اتفاق «4+4» يضع المسار الانتخابي في ليبيا أمام اختبار جديد
خلافات الداخل وتحفظات الأطراف السياسية تهدد بتحويله لجولة تفاوض جديدة

تترقب الساحة الليبية إعلان البعثة الأممية التوصل إلى الصيغة النهائية لاتفاق لجنة «4+4» بشأن المسار الانتخابي، وسط حالة من الجدل السياسي المتصاعد حول مضمونه، في ظل غياب التفاصيل الرسمية واستباق عدد من القوى المحلية مخرجاته بمواقف رافضة أو متحفظة.
وكانت البعثة الأممية قد أعلنت في 20 أغسطس عزم أعضاء اللجنة توقيع اتفاق نهائي بشأن المسار الانتخابي قبل نهاية الشهر، إلا أن تسريبات إعلامية تحدثت عن مقترح لإجراء انتخابات رئاسية وبرلمانية بصورة غير متزامنة، وفق النظام الفردي، مع استبعاد الأحزاب من الترشح، على أن يُعرض الاتفاق لاحقاً على مجلسي النواب والدولة للمصادقة عليه.
غير أن البعثة سارعت إلى نفي دقة ما جرى تداوله، مؤكدة أن المعلومات المنشورة «لا تعكس بدقة ما تم الاتفاق عليه»، ومتعهدة بكشف تفاصيل الاتفاق بعد استكماله، وهو ما أبقى الباب مفتوحاً أمام احتمالات متعددة بشأن الصيغة النهائية وآليات تنفيذها.
الأحزاب ترفض الإقصاء
وقبل الكشف الرسمي عن الاتفاق، بدأت مؤشرات الرفض والتحفظ تظهر من قوى سياسية ومؤسسات ليبية رئيسية، إذ أعلنت 57 حزباً رفضها استبعاد الأحزاب من الترشح للانتخابات واعتماد النظام الفردي، مطالبة البعثة الأممية بنشر تفاصيل الاتفاق بصورة واضحة.
وترى الأحزاب أن استبعادها قد يمثل تراجعاً عن مسار مأسسة الحياة السياسية، وإعادة الانتخابات إلى نموذج يقوم على الأفراد بدلاً من البرامج والأطر الحزبية.
ويكشف هذا الموقف عن تحدٍ إضافي أمام أي صيغة انتخابية مرتقبة، إذ إن فرض نظام انتخابي لا يحظى بقبول قطاع واسع من القوى السياسية قد يضعف شرعيته السياسية منذ البداية، حتى إذا حصل لاحقاً على دعم دولي.
دعم دولي لا يكفي لضمان التنفيذ
وعلى المستوى الدولي، رحبت فرنسا وإيطاليا وألمانيا واليونان وهولندا وإسبانيا وسويسرا وبريطانيا والولايات المتحدة بالتوصل إلى الاتفاق، داعية الأطراف الليبية إلى دعمه والعمل على تنفيذه.
غير أن هذا التأييد لا يعني بالضرورة أن الطريق بات ممهداً أمام التطبيق، فالتجارب السابقة في ليبيا أظهرت أن التوافق الدولي لا يتحول تلقائياً إلى توافق محلي، وأن الاتفاقات قد تتعثر عند الانتقال من مرحلة التفاوض إلى مرحلة التنفيذ.
كما أن غياب مواقف واضحة لبعض العواصم المؤثرة في الملف الليبي، وفي مقدمتها القاهرة والدوحة وأبوظبي وأنقرة، يجعل من الصعب اعتبار الدعم الدولي الحالي ضمانة كافية لتمرير الاتفاق بصيغته النهائية.
«4+4» اختراق سياسي أم بداية تفاوض جديد؟
ويرى الأكاديمي الليبي وأستاذ العلاقات الدولية علي شعيب أن التوقيع النهائي على الاتفاق لن يعني بالضرورة بدء تنفيذه، مشيراً إلى احتمال ظهور عراقيل خلال المراحل اللاحقة، بما قد يؤدي إلى إعادة تشكيل التحالفات السياسية دون تغيير جوهري في بنية الأزمة.
وبحسب قراءته، فإن رد البعثة على التسريبات يوحي بأن ما نُشر قد يكون صحيحاً جزئياً، لكنه لا يمثل كامل مضمون الاتفاق، الأمر الذي يفسر حرصها على إبقاء التفاصيل معلقة إلى حين اكتمال التفاهمات.
كما يرى شعيب أن البعثة قد تلجأ، في حال استمرار الاعتراضات، إلى توسيع دائرة الحوار وإشراك أطراف غير ممثلة في لجنة «4+4»، بما يسمح بامتصاص الاعتراضات ومنح القوى المختلفة مساحة للحضور في ترتيبات المرحلة المقبلة.
معادلة جديدة تعيد رسم التحالفات
ولا تقتصر أهمية الاتفاق على الجانب الانتخابي، بل تمتد إلى إعادة تشكيل خريطة التنافس السياسي والعسكري في البلاد، خصوصاً مع انخراط حكومة طرابلس و«القيادة العامة» في حوار اللجنة.
وقد يؤدي ذلك، وفق هذه القراءة، إلى نشوء اصطفاف جديد يضع الطرفين في مواجهة قوى سياسية أخرى تشعر بأنها مستبعدة من التفاهمات، وهو ما قد يحول الاتفاق من أداة لإنهاء الانقسام إلى عامل جديد لإعادة توزيع مراكز النفوذ.
ومن هنا تبدو المشكلة الرئيسية أمام البعثة الأممية ليست فقط في الوصول إلى اتفاق، وإنما في توفير آليات سياسية وقانونية تضمن انتقاله من الورق إلى التنفيذ، وتحول دون استخدامه من قبل الأطراف المختلفة كورقة لإعادة إنتاج الصراع.
اختبار حقيقي للبعثة الأممية
يمثل اتفاق «4+4» اختراقاً مهماً في جدار الجمود السياسي الليبي، لكنه لا يزال بعيداً عن أن يكون حلاً نهائياً للأزمة. فغياب التفاصيل الرسمية، وتعدد الاعتراضات المحلية، وتمسك المؤسسات السياسية بأدوارها، إلى جانب اختلاف مصالح القوى الإقليمية والدولية، كلها عوامل تجعل مرحلة ما بعد التوقيع أكثر تعقيداً من عملية التوقيع نفسها.
وبالتالي، فإن نجاح الاتفاق لن يقاس بقدرة لجنة «4+4» على توقيعه قبل نهاية أغسطس/آب، وإنما بمدى قدرتها والبعثة الأممية على بناء توافق أوسع حوله، وتوفير ضمانات لتنفيذه، ومنع الأطراف من إعادة التفاوض عليه عند كل محطة.
وفي ظل هذه المعطيات، قد يتحول الاتفاق المرتقب إلى بداية لمسار تفاوضي جديد بدلاً من أن يكون خاتمة للانسداد السياسي، خصوصاً إذا لم تُعالج مخاوف القوى المستبعدة، ولم تُحسم مسألة الصلاحيات القانونية للمؤسسات الليبية، ولم تتوافر إرادة سياسية قادرة على تحويل التوافق الدولي إلى التزام داخلي قابل للتنفيذ.



