ليبيا

اشتباكات صرمان تعيد ملف الانفلات الأمني إلى الواجهة

دعوات لمحاسبة المسؤولين وتوحيد المؤسسات الأمنية والعسكرية

أعادت الاشتباكات التي شهدتها مدينة صرمان في غرب ليبيا ملف الانفلات الأمني وتعدد التشكيلات المسلحة إلى واجهة المشهد، وسط انتقادات سياسية وقانونية لغياب موقف رسمي حاسم، ودعوات إلى معالجة أسباب التوتر بدلاً من الاكتفاء بتفاهمات مؤقتة تعقب كل جولة من العنف.

وأكد عضو مجلس النواب علي السباعي استنكاره لما وصفه بصمت المجلس الرئاسي وحكومة الوحدة منتهية الولاية والبعثة الأممية تجاه الأحداث، مشيراً إلى أن الدولة لم تتخذ، بحسب قوله، أي موقف رسمي يتناسب مع خطورة التطورات، وداعياً إلى عدم تجاهل معاناة أهالي صرمان ومحاسبة المسؤولين عن الأحداث.

المصالحة وحدها لا تكفي

وفي قراءة لأسباب تجدد الاشتباكات، رأى منسق الحوار الليبي الليبي الجامع محمد الناكوع أن تكرار العنف رغم التوصل في كل مرة إلى تفاهمات ومصالحات يؤكد أن المشكلة لا تكمن في المصالحة نفسها، وإنما في غياب الإجراءات التي تضمن استمرار نتائجها.

وأوضح الناكوع أن تثبيت الاستقرار يتطلب استكمال مسار المصالحة عبر المصارحة وجبر الضرر ومعالجة آثار الاشتباكات، محذراً من أن ترك الأضرار التي لحقت بالمنازل والممتلكات دون معالجة قد يبقي الاحتقان قائماً ويهيئ لعودة المشاحنات والرغبة في الانتقام.

ودعا إلى تحرك سريع من المجلس البلدي والحكومة لتعويض المتضررين، معتبراً أن معالجة آثار النزاعات تمثل جزءاً أساسياً من تثبيت السلام، وأن تجاهلها قد يؤدي إلى إعادة إنتاج الأزمة اجتماعياً وأمنياً.

كما اقترح إنشاء غرفة أمنية عسكرية مشتركة في صرمان تضم مختلف الأجهزة الأمنية والعسكرية، بهدف توحيد الجهود وتبادل المعلومات وتعزيز التنسيق، منتقداً حالة العمل المنفصل بين الشرطة والأجهزة العسكرية والأمنية والاستخباراتية.

ويرى الناكوع أن تعدد مراكز القرار الأمني، في ظل الانتشار الواسع للسلاح والنفوذ العسكري، يقلل من قدرة المبادرات الاجتماعية والقبلية وحدها على احتواء الأزمات، ما يجعل التنسيق المؤسسي المشترك ضرورة لمنع تجدد الاشتباكات.

التشكيلات المسلحة تحت المساءلة

من جانبه، حمّل الباحث القانوني والمهتم بالشأن السياسي عبدالله الديباني حكومة الوحدة الوطنية المسؤولية المباشرة عن التدهور الأمني في مدن الساحل الغربي، معتبراً أن استمرار تبرير الوضع بالإرث الأمني منذ عام 2011 لم يعد كافياً، في ظل ما وصفه بتوسع الحكومة في دعم وتمويل ومنح الشرعية لتشكيلات مسلحة.

وقال الديباني إن أحداث الزاوية وصرمان وصبراتة كشفت، بحسب تقديره، خللاً في أداء تشكيلات تحظى باعتراف رسمي، مشيراً إلى أن تحميل المسؤولية لا ينبغي أن يتوقف عند الأطراف التي شاركت ميدانياً في الاشتباكات، بل يمتد إلى الجهات التي منحتها الغطاء القانوني والتمويل.

وأشار إلى أن استمرار تعدد التشكيلات المسلحة وغياب الرقابة والمساءلة يكرسان حالة من الانفلات الأمني، محذراً من أن بقاء هذه التشكيلات خارج السيطرة المؤسسية يفتح الباب أمام تكرار الاشتباكات واتساع رقعتها إلى مناطق أخرى.

كما ربط الديباني بين هشاشة الوضع الأمني في الساحل الغربي وتنامي أنشطة الجريمة المنظمة، مشيراً إلى تهريب الوقود والبشر والمهاجرين والمخدرات والأسلحة، ومعتبراً أن الموقع الجغرافي للمنطقة يزيد من تعقيد التحديات الأمنية.

وفي مقارنته بين الشرق والغرب، رأى الديباني أن بناء مؤسسة عسكرية ذات قيادة موحدة وتسلسل واضح للأوامر أسهم، من وجهة نظره، في تعزيز الاستقرار في برقة وفزان، بينما أدى تعدد التشكيلات في المنطقة الغربية إلى تداخل مراكز النفوذ واستنزاف الموارد العامة دون الوصول إلى استقرار مستدام.

وبغض النظر عن اختلاف التقييمات السياسية بين الشرق والغرب، تكشف التطورات في صرمان عن إشكالية أعمق تتجاوز حدود المدينة، تتمثل في هشاشة ترتيبات الأمن وغياب إطار مؤسسي موحد قادر على احتواء النزاعات قبل تحولها إلى مواجهات مسلحة.

وتشير التصريحات إلى أن المعالجة الفعلية لا يمكن أن تقتصر على وقف إطلاق النار أو عقد مصالحات مؤقتة، بل تحتاج إلى مسار متكامل يجمع بين توحيد المؤسسات الأمنية والعسكرية، ومحاسبة المسؤولين، وجبر ضرر المتضررين، وضمان خضوع جميع التشكيلات لسلطة الدولة والقانون.

وفي ظل تكرار السيناريو ذاته في أكثر من مدينة، فإن استمرار إدارة الأزمات بمنطق التسويات المؤقتة قد يحقق هدوءاً قصير الأمد، لكنه لا يعالج مصادر التوتر، فيما يبقى المواطن الخاسر الأكبر ما لم تنتقل الدولة من احتواء الاشتباكات بعد وقوعها إلى بناء منظومة قادرة على منعها من الأساس.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى