انقسام حول إعادة انتخاب تكالة وتحذيرات من تعثر المسار السياسي
نواب وأعضاء بمجلس الدولة ينتقدون استمرار النهج الحالي

تحذيرات من تعميق الأزمة السياسية
أثارت إعادة انتخاب محمد تكالة رئيسًا لمجلس الدولة الاستشاري موجة من الانتقادات داخل الأوساط السياسية الليبية، وسط تحذيرات من أن استمرار القيادة الحالية قد ينعكس سلبًا على فرص التوصل إلى توافقات سياسية تمهد لإجراء الانتخابات وإنهاء حالة الانسداد التي تشهدها البلاد.
ويرى مراقبون أن الجدل الدائر لا يتعلق بشخص رئيس المجلس بقدر ما يعكس استمرار الخلافات العميقة بين المؤسسات السياسية، في وقت تتزايد فيه الضغوط الدولية للدفع نحو مسار انتخابي واضح، بينما لا تزال القضايا الجوهرية، وعلى رأسها القاعدة الدستورية والقوانين الانتخابية، محل خلاف بين الأطراف المختلفة.
وفي هذا السياق، اعتبر عضو مجلس النواب سعيد امغيب أن استمرار محمد تكالة في رئاسة المجلس الأعلى للدولة يعني عمليًا إطالة أمد الخلاف مع مجلس النواب، مرجحًا أن يؤدي ذلك إلى مزيد من التعقيد في مسارات التوافق المتعلقة بالقاعدة الدستورية والقوانين الانتخابية.
وأوضح امغيب أن إعادة انتخاب تكالة قد تسهم في إبطاء أي تقدم نحو إجراء الانتخابات، معتبرًا أنها تعيد إنتاج الأزمة السياسية بصورة جديدة، وتشكل تحديًا إضافيًا أمام الجهود الدولية الرامية إلى دفع العملية السياسية نحو تسوية شاملة.
وأشار إلى أن نجاح المبادرة الأميركية ومخرجات اجتماعات المجموعة المصغرة لا يرتبط فقط بهوية رئيس المجلس الأعلى للدولة، وإنما يعتمد بالدرجة الأولى على قدرة المجتمع الدولي والأطراف الليبية على ممارسة ضغوط سياسية فعالة تُلزم المؤسسات المختلفة بخارطة طريق واضحة، وجدول زمني محدد يقود إلى تنظيم الانتخابات.
قزيط: الأزمة في النهج لا في الأشخاص
من جانبه، قدم عضو مجلس الدولة أبو القاسم قزيط، الذي نافس محمد تكالة على رئاسة المجلس، قراءة مختلفة لطبيعة الأزمة، معتبرًا أن المسألة لا تقتصر على تغيير القيادة، بل ترتبط باستمرار النهج السياسي الذي حكم أداء المجلس خلال السنوات الماضية.
وقال قزيط إن المجلس “أخذ يفقد دوره تدريجيًا”، موضحًا أن جزءًا من اختصاصاته انتقل إلى مسارات أخرى، مستشهدًا بأعمال لجنة (6+6) المكلفة بإعداد القوانين الانتخابية، إضافة إلى التفاهمات المتعلقة بالمناصب السيادية، والتي جرت خارج الإطار التقليدي لدور المجلس.
وأضاف أن إعادة انتخاب القيادة الحالية تعني استمرار السياسات ذاتها التي اتُّبعت خلال السنوات الماضية، مؤكدًا أن المرحلة الراهنة كانت تستدعي إحداث تغيير داخلي في ظل تراجع أداء المؤسسات وتفاقم الأزمات التي يواجهها المواطن الليبي.
وفي الوقت نفسه، شدد قزيط على أن وجود اختلافات داخل المجلس يُعد أمرًا طبيعيًا في أي مؤسسة برلمانية، معتبرًا أن التحدي الحقيقي لا يكمن في وجود الخلافات، وإنما في قدرة المؤسسة على إدارتها بصورة تعزز دورها الرقابي والاستشاري، بدل أن تتحول إلى عامل إضافي في تعقيد المشهد السياسي.
الاستحقاق الانتخابي بين الخلافات الداخلية والضغوط الدولية
تعكس المواقف المتباينة بشأن رئاسة مجلس الدولة استمرار حالة الانقسام داخل المؤسسات السياسية الليبية، في وقت تتجه فيه الأنظار إلى إمكانية استئناف مسار سياسي قادر على إنهاء المراحل الانتقالية الممتدة منذ سنوات.
ورغم اختلاف التقييمات حول تأثير إعادة انتخاب محمد تكالة، فإن القاسم المشترك بين معظم الطروحات يتمثل في الإقرار بأن الأزمة الليبية تجاوزت مسألة تغيير الأشخاص، لتصبح مرتبطة بغياب الإرادة السياسية اللازمة لتنفيذ تفاهمات واضحة تقود إلى الانتخابات، كما أن استمرار تبادل الاتهامات بين المؤسسات يهدد بإطالة أمد المرحلة الانتقالية، ويُضعف ثقة الشارع في قدرة الأجسام السياسية على إنتاج حلول عملية.
وفي المقابل، تبرز رؤية نقدية مفادها أن تركيز الجدل على المناصب القيادية قد يحجب جوهر الأزمة، والمتمثل في غياب آليات ملزمة لتنفيذ الاتفاقات السياسية، واستمرار تضارب المصالح بين المؤسسات، وهو ما يجعل أي تغيير في الوجوه السياسية محدود الأثر ما لم يصاحبه التزام حقيقي بإصلاح الأداء المؤسسي، ووضع جدول زمني واضح لإنجاز الاستحقاق الانتخابي الذي يظل المطلب الأكثر إلحاحًا لدى الليبيين.



