المشهد السياسي الليبي، خصوصاً من جانب الجهات التي تعتبر نفسها الوصي الوحيد على الشرعية.
وكان المبعوث الأمريكي مسعد بولس، وهو صهر الرئيس ترامب، قد أعلن عن المبادرة الأمريكية التي تهدف إلى توحيد المؤسسات الليبية، عبر مسار تدريجي يركز على الملفات الاقتصادية والأمنية.
وقد شهدت الفترة الماضية خطوات ملموسة، من بينها إقرار موازنة وطنية موحدة لأول مرة منذ عام 2013، وإجراء مناورات عسكرية مشتركة في مدينة سرت بإشراف القيادة العسكرية الأمريكية في أفريقيا، إضافة إلى إنشاء غرف عمليات مشتركة بين الجانبين.
وتؤكد مصادر مطلعة أن المبادرة قد تشمل ترتيبات سياسية تتضمن بقاء الدبيبة على رأس حكومة موحدة، مقابل تولي صدام حفتر منصباً تنفيذياً أو رئاسياً جديداً. غير أن هذه الترتيبات لم تُعلن رسمياً بعد، في ظل رفض متزايد من بعض الأطراف في الغرب الليبي، التي ترى في المبادرة تهديداً لمكتسباتها السياسية.
في المشهد الليبي المعقد تبرز مبادرة بولس كأحد المسارات القليلة القابلة للتطبيق، في وقت يزداد فيه الإحباط من فشل المبادرات السابقة، ويتزايد فيه الإقرار بأن استمرار الوضع الراهن لم يعد خياراً مقبولاً، سواء للشعب الليبي أو للمجتمع الدولي الذي بات ينظر إلى بنغازي كمركز ثقل لا يمكن تجاوزه في أي تسوية مستقبلية.



