ليبيا

الدبيبة يواجه غضب الشارع بسياسة شراء الوقت

الاستعانة بـ"الردع" تكشف غياب رؤية لمعالجة أزمة الغرب الليبي

مع اتساع رقعة الاحتجاجات الشعبية في طرابلس وعدد من مدن المنطقة الغربية، تبدو حكومة الوحدة الوطنية المؤقتة برئاسة عبد الحميد الدبيبة أمام اختبار سياسي وأمني متجدد، في ظل تصاعد الغضب الناتج عن أزمة الكهرباء وتراجع الخدمات الأساسية.

وبينما تتجه الحكومة إلى تعزيز انتشار التشكيلات الأمنية واحتواء التحركات الميدانية، يزداد الجدل بشأن اعتمادها على حلول مؤقتة تركز على احتواء تداعيات الأزمة أكثر من معالجة أسبابها، وهو ما يعزز الانطباع بأن سياسة “شراء الوقت” لا تزال الخيار الأبرز في إدارة المشهد.

عودة “الردع”.. خيار أمني في مواجهة الاحتجاجات

شهدت شوارع وميادين طرابلس انتشاراً لافتاً لعناصر وآليات “جهاز الردع لمكافحة الإرهاب والجريمة المنظمة”، في خطوة جاءت بالتزامن مع اتساع الاحتجاجات الليلية وإغلاق عدد من المقار الحكومية بواسطة المحتجين. وشمل الانتشار مناطق حيوية داخل العاصمة، من بينها ميدان الشهداء، وزاوية الدهماني، وفندق المهاري، وجزيرة فشلوم، ضمن ترتيبات أمنية هدفت إلى حماية المؤسسات الحكومية وتأمين الطرق الرئيسية.

ويحمل هذا الانتشار دلالات سياسية تتجاوز الجانب الأمني، بالنظر إلى طبيعة العلاقة المتقلبة بين الحكومة وقيادة الجهاز، والتي شهدت قطيعة بعد أحداث مايو 2025، عندما دخلت حكومة الدبيبة في مواجهة مباشرة مع التشكيلات المسلحة المسيطرة على طرابلس، وانتهت بمقتل عبد الغني الككلي، المعروف بـ”غنيوة”، وإعلان الحكومة آنذاك عزمها إنهاء نفوذ المجموعات المسلحة وإخضاعها لسلطة الدولة.

ورغم تلك التصريحات، لم تتمكن الحكومة من تفكيك نفوذ “الردع”، لتتجه لاحقاً إلى تفاهمات أعادت قنوات التواصل بين الطرفين، قبل أن تجد نفسها اليوم مضطرة للاستعانة بالجهاز مجدداً في مواجهة الاحتجاجات التي انطلقت أساساً من مناطق تعد ضمن نطاق نفوذه الاجتماعي والأمني.

احتواء أمني بلا حلول سياسية

تشير التطورات الأخيرة إلى أن الحكومة فضّلت التعامل مع الاحتجاجات من منظور أمني، عبر تكثيف التمركزات الأمنية ورفع درجة الجاهزية في عدد كبير من الأحياء والمفترقات الرئيسية داخل طرابلس، بالتوازي مع توجيهات رسمية لتعزيز الانتشار الميداني والحفاظ على النظام العام.

غير أن هذا المسار لا يبدو كافياً لاحتواء حالة الاحتقان الشعبي، في ظل استمرار الأسباب التي دفعت المواطنين إلى النزول للشارع، وفي مقدمتها أزمة الكهرباء، وسياسة طرح الأحمال، وتراجع الخدمات، إضافة إلى تنامي الدعوات المطالبة برحيل الحكومة وكافة الأجسام السياسية.

ويرى مراقبون أن الاستعانة بالقوة الأمنية قد توفر للحكومة هامشاً زمنياً لإعادة ترتيب المشهد، لكنها لا تقدم حلولاً مستدامة للأزمة، خصوصاً مع اتساع نطاق الاحتجاجات خارج طرابلس وامتدادها إلى مدن أخرى في الغرب الليبي، بما يعكس تحول الأزمة من مطالب خدمية إلى حالة اعتراض سياسي أوسع.

شراء الوقت… استراتيجية مؤقتة أمام أزمة متفاقمة

تكشف العودة إلى التنسيق مع “جهاز الردع” عن تحول واضح في أولويات الحكومة، من محاولة تقليص نفوذ التشكيلات المسلحة إلى الاستفادة منها في تأمين طرابلس، وهو تحول يراه متابعون دليلاً على محدودية الخيارات المتاحة أمام السلطة التنفيذية في ظل تعقيدات المشهد الأمني والسياسي.

وتتزايد الانتقادات التي تعتبر أن الحكومة تعتمد منذ فترة على سياسة تقوم على احتواء الأزمات مرحلياً، عبر إجراءات أمنية أو تفاهمات مع القوى الفاعلة على الأرض، دون بلورة برنامج واضح لمعالجة جذور الأزمات أو استعادة ثقة الشارع.

كما أن استمرار الاعتماد على حلول ظرفية يعكس، بحسب تقديرات سياسية، غياب رؤية متكاملة لإدارة الوضع في الغرب الليبي، خاصة مع تكرار الأزمات الخدمية وتصاعد الاحتجاجات بوتيرة متقاربة، ما يجعل كل تهدئة مؤقتة عرضة للانهيار بمجرد تجدد أسباب الاحتقان.

وفي ظل هذا الواقع، تبدو حكومة الدبيبة أمام معادلة معقدة؛ إذ تمنحها الإجراءات الأمنية فرصة لتأجيل الانفجار السياسي، لكنها لا توفر مخرجاً حقيقياً من الأزمة، في وقت تتزايد فيه المطالب الشعبية بإصلاحات ملموسة تتجاوز المعالجات الأمنية المؤقتة.

ومع استمرار غياب خطة واضحة لمعالجة الملفات الخدمية والسياسية، يبقى خيار “شراء الوقت” أقرب إلى تأجيل الأزمة منه إلى حلها، وهو ما ينذر بإعادة إنتاج موجات الاحتجاج كلما تصاعدت الضغوط المعيشية وتراجعت ثقة الشارع في قدرة المؤسسات القائمة على الاستجابة لمطالبه.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى