ليبيا 2026.. “كأس العالم” بين انقطاع الكهرباء ونقص المياه وتهالك البنى
كهرباء تنقطع ومياه تنضب وبنية تحتية تنهار في صيف ليبي حارق
ليبيا 24:
صراع النخب السياسية يُعمق أزمات الخدمات ويهدد الاستقرار في ربوع ليبيا
في مشهد يجمع بين الطموح الكروي والواقع الخدمي المتردي، تخيل الليبيون يوماً أن تستضيف بلادهم بطولة كأس العالم. لكن سرعان ما تحول الحلم إلى كابوس كوميدي، إذ تحولت الملاعب المرشحة إلى مسابح مؤقتة بسبب الأمطار، بينما أطفأت انقطاعات الكهرباء أنوار المباريات في الدقائق الحاسمة، وبات اللاعبون يطلبون وقتاً مستقطعاً ليس للإحماء بل للبحث عن مياه شرب نقية.
المدرجات تغرق والجمهور يسبح
انطلقت أولى مباريات البطولة على ملعب طرابلس الدولي، الذي تحولت أرضيته إلى مستنقع بعد هطول أمطار خفيفة، إذ فشلت شبكات الصرف الصحي المتهالكة في تصريف المياه. الجماهير التي توافدت لمشاهدة المباراة وجدت نفسها تسبح في “بحر البيفي العظيم” الشهير، بينما حاولت فرق الإنقاذ إخراج السيارات الغارقة من مواقف السيارات التي تحولت إلى أحواض مائية.
ظلام دامس في الشوط الثاني
مع حلول الشوط الثاني، أعلنت الشركة العامة للكهرباء عن انقطاع التيار عن الملعب بالكامل، بسبب نقص الوقود والغاز الذي تسبب في فقدان أكثر من 1000 ميغاواط من القدرة الإنتاجية.
الحكام اضطروا لاستخدام هواتف الجمهور المحمولة لإضاءة الملعب، بينما رفع المشجعون شعارات تطالب بـ”كهرباء بدل الأضواء الكاشفة”.
وقد حذر وزير الكهرباء عوض البدري من أن استمرار نقص الوقود يهدد استقرار الشبكة بأكملها، لكن التحذيرات طارت مع الريح في ظل غياب حلول جذرية.
الماء أغلى من التذاكر
وفي استراحة الشوطين، فوجئ اللاعبون بانقطاع مياه الشرب في غرف الملابس. إذ تعاني ليبيا من أزمة مياه حادة تهدد ملايين المواطنين، حيث وصل سعر سيارة المياه التي تبلغ حمولتها نحو 60 برميلاً إلى 200 دينار ليبي، وهو مبلغ يشكل عبئاً كبيراً على الأسر.
المواطن أحميدة صالح طاهر من طبرق يصف الأزمة بأنها “واحدة من أبرز التحديات”، مشيراً إلى أن محطة تحلية المياه الوحيدة في المدينة يتجاوز عمرها 25 عاماً وتعاني من التهالك.
أما في طرابلس، فالمياه المعبأة أصبحت عملة نادرة تُتداول في المدرجات بدلاً من التذاكر.
صراع النخب يلغي المباراة النهائية
قبل انطلاق المباراة النهائية، دخلت الأطراف السياسية على الخط. رئيس المجلس الرئاسي محمد المنفي ورئيس الحكومة منتهية الولاية عبدالحميد الدبيبة تبادلا الاتهامات حول من يتحمل مسؤولية فشل تنظيم البطولة.
المجلس الأعلى للدولة برئاسة محمد تكالة طالب بتشكيل لجنة تحقيق، فيما اعتبر أن أي تسوية سياسية مستدامة يجب أن تنطلق من توافق ليبي – ليبي.
وفي خضم ذلك، اندلعت اشتباكات بين ميليشيات “اللواء 444″ و”اللواء 111” في ضواحي طرابلس، ما دفع بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا إلى التعبير عن قلقها البالغ.
الميليشيات تحسم النتيجة
في مدينة الزاوية، اندلعت اشتباكات مسلحة عنيفة في محيط مصفاة النفط إثر عملية أمنية، بينما شهدت مناطق متفرقة من العاصمة مناوشات بين الفصائل المسلحة المتناحرة على النفوذ.
وكعادتها، تدخلت المجموعات المسلحة لحسم النتيجة، لكن هذه المرة لم تكن النتيجة كروية بل إغلاق الملاعب وإلغاء البطولة بأكملها، وسط أنباء عن نهب معدات البث الفضائي من قبل بعض الميليشيات.
النهر الصناعي بين الماضية والحاضرة
وفي مفارقة تاريخية، تحول “النهر الصناعي العظيم” الذي وُصف بأنه أعجوبة العالم الثامنة إلى رمز للوعود المنكسرة.
فبدلاً من أن يروي عطش الجماهير، أعلن جهاز النهر الصناعي تخفيض الإمداد المائي لمدن عدة، وسط تحذيرات من تفاقم أزمة المياه مع ارتفاع الطلب وضعف الإدارة. خبراء طالبوا بضرورة تبني سياسات واستراتيجيات عاجلة لضمان الأمن المائي، لكن الأصوات ضاعت في زحام الصراعات.
الطرق والمطارات: رحلة العودة الأصعب
بعد إلغاء البطولة، اكتشف الجمهور أن مشوار العودة إلى منازله يفوق في صعوبته أي مباراة كروية. الطرق الرئيسية تحولت إلى بحيرات من الوحل، والمطارات أغلقت أبوابها بسبب تهالك المدارج، بينما أعلنت الحكومة الليبية برئاسة الدكتور أسامة حماد حظر دخول رعايا أربع دول أفريقية عبر جميع المنافذ، ما زاد من عزلة البلاد وجعلها أشبه بملعب مهجور في قلب الصحراء.
بين الأزمة والطموح
يبقى السؤال الأهم: هل كانت استضافة كأس العالم حلماً بعيد المنال أم انعكاساً لواقع أليم؟ الإجابة تكمن في معاناة الليبيين اليومية من انقطاع الكهرباء الذي قد يصل إلى 8 ساعات يومياً، ونقص المياه الذي يهدد 4 ملايين مواطن، وتهالك البنية التحتية الذي يحول الأمطار الخفيفة إلى كوارث، وصراعات النخب التي تعطل أي مشروع تنموي، واشتباكات الميليشيات التي تجعل من العاصمة ساحة حرب مفتوحة.
في ليبيا اليوم، لا يحتاج المواطن إلى كأس عالم بقدر ما يحتاج إلى كأس ماء نظيف، وقبس كهرباء يضيء لياليه، وطريق يعيده إلى بيته آمناً.
لكن في غياب إرادة سياسية حقيقية وحلول جذرية للأزمات المتراكمة، يبقى الحلم كروياً والواقع مأساوياً، والبطولة الحقيقية هي تلك التي يخوضها الليبيون يومياً في معركة البقاء تحت وطأة انقطاع الخدمات ووهن الدولة.



