ليبيا

ليبيا على مفترق طرق: بين مطرقة الفوضى وسندان المبادرة الأمريكية

واشنطن تعمق دورها بملف ليبيا وسط تباين بروتوكولي في استقبال المسؤولين

ليبيا 24:

ليبيون ينادون برئيس وطني لقيادة انتقالية تنهي الفوضى وتعزز الاستقرار

في مشهد سياسي يعكس حالة الانسداد التي تعصف بالبلاد منذ أكثر من عقد، يخرج الدبلوماسي الأسبق عادل عيسى بصوته الذي يمثل -بحسب تقدير مراقبين- نبض شريحة عريضة من الليبيين الذين طفح بهم الكيل من وطأة الانقسام وتآكل مؤسسات الدولة.

ففي سلسلة منشورات على منصة فيسبوك، أطلق عيسى ما يشبه النداء الوطني الجامع، داعياً إلى “رئيس وطني واحد” يعيد للدولة هيبتها وينهي حالة التشظي التي جعلت من ليبيا ساحة مفتوحة للتدخلات الإقليمية والدولية.

ففي استهلاله بمثل شعبي مصري يقول “اللي ما عنده كبير يشتريلوا كبير”، يضع عيسى يده على جرح وطن يعاني غياب السلطة المركزية القادرة على فرض سيادة القانون، لتتبلور رؤيته حول ضرورة قيادة مرحلة انتقالية تفضي إلى انتخابات رئاسية وبرلمانية حرة ونزيهة، معتبراً أن من ينجح في هذه المهمة التاريخية سيخلده التاريخ كرجل المرحلة الذي أعاد ليبيا إلى طريق الدولة.

وهذا الطرح، وإن بدا طموحاً، إلا أنه يلتقي مع تطلعات شعب يعاني من تقطع السبل وانقطاع التيار الكهربائي وتآكل قيمة العملة المحلية.

قراءة في المشهد الأمريكي: رسائل بروتوكولية تعيد ترتيب الأولويات

في تطور دبلوماسي يحمل دلالات عميقة، تكشف الوقائع التي رصدتها “ليبيا 24” عن تباين في مستوى التمثيل الدبلوماسي خلال اللقاءات التي جمعت مسؤولين ليبيين بنظرائهم في واشنطن، إذ التقى الوكيل عبدالسلام زوبي بنائب وزير الخارجية الأمريكي، بينما جلس الفريق صدام حفتر إلى طاولة الحوار مع وزير الخارجية الأمريكي مباشرة، وهذا الفارق البروتوكولي والسياسي، كما يرى المحللون، يشير إلى محورية الدور الذي توليه الإدارة الأمريكية للمؤسسة العسكرية كركيزة أساسية في أي تسوية سياسية مستقبلية.

واللافت في هذا السياق، أن مبادرة بولس، التي طالما مثلت إطاراً غير رسمي للحوار، قد بلغت مرحلة النضج السياسي بحسب تقدير عيسى، خاصة مع التوقعات بأن يتولى الرئيس ترمب الإشراف عليها بصورة مباشرة خلال التسعين يوماً المقبلة، في خطوة تعكس رغبة واشنطن في الانتقال من دور الوسيط إلى دور الراعي المباشر للمسار السياسي، مع إمكانية إدخال لاعبين جدد إلى المشهد مقابل تهميش أطراف أخرى كانت حاضرة في دائرة التأثير.

ويقرأ المراقبون في هذه التحركات إشارة واضحة إلى أن الأولوية الأمريكية لا تزال تنصب على دعم مسار توحيد المؤسسة العسكرية، بالتزامن مع الاعتراف بالشرعية الدولية ممثلة في بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا، وهو ما يطرح تساؤلات حول إمكانية أن تشهد المرحلة المقبلة عودة أكثر فاعلية للبعثة الأممية لقيادة العملية السياسية واستكمال ما تبقى من خارطة الطريق، ضمن ما يعرف بالحوار المهيكل، مع احتمال أن تتقاطع مخرجاته مع بعض أفكار مبادرة بولس، ولكن هذه المرة عبر إطار دولي أكثر توازناً وواقعية.

خلل المؤسسات بين غياب الكفاءة وتراجع معايير الجدارة

في انزياح حاد نحو تداعيات الأزمة السياسية على البنية المؤسسية، يلمح عادل عيسى إلى ما وصفه بـ”الاستخفاف والاستهانة بمعايير الكفاءة وإفراغ المناصب من مضمونها”، معتبراً أن منح المسؤوليات في المناصب الحساسة أصبح بعيداً عن معايير الجدارة والاستحقاق، وكأن الدولة تحولت إلى سوق للمزايدات السياسية والمالية. وهذا الطرح يأتي في وقت تعاني فيه المؤسسات الأمنية والعسكرية من تداخل في الأدوار وصراع على النفوذ، مما أفقدها القدرة على القيام بواجباتها في حفظ الأمن القومي.

وفي مثال حي على هذا الخلل، يشير عيسى إلى ملف المخابرات، حيث تتحول المناصب الحساسة في دول العالم إلى شأن متداول في الشارع والإعلام قبل أن يتم تعيين أصحابها، وهو ما يثير التساؤلات حول مستوى السرية المؤسسية التي أصبحت تُدار وفق اعتبارات أخرى غير المهنية والأمنية.

 ويبدو أن هذه الإشكالية ليست مجرد انتقاد سياسي، بل هي تشخيص لحالة مرضية أصابت جهاز الدولة وأضعفت قدرته على مواجهة التحديات الأمنية والاقتصادية المتراكمة.

ويقارن عيسى الوضع الليبي بمسيرة العراق في محاربة الفساد واستعادة الأموال العامة، معرباً عن أمله في أن تسير ليبيا على النهج نفسه، خاصة مع الحديث عن مناقشة قوانين لاسترداد الأموال ومحاسبة المتورطين، غير أن السؤال الذي يطرح نفسه بقوة: كيف يمكن للدولة التي تعاني من ضعف مؤسساتها أن تخوض معركة ضد الفساد الذي استشرى في مفاصلها كافة؟

أزمة الكهرباء: العدالة في توزيع المعاناة بدلاً من حلها

وفي قطاع حيوي يعكس تراجع مستوى الخدمات الأساسية، تقف شركة الكهرباء أمام واحدة من أسوأ أزماتها منذ سنوات، حيث وصلت ساعات انقطاع التيار إلى مستويات غير مسبوقة، مما أثر على كافة مناحي الحياة، من القطاع الصحي إلى الصناعي وصولاً إلى حياة المواطنين اليومية.

غير أن اللافت في معالجة هذه الأزمة، بحسب ما يورده عيسى، هو ما خرجت به الحكومة من تشكيل لجنة أوصت بـ”تحقيق العدالة في تنظيم الأحمال”، وكأن المشكلة ليست في توفير الكهرباء بل في توزيع الانقطاع بعدالة، وهو ما يعكس حالة من العزوف عن معالجة جذور الأزمة سواء على مستوى الصيانة أو التوسع في الإنتاج.

ويقرأ متابعون في هذه التوصية دليلاً على حالة العجز التي تعاني منها السلطة التنفيذية، وتوجهها نحو إدارة الأزمة بدلاً من حلها، بما يشبه إدارة الفشل بشكل احترافي، مما يعمق حالة الإحباط الشعبي ويدفع إلى مزيد من السخط ضد المؤسسات القائمة، في وقت أصبحت فيه الكهرباء رمزاً لقدرة الدولة على توفير الحد الأدنى من متطلبات الحياة الكريمة.

قراءة نهائية: صوت الشارع ومستقبل المرحلة الانتقالية

في المحصلة، يقدم المشهد الليبي كما يرصده عادل عيسى، حالة من الارتجال السياسي والأمني، حيث تختلط الأصوات وتتداخل الأدوار، وتتحول المناصب السيادية إلى مواقع للمزايدة والاستعراض الإعلامي، بينما يعاني المواطن من غياب أبسط الخدمات واستمرار الانقسام وتشرذم القرار الوطني، إن ما يطرحه عيسى من ضرورة وجود “رئيس وطني كبير” ليس مجرد شعار عابر، بل هو نتاج حالة من اليأس من المشهد السياسي الحالي، ورغبة جامحة في الخروج من نفق الانسداد الذي دخلت فيه البلاد منذ سنوات.

ويبقى الرهان، بحسب قراءة المتابعين، على مبادرة بولس وما يمكن أن تثمر عنه من تغيير في التوازنات الدولية والإقليمية، خصوصاً مع الدعم الأمريكي المعلن لتوحيد المؤسسة العسكرية، وتلمس خطوات جادة نحو حوار سياسي شامل يعيد الأمور إلى نصابها، غير أن التحدي الأكبر يبقى في قدرة الأطراف الليبية على تجاوز خلافاتها والاتفاق على رئيس وطني يوحد الصف، ويسحب البساط من تحت أقدام كل من يراهن على استمرار الفوضى من أجل البقاء في مواقع النفوذ والثراء.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى