ليبيا

اشتباكات الزاوية وصرمان تكشف هشاشة نفوذ حكومة الدبيبة

تداخل المصالح السياسية والاقتصادية مع نفوذ التشكيلات المسلحة يعرقل فرض الأمن

تكشف الاشتباكات الأخيرة في مدينتي الزاوية وصرمان عن تعقيدات أمنية وسياسية تتجاوز حدود المواجهات الميدانية، في ظل استمرار تداخل نفوذ التشكيلات المسلحة مع حسابات القوى السياسية والمصالح الاقتصادية في غرب ليبيا، بما يعكس هشاشة قدرة مؤسسات الدولة على فرض سلطتها وإنهاء حالة الانفلات الأمني.

ويربط مدير مؤسسة ابدأ للدراسات عبد الله الغرياني، ما تشهده الزاوية وصرمان بطبيعة العلاقة التي نشأت خلال السنوات الماضية بين بعض القوى السياسية والتشكيلات المسلحة، معتبراً أن توظيف هذه التشكيلات في توسيع مناطق النفوذ والسيطرة على مواقع ومراكز اقتصادية أسهم في ترسيخ حضورها على حساب مؤسسات الدولة.

وبحسب الغرياني، فإن المشكلة لا تقتصر على وجود مجموعات مسلحة خارج الإطار المؤسسي، وإنما تمتد إلى البيئة السياسية والاجتماعية التي وفرت لها مساحة للحركة والحماية، وهو ما جعل تفكيك هذه المنظومة أكثر تعقيداً من مجرد معالجة نتائج الاشتباكات أو فرض ترتيبات أمنية مؤقتة.

النفوذ المسلح يتغذى من الغطاء السياسي والاجتماعي

ويرى الغرياني أن استمرار الحواضن الاجتماعية والسياسية لبعض التشكيلات المسلحة يوفر لها مصادر حماية ونفوذاً، ويسهم في إطالة أمد الأزمة، لافتاً إلى أن أي مقاربة جادة للاستقرار ستظل محدودة النتائج ما لم تتجه إلى تفكيك البيئة التي تسمح باستمرار نشاط هذه التشكيلات.

وتشير هذه الرؤية إلى أن المعالجة الأمنية وحدها لا تكفي لإنهاء ظاهرة التشكيلات المسلحة، خصوصاً عندما تكون مرتبطة بشبكات مصالح سياسية واقتصادية واجتماعية. فكل مواجهة جديدة قد تؤدي إلى إعادة توزيع مؤقت لموازين القوة، لكنها لا تعالج جذور المشكلة، ما لم تترافق مع إجراءات مؤسسية تنقل إدارة الأمن والموارد والنفوذ من الأطراف المسلحة إلى أجهزة الدولة.

الزاوية وصرمان عقدة أمنية واقتصادية

وفي قراءة أوسع، وضع المستشار في مجلس الأمن القومي فيصل رزق بوالرايقة الاشتباكات الأخيرة في غرب ليبيا ضمن سياق تتداخل فيه السيطرة الميدانية مع المصالح الاقتصادية وحسابات التوازن بين الفاعلين المسلحين.

ويرى بوالرايقة أن الزاوية وصرمان تمثلان عقدة أمنية واقتصادية، الأمر الذي يجعل أي تصعيد فيهما قابلاً للامتداد والتأثير في محيطهما، بدلاً من بقائه محصوراً في نطاق المواجهات المحلية.

ويعكس هذا التداخل طبيعة الأزمة الأمنية في غرب ليبيا، حيث لا تتحرك التشكيلات المسلحة بمعزل عن شبكة أوسع من المصالح والنفوذ، بينما تتداخل الاعتبارات الأمنية مع قضايا السيطرة على الموارد والمواقع الحيوية، فضلاً عن حسابات القوى السياسية التي تسعى إلى الحفاظ على مواقعها أو تعزيز نفوذها.

ويحذر هذا الواقع من أن التعامل مع الاشتباكات باعتبارها حوادث أمنية منفصلة قد يؤدي إلى معالجة مؤقتة لا تمنع تكرارها. فالمشكلة، وفق هذه القراءة، تكمن في بنية أمنية وسياسية تسمح بظهور مراكز قوة متعددة، لكل منها حساباته وقدرته على التأثير في المشهد المحلي.

وتتمثل المعضلة الأبرز في الفارق بين وجود سلطة تتمتع بالشرعية القانونية وبين قدرتها الفعلية على تنفيذ قراراتها على الأرض. ويؤكد بوالرايقة أن مسؤولية الحكومة محددة قانوناً بحماية المدنيين وفرض الأمن، إلا أن التحدي الحقيقي يتمثل في قدرتها على إلزام جميع الأطراف بقراراتها وإخضاعها لسلطة الدولة.

وهنا تبرز واحدة من أكثر نقاط الضعف وضوحاً في المشهد الليبي، إذ لا تكفي القرارات الحكومية أو البيانات الرسمية لإثبات حضور الدولة إذا لم تكن مدعومة بقدرة تنفيذية مستقلة وموحدة.

فجوة التنفيذ تهدد أي ترتيبات أمنية

ويعتبر بوالرايقة أن الفجوة بين الشرعية القانونية والقدرة التنفيذية تفسر جانباً مهماً من استمرار المواجهات، في وقت يبقي فيه غياب مؤسسة أمنية وعسكرية موحدة احتمالات تجدد الاشتباكات قائمة.

ومن هذه الزاوية، فإن كل اتفاق لوقف إطلاق النار أو ترتيب أمني مؤقت يظل معرضاً للانهيار متى بقيت أسباب الصراع الأساسية دون معالجة، خصوصاً إذا احتفظت التشكيلات المسلحة بقدرتها على التحرك خارج منظومة مؤسسات الدولة.

وتكشف أحداث الزاوية وصرمان، في المحصلة، أن الأزمة الأمنية في غرب ليبيا ليست نتاج اشتباك عابر بين مجموعات متنافسة، بل انعكاس لاختلال أوسع في علاقة السلطة بالقوة المسلحة، وفي طبيعة توزيع النفوذ والمصالح.

كما أن استمرار الغطاء السياسي والاجتماعي لبعض التشكيلات يجعل أي محاولة لفرض الاستقرار عرضة للانتكاس، لأن معالجة المظاهر دون تفكيك شبكات النفوذ التي تقف خلفها تعني إبقاء أسباب الأزمة قائمة.

وبالتالي، فإن الاختبار الحقيقي أمام الحكومة لا يتمثل فقط في وقف الاشتباكات، وإنما في قدرتها على تحويل وقف العنف إلى خطوة ضمن مشروع أوسع لاستعادة سلطة الدولة، بحيث تصبح المؤسسات الرسمية صاحبة القرار الأمني والاقتصادي، بدلاً من أن تظل رهينة لتوازنات ميدانية متغيرة.

وفي ظل غياب مؤسسة أمنية وعسكرية موحدة، ستظل مدن غرب ليبيا عرضة لدورات متكررة من التصعيد، فيما تبقى قدرة الدولة على فرض الاستقرار مرتبطة بمدى قدرتها على تجاوز المعالجة الأمنية المؤقتة نحو إعادة بناء منظومة مؤسساتية قادرة على احتواء الخلافات وحماية المدنيين وفرض القانون على جميع الأطراف دون استثناء.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى