تدهور المراعي في ليبيا يفاقم أزمة الثروة الحيوانية ويزيد الضغوط على المربين
الجفاف والاضطرابات وتراجع إدارة الموارد الطبيعية رفعت الاعتماد على الأعلاف المكلفة

منذ عام 2014 تشهد المراعي الطبيعية في ليبيا تراجعاً متواصلاً نتيجة تداخل عوامل مناخية واقتصادية ومؤسسية، في ظل تداعيات الاضطرابات الأمنية والسياسية التي انعكست على إدارة الموارد الطبيعية وبرامج دعمها.
وأدى هذا الواقع إلى تقلص المساحات الصالحة للرعي وتراجع الغطاء النباتي في مناطق واسعة من البلاد، الأمر الذي أثر بصورة مباشرة على قطاع تربية الماشية الذي يمثل مصدراً رئيسياً للدخل في العديد من المناطق.
وامتد التراجع من شرق البلاد إلى غربها مع اختفاء عدد من النباتات الرعوية المحلية التي تشكل ركناً أساسياً في النظام البيئي، بالتزامن مع ارتفاع درجات الحرارة وتراجع معدلات هطول الأمطار، وهو ما زاد من الضغوط الواقعة على الأراضي الرعوية وأضعف قدرتها على التجدد الطبيعي.
وتشير المعطيات الميدانية إلى أن مظاهر الجفاف أصبحت أكثر وضوحاً خلال السنوات الأخيرة، حيث انخفضت كثافة الغطاء النباتي وتراجعت المساحات القابلة للرعي، في وقت انعكس فيه هذا التراجع على إنتاجية الثروة الحيوانية واستدامة نشاط تربية المواشي.
تراجع الموارد الطبيعية يرفع كلفة الإنتاج
أدى تقلص المراعي الطبيعية إلى زيادة اعتماد المربين على الأعلاف الجاهزة لتلبية احتياجات قطعانهم، في ظل ارتفاع أسعارها محلياً وعالمياً، ما رفع تكاليف الإنتاج بصورة كبيرة وأضعف الجدوى الاقتصادية للنشاط.
وفي ظل هذه الظروف اضطر عدد من المربين إلى تقليص أعداد قطعانهم، بينما اتجه آخرون إلى بيع جزء من مواشيهم لتغطية تكاليف الأعلاف والمياه، في حين خرج بعضهم من النشاط بعد سنوات من الخسائر المتراكمة.
كما ساهم تراجع الكثافة النباتية واستمرار موجات الجفاف في الحد من قدرة الرعاة على إيجاد مناطق مناسبة للرعي، الأمر الذي أدى إلى تزايد الضغط على الموارد المتاحة وارتفاع الاعتماد على الأعلاف التجارية بصورة شبه كاملة.
وانعكس ذلك على حجم الثروة الحيوانية وأسعارها في الأسواق، إذ أدى انخفاض أعداد الأغنام إلى تراجع المعروض وارتفاع الأسعار، بما أثر على قدرة شريحة من المواطنين على شراء الأضاحي وتلبية احتياجاتهم من المنتجات الحيوانية.
وتبلغ مساحة المراعي الطبيعية في ليبيا نحو 17 مليون هكتار تمثل قرابة 10 بالمائة من مساحة البلاد، إلا أن جزءاً كبيراً منها يعاني نقصاً في المياه نتيجة جفاف بعض الآبار وتعطل أخرى، وهو ما يقلص الاستفادة من هذه المساحات ويحد من قدرتها على دعم الإنتاج الحيواني.
وتوفر المراعي الطبيعية نحو 25 بالمائة من احتياجات الثروة الحيوانية من الأعلاف، بينما يقدر عدد الأغنام في ليبيا بنحو 7.5 مليون رأس، بقيمة إجمالية تقارب خمسة مليارات دينار ليبي، ما يعكس الأهمية الاقتصادية لهذا القطاع ودوره في دعم الأمن الغذائي.
ويرى اقتصاديون أن الأزمة الحالية لا ترتبط بالعوامل المناخية وحدها، بل تتداخل معها متغيرات اقتصادية تشمل ارتفاع أسعار السلع وتراجع القوة الشرائية وغياب الدعم الكافي لقطاع تربية المواشي، إضافة إلى تهريب جزء من الثروة الحيوانية إلى دول الجوار نتيجة فروقات أسعار العملات، وهو ما ساهم في تقليص المعروض المحلي وزيادة الضغوط على الأسواق.
وتعكس هذه التطورات ارتباط مستقبل الثروة الحيوانية في ليبيا بقدرة القطاع على استعادة كفاءة المراعي الطبيعية وتعزيز إدارة الموارد المائية، إلى جانب توفير بيئة أكثر استقراراً لدعم المربين والحفاظ على أحد أهم القطاعات الإنتاجية في البلاد.



