ليبيا

ظلام دامس في بلد النفط.. فاتورة الدعم 110 مليارات والكهرباء تنقطع 72 ساعة

جدل ليبي حول استمرار دعم المحروقات مع انهيار شبكة الكهرباء وتضاعف فاتورة الاستيراد

خبراء ليبيون ينقسمون بين مؤيد للدعم كإسعاف مؤقت ورافض له لاستنزافه العملة الصعبة

ليببا 24

في بلد يغرق في النفط.. الليبيون يدفعون ثمن الكهرباء المنقطعة والدعم المهدر

انقطاع التيار 72 ساعة في عاصمة النفط العالمية

في مشهد يعكس حجم التناقض بين الثروة والفقر، يجلس الليبيون في بيوتهم تحت وطأة حر الصيف اللافح، بينما تنقطع عنهم الكهرباء لساعات تمتد إلى أكثر من 72 ساعة في بعض المناطق، وثماني ساعات يومياً في معظم المدن.

في المقابل، تواصل ناقلات النفط الإبحار من موانئ البلاد محملة بآلاف البراميل التي تدر عوائد بمليارات الدولارات، لكنّ القليل جداً من هذه العوائد يعود إلى المواطن على شكل خدمة كهرباء مستقرة أو بنية تحتية متينة.

هذا الواقع المأساوي دفع أستاذ الاقتصاد الدكتور علي الشريف إلى إطلاق منشور على فيسبوك عبّر فيه عن استغرابه من أن “بعض الدول الأوروبية وصلت إلى ما يقارب نصف قرن دون أن ينقطع عنها التيار الكهربائي ولو للحظة واحدة”، في حين تعاني ليبيا من انقطاعات متكررة.

وحمّل الشريف الفساد وسوء الإدارة وغياب التخطيط السليم مسؤولية هذا الوضع البائس، داعياً إلى “معالجة جذور المشكلة بدل الاستمرار في التعامل مع نتائجها كل يوم”.

فاتورة الدعم: 110 مليارات دينار تنهب مستقبل الأسر الليبية

في خضم هذا النقاش، كشف رجل الأعمال حسني بي عن أرقام صادمة، مشيراً إلى أن فاتورة الدعم تتجاوز 110 مليارات دينار، بمعدل 72 ألف دينار لكل أسرة سنوياً، أي ما يعادل ستة آلاف دينار شهرياً لكل أسرة من ستة أفراد.

ودعا حسني بي إلى “إجراء محاكاة رقمية” لتقييم الأثر الحقيقي لهذه السياسات، معتبراً أن “دعم السعر بدل من دعم المواطن ليس إلا استنزافاً وتهريباً وفقراً”.

وتشير تقديرات صندوق النقد الدولي إلى أن ثُلث الوقود المستورد إلى ليبيا يُهرّب إلى خارج البلاد، مما يعني أن جزءاً كبيراً من الدعم يذهب إلى المهربين والمضاربين، وليس إلى الفئات المستحقة التي يعاني أفرادها من تدهور القدرة الشرائية وارتفاع الأسعار.

المنصوري: الموارد النفطية هي “مرضنا”

من جانبه، صدم الدكتور أمحمد المنصوري، عميد كلية الاقتصاد بجامعة عمر المختار، المتابعين بتصريح مثير للجدل، واصفاً الموارد النفطية بأنها “مرضنا”.

وقال المنصوري إن الدول التي وصلت إلى نصف قرن دون انقطاع الكهرباء “تتبع نظام الترشيد في الإنفاق وتدفع الفاتورة حسب الطلب”، مشيراً إلى تجربة الليبيين الذين عاشوا في الغربة وتذوقوا نعمة دعم المحروقات والكهرباء، مقارنةً بالدول التي تدفع تكلفة الخدمات كاملة.

وأضاف المنصوري في تعليقه على منشور الشريف أن استمرار سياسة الدعم دون ترشيد يخلق ثقافة استهلاكية مفرطة تضعف الحافز على الترشيد والإنتاج، وتجعل المواطن يعتمد على الدولة في تلبية احتياجاته الأساسية بدلاً من أن يكون شريكاً في بناء الاقتصاد.

القزار يقلب المعادلة: دعم الوقود يقتل المريض قبل أن يداويه

في مداخلة لافتة، طرح رجل الأعمال والتاجر علاء القزار رؤية مختلفة تماماً، معترضاً على اعتبار بقاء الدعم الخيار الأقل ضرراً. وقال القزار إن “الدعم عندنا يعني عملياً أن الدولة تأخذ جزءاً كبيراً من الدولار، تستورد به الوقود ثم تبيعه بسعر شبه مجاني. والنتيجة: تهريب، هدر، استهلاك مفرط، واستنزاف مستمر للعملة الصعبة”.

وأوضح القزار آلية التشوه قائلاً: “المهرب أو المستفيد من هذا التشوه يحقق أرباحاً بالدينار، ويعود ليطلب بها الدولار مهما كان سعره في السوق، فيزداد الضغط على العملة ويرتفع سعر الدولار، ومعه ترتفع أسعار الخبز والدواء والغذاء وكل شيء”.

وتوجه القزار بسؤال مباشر إلى الشارع الليبي: “أليس أفضل أن يكون الدولار بـ3 دنانير والبنزين بـ4 دنانير، بدلاً من أن يكون البنزين بـ15 قرشاً والدولار بـ9.5؟ في الحالة الأولى أستطيع أن أوفر في استهلاك الوقود وأدفع ثمنه الحقيقي، لكن في المقابل تنخفض تكلفة الغذاء والدواء والملابس ومواد البناء ومعظم احتياجات الأسرة”.

واستشهد القزار بمثال واقعي مؤلم: “ماذا يفعل مريض يحتاج دواءً ضرورياً سعره عالمياً 30 أو 40 دولاراً فقط، لكنه يجده في ليبيا بحوالي 300 دينار أو أكثر ويعجز عن شرائه؟ وفي نفس الوقت يستطيع بنفس المبلغ تقريباً تعبئة نحو 2000 لتر وقود مدعوم، بينما قيمتها الحقيقية تتجاوز 2000 دولار. فماذا سينفع هذا المريض الوقود المدعوم إذا كان عاجزاً عن شراء دوائه؟”.

وخلص القزار إلى أن “حماية المواطن الحقيقية تكون بحماية قيمة دخله وقوة الدينار وقدرته على شراء الضروريات، وليس بجعل الوقود شبه مجاني بينما تصبح بقية احتياجات الحياة فوق قدرته”.

الشريف يرد: الحل مرحلي وليس مستداماً

في رده على القزار، أوضح الدكتور الشريف أن اقتراحه بالاستمرار في الدعم ليس حلاً دائماً، بل إجراء إسعافي مرحلي. وقال إن السلع التي تستوردها الدولة “تذهب كلها للتهريب وتكفي تقريباً ثلاث دول من دول الجوار”، مقترحاً أن يتم استيراد هذه السلع عبر الدولة وتوزيعها عن طريق الجمعيات التعاونية، مما يقلل من فاتورة الواردات.

وشدد الشريف على أن “هذا الحل مرحلي وليس مستمر، عندما تستقر الدولة وتضبط كافة الأمور يجب معالجة موضوع الدعم معالجة صحيحة تعالج التشوه في الأسعار مما يوقف التهريب”، مؤكداً على ضرورة أن يسبق أي إصلاح للدعم “توفير شبكة حماية اجتماعية حقيقية وتعويض مباشر للفئات الهشة عن أي ارتفاع محتمل في الأسعار”.

حكومة الدبيبة في قفص الاتهام: من يدفع الثمن؟

في خضم هذا النقاش الوطني، تتصاعد أصوات المنتقدين لحكومة الوحدة الوطنية برئاسة عبدالحميد الدبيبة، التي تتهم بتعطيل الإصلاحات اللازمة والاستمرار في سياسات الإنفاق الاستهلاكي المفرط، في وقت تعاني فيه الشبكة الكهربائية من انهيارات متكررة وتصل فاتورة الدعم إلى مستويات قياسية.

ففي آب الماضي وحده، شهدت البلاد انهياراً متكرراً للشبكة الكهربائية بعد خروج محطات توليد استراتيجية عن الخدمة. وشهدت العاصمة طرابلس ومدن أخرى احتجاجات شعبية غاضبة، تطور بعضها إلى اقتحام مجمعات الطاقة الحيوية، في وقت اكتفى فيه المسؤولون بالوعود والتعهدات التي لم تلقَ آذاناً صاغية في ظل غياب المصداقية الحكومية.

وتؤكد الأرقام أن الحكومة الحالية، بدلاً من العمل على إصلاح المنظومة المتدهورة، تواصل سياساتها القائمة على توزيع المرتبات دون ربطها بالإنتاجية، والاستمرار في دعم السلع دون رقابة أو حماية اجتماعية حقيقية.

ويظل السؤال الأكثر إلحاحاً: من يدفع ثمن استمرار هذه السياسات؟ الجواب واضح: المواطن الليبي، الذي يئن تحت وطأة التضخم وانهيار العملة وانقطاع الخدمات الأساسية.

ماذا بعد النقاش؟ خيارات صعبة في انتظار الليبيين

يبقى النقاش حول سياسة الدعم مفتوحاً على خيارين متباينين، لكل منهما مؤيدوه ومعارضوه. فمن جهة، يرى المؤيدون لاستمرار الدعم أنه “جهاز تنفس صناعي” يحمي الفقراء من الانهيار الكامل في ظل غياب شبكات الحماية الاجتماعية وتراجع القدرة الشرائية.

ومن جهة أخرى، يرى المعارضون أن استمرار الدعم بصيغته الحالية يعني استمرار هدر المال العام وتغذية الفساد والتهريب، وتحميل المواطن ثمن التشوهات التي تنتجها هذه السياسات.

ولعل الاتفاق الوحيد الذي يجمع مختلف الأطراف هو أن الإصلاح لا يمكن أن يبدأ من المواطن، بل يجب أن يبدأ من الدولة ومؤسساتها الفاسدة والعاجزة، كما أكد الدكتور أيوب الفارسي في نقاش سابق.

فمن دون إصلاح مؤسسي شامل، ومكافحة حقيقية للفساد، وبناء قدرات الدولة على التخطيط والتنفيذ، ستظل أي سياسة إصلاحية مجرد مناورة سطحية لا تعالج جوهر الأزمة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى