ليبيا

فقراء في بلد النفط.. نقاش ليبي يكشف أزمة الدعم ويحمل الدولة مسؤولية إفقار المواطن

ليبيا.. جدل اقتصادي حاد حول استمرار دعم السلع والمحروقات في ظل انهيار القوة الشرائية للدينار

ليبيا 24

فقراء في بلد يغرق في النفط.. نقاش وطني يكشف فشل الدولة وإفقار المواطن

أكثر من نصف قرن من الثروة وملايين الليبيين تحت خط الكفاف

في بلد يمتلك سادس احتياطي نفطي في العالم، ويمتد على أطول ساحل جنوب المتوسط، وتبلغ مساحاته نحو 1.8 مليون كيلومتر مربع، يعيش ملايين الليبيين اليوم تحت وطأة فقر مدقع يدفعهم إلى التساؤل المرير: أين ذهبت مئات المليارات من الدولارات التي جناها النظام على مدى أكثر من خمسين عاماً؟

هذا السؤال الذي يتردد في المجالس والمنتديات، وجد طريقه أخيراً إلى منصات التواصل الاجتماعي على لسان نخبة من أبرز الاقتصاديين والخبراء، في نقاش علني كشف عن حجم المأساة التي يعيشها المواطن الليبي، وعن عمق الأزمة الهيكلية التي تعصف بالدولة ومؤسساتها.

الفارسي يطلق الصرخة: لماذا يوجد فقراء في ليبيا؟

انطلق النقاش على فيسبوك بمنشور لأستاذ الاقتصاد بجامعة بنغازي وعضو لجنة السياسة النقدية بمصرف ليبيا المركزي، الدكتور أيوب الفارسي، الذي طرح سلسلة من الأسئلة الوجودية حول واقع الاقتصاد الليبي، بدأها بسؤال حاسم: “هل تعلمون لماذا يوجد دعم للمحروقات في ليبيا؟ لأن المواطن لا يستطيع تحمل التكلفة الفعلية للوقود في ظل تدني القيمة الشرائية للدينار، وضعف القوة الإنتاجية للبلاد”.

وتابع الفارسي متسائلاً عن أسباب عودة المطالبات بدعم السلع الأساسية بين الحين والآخر، مجيباً: “لأن دخل الأسرة الليبية أصبح أعجز من أن يغطي التضخم المتزايد وغلاء الأسعار المستوردة من الخارج”. وتساءل عن سبب تقديم الكهرباء بشبه مجانية، ليؤكد أن “البنية التحتية الخدمية قُدمت كبديل عن التنمية الحقيقية، وأن تحميل المواطن قيمتها الفعلية سيؤدي إلى شلل اجتماعي كامل”.

لكن اللافت في منشور الفارسي هو إصراره على أن الإصلاح لا يمكن أن يبدأ من المواطن، قائلاً: “وبعد هذا لا يمكن أن نبدأ من المواطن في الإصلاح، بل من يملك الثروة ويديرها عليه أن يصلح نفسه أولاً، وهي الدولة ومؤسساتها”.

حسني بي: ندعم المواطن لا السلعة ونزيل الريع لا نوزعه

لم يتأخر رجل الأعمال حسني بي في الرد، حيث أبدى اتفاقاً مع الفارسي في التشخيص الأساسي، لكنه أضاف بُعداً آخر يراه جوهرياً. قال بي: “المفارقة أننا بعد أن شخصنا النتائج، يصر البعض على استمرار السياسات نفسها التي أنتجتها”.

وتطرق حسني بي إلى قضية الدعم التي تُعد أخطر الملفات الاقتصادية في ليبيا، منتقداً الصيغة الحالية التي قال عنها: “دعم لتر الوقود أو كيلوواط الكهرباء لا يميز بين الفقير والغني والمهرب وغير الليبي، وكلما استهلك الشخص أكثر حصل على دعم أكبر”.

ودعا بي إلى نقلة نوعية في سياسة الدعم، مقترحاً “وصول الدعم إلى المواطن مباشرة نقداً، بدلاً من وضعه في سعر السلعة وانتظار من يستحوذ عليه”، مؤكداً أن السياسات الحالية “تصبح آلية تعيد توزيع الدخل ضد الفقير” لأن الفجوة السعرية بين السعر الإداري وسعر السوق “تصبح ريعاً ينقل الثروة من المجتمع إلى القلة التي تستطيع الوصول إلى الامتياز”.

وختم بي رؤيته بقوله: “ندعم المواطن لا السلعة، نحمي دخله لا السعر المصطنع، ونزيل الريع بدلاً من توزيعه على من يستطيع الوصول إليه. فالفقر الذي نراه اليوم هو نتيجة، وإذا أردنا تغيير النتيجة، علينا أن نتوقف أولاً عن إعادة إنتاج أسبابها”.

مراجع غيث: الإصلاح التدريجي والبديل الجاهز

من جانبه، دخل عضو مجلس إدارة مصرف ليبيا المركزي سابقاً، مراجع غيث، على خط النقاش متفقاً مع الفارسي في جوهر الطرح، لكنه طرح سؤالاً مهماً: “هل نستمر في نفس النموذج من تقديم دعم عيني يذهب إلى غير مستحقيه؟ أليس إنشاء شبكة حماية اجتماعية هو أصلاح، ومن ضمن هذه الشبكة هو الزعم النقدي بدل العيني؟”.

وتساءل غيث عن أسباب هروب رأس المال من الاستثمار الإنتاجي إلى السلع الاستهلاكية، داعياً إلى العودة إلى عام 1978 حيث “الدولة لم تتغير في سلوكها، لا زالت هي نفس تفكير الدولة الاشتراكية وتريد قطاعاً خاصاً يغامر هو ويتحمل وحده”.

وكشف غيث عن وجود “ودائع مجمدة بلا حركة لدى المصارف والمصرف المركزي في شكل احتياطي من الخصوم الإبداعية”، محذراً من أن قيمتها تتناقص مع مرور الزمن، واصفاً إياها بأنها “تتناقص قيمتها إذا لم تستخدم، فإذا كانت قيمتها اليوم 100 مليار، السنة القادمة 95 مليار”.

واستفهم غيث عن الحافز الموجود للاستثمار والائتمان بعد تطبيق القانون رقم 1 لسنة 2013، مشيراً إلى أن البديل الفعلي اتجه إلى “الربح السريع وهو المرابحة”. وتساءل: “كيف نريد اقتصاداً ينمو ونحن نعطل آليات نموه، ومن أهمها الحافز سواء لرأس المال أو المصارف؟”.

بوسنينة يحذر: رفع الدعم في غرفة عمليات ملوثة كارثة

وفي تدخل نوعي، حذّر الخبير الاقتصادي الدكتور محمد بوسنينة من مغبة الإسراع في رفع الدعم أو استبداله نقداً في ظل الظروف الراهنة، مشبهاً ذلك بـ”طبيب يجري عملية قلب مفتوح لمريض في غرفة تفتقر للتعقيم بل تعج بالبكتيريا والفيروسات”، متسائلاً: “ماذا تتوقع النتيجة؟”.

وشدد بوسنينة على أن “السياسات الاقتصادية لها شروط لتطبق لا يعرفها إلا الاقتصاديون”، مؤكداً أنه “لا يوجد اقتصادي حقيقي لا يعرف أن السلعة عندما تباع بأقل من سعرها الحقيقي تصبح سلعة نادرة، أو يظهر عجز في المعروض منها، وتتكون عليها طوابير”.

وأضاف بوسنينة أن “السلع تختلف في أهميتها للمستهلك، ومن ثم تختلف مرونة الطلب عليها، والتلاعب بأسعارها يؤدي إلى إفقار الناس”، مستشهداً بارتفاع سعر الديزل إلى أكثر من سبعة دينارات للتر، قائلاً: “نظراً للحاجة للديزل لتشغيل المولدات بعد انقطاع الكهرباء، بالنسبة لكبار السن ممن يعانون من أمراض الضغط وضيق التنفس، فليس لديهم خيار إلا بيع مقتنياتهم أو الاقتراض في سبيل الحصول على ثمن الديزل، لأن البديل الموت من شدة الحر”.

وخاطب بوسنينة المنتقدين للدعم قائلاً: “بدلاً من الحرص على معالجة مشكلة الكهرباء وتوفيرها دون الحاجة لاستخدام المولدات في البيوت، وبدلاً من إلقاء اللوم على الحكومات، نجدهم ينتقدون السياسة التي وفرت البنزين أو الديزل بسعر منخفض ويطالبون برفع السعر”.

المنصوري يقارن والفارسي يرد: لسنا تونس ولا مصر

وفي زاوية مغايرة، علق الدكتور أمحمد المنصوري، عميد كلية الاقتصاد بجامعة عمر المختار، مستشهداً بتجارب الدول المجاورة قائلاً: “لماذا يتحمل المواطن المصري والمواطن الأردني والمواطن التونسي وغيرهم تكلفة الوقود والكهرباء والمواد الغذائية؟ هل المواطن الليبي على رأسه ريشة؟ الإنتاجية عند الليبيين صفر إن لم تكن أقل من ذلك”.

ووصف المنصوري المجتمع الليبي بأنه “شعب معتمد على الاستهلاك لا غير”، مقسماً بأن “لن تحل أزمة المحروقات ولا أزمة الكهرباء في ظل الأسعار الحالية وعدم الترشيد المصاحب للاستهلاك في الحياة اليومية”، مضيفاً أن “الفساد المستتر في جميع المجالات والنتيجة لن تقوم دولة”.

لكن الفارسي ردّ على المنصوري، معتبراً أن المقارنة مع تونس ومصر والأردن غير دقيقة، لأنها “ليست دولاً نفطية وبالتالي فمعيشتهم أسوأ من الليبيين بكل المقاييس ودولهم مقترضة من صندوق النقد الدولي وهو من يتحكم في سياساتهم ويفرض إصلاحات مقابل هذه الديون”.

وتساءل الفارسي: “نحن لماذا لا نقارن بدول الخليج التي استخدمت الريع لرفاهية الشعوب مع وجود حتى دعم سلعي، والوقود لم يستبدلوه نقداً إلا بعد تهيئة اقتصاداتهم لهكذا إصلاحات ولم يشعر بها المواطن؟”.

وختم الفارسي رده قائلاً: “الليبي ليس على رأسه ريشة، بالعكس فهو ضحية حكومات فاسدة أذلته في كل مناحي حياته، ونفس هذه الحكومات الفاسدة لا تؤتمن على استبدال الدعم بهذا الأداء وهذه الأوضاع الكارثية مؤسسياً”.

إدريس الشريف: شعب سيئ الحظ وتعطيل التنمية منذ السبعينات

وفي تدخل، حمل الخبير الاقتصادي إدريس الشريف المسؤولية الكاملة للدولة، واصفاً الشعب الليبي بأنه “شعب سيء الحظ”، وقال: “منَّ الله عليه بثروة النفط، وكان من المفترض أن يستفيد من عوائده لخلق تنمية حقيقية كما فعلت الدول النفطية الأخرى، لكن لسوء الحظ فإن مسار التنمية أُوقف وتعطّل بعد إيقاف الخطة الخمسية الثانية (1969-1974)”.

وأضاف الشريف: “وزاد من سوء حظه أن تولى قيادته وإدارة شؤونه بعد ذلك من أساء استخدام موارده وأجهض مسار التنمية الصحيح”، مؤكداً أن “ضعف الإنتاج وانعدام التنوع وتضخم القطاع العام والاعتماد على الاستيراد ليست أسباباً منفصلة، بل نتائج لتراكم عقود من سوء إدارة الثروة وتعطيل التنمية”.

وخلص الشريف إلى أن “الإصلاح يجب أن يبدأ من الدولة ومؤسساتها التي تتحكم في موارد البلد وتدير ثرواته”.

الفيتوري: الفساد المالي والإداري هو السبب الجذري

فيما ذهب الدكتور عطية الفيتوري إلى جذر أعمق، معتبراً أن “كل ما ذكرته من تشوهات سببه الفساد المالي والإداري الذي تعمل من خلاله معاملات أجهزة الدولة”، في إشارة واضحة إلى أن الممارسات الفاسدة هي المحرك الأساسي لكل مظاهر الفقر والتدهور التي يعاني منها المواطن الليبي.

الفارسي يختتم: الإصلاح في غير وقته وأرضه يزيد السوء سوءاً

وفي تعليق ختامي على النقاش، أكد الفارسي أن “الإصلاح في غير وقته ولا أرضه يزيد السوء سوءاً”، مشيراً إلى صعوبة فهم بعض التحليلات التي وصفها بأنها “مش معروف لها رأس من ذيل”.

ودعا الفارسي إلى “نشر ما نراه حقاً مع استيعاب كل الأفكار مهما كانت شاذة وعدم ترك هذا الواجب”، في إشارة إلى أهمية استمرار النقاش الوطني حول مستقبل الاقتصاد الليبي.

الحكومة المنتهية ولايتها في قفص الاتهام

في خضم هذا النقاش الذي جمع أبرز العقول الاقتصادية في ليبيا، برزت إدانة واضحة للحكومة منتهية الولاية برئاسة عبدالحميد الدبيبة، حيث أجمع المشاركون على أن استمرار السياسات الحالية في ظل الأداء الحكومي المتدهور لا يمكن أن يؤدي إلا إلى مزيد من إفقار المواطن وتعميق الأزمة.

فالدعم الذي يقدم على أنه شبكة أمان للفقراء، يتحول في ظل غياب الرقابة والمحاسبة إلى أداة لنهب المال العام وإثراء المضاربين والمهربين، في الوقت الذي يعجز فيه المواطن البسيط عن الحصول على أبسط احتياجاته بكرامة.

وما يزيد الطين بلة، أن الحكومة الحالية، بدلاً من العمل على إصلاح المنظومة المتدهورة، تواصل سياساتها التي تعتمد على الإنفاق الاستهلاكي المفرط، وتوزيع المرتبات دون ربطها بالإنتاجية، والاستمرار في دعم السلع دون رقابة أو حماية اجتماعية حقيقية.

من النقاش إلى العمل: خلاصات وتوصيات

في نهاية هذا النقاش الشامل، يمكن استخلاص عدد من النقاط الجوهرية التي اتفق عليها معظم المشاركين:

أولاً: وجود فقراء في بلد يمتلك ثروات هائلة هو شهادة إدانة للدولة ومؤسساتها، وليس انعكاساً لقدرات المواطن أو إرادته.

ثانياً: الإصلاح الاقتصادي الحقيقي يبدأ بإصلاح الدولة أولاً، ومكافحة الفساد المالي والإداري، وبناء مؤسسات قادرة على التخطيط والتنفيذ، وليس بتحميل المواطن تكلفة عقود من الفشل والإهدار.

ثالثاً: أي إصلاح للدعم يجب أن يكون تدريجياً ومصحوباً بشبكة حماية اجتماعية حقيقية، تصل إلى المواطن مباشرة، وتحمي الفئات الهشة من تداعيات أي تغيير مفاجئ.

رابعاً: لا يمكن مقارنة ليبيا بالدول غير النفطية التي اضطرت لرفع الدعم تحت ضغوط صناديق الاقتراض الدولية، بل يجب المقارنة مع الدول النفطية التي استخدمت الريع لبناء اقتصادات مستدامة قبل الشروع في أي إصلاحات هيكلية.

خامساً: الفساد الإداري والمالي هو العدو الأول للتنمية في ليبيا، ومكافحته شرط أساسي لأي إصلاح اقتصادي ناجح.

في المشهد الليبي المعقد، يبقى المواطن هو الضحية الأولى لسياسات فاشلة وحكومات عاجزة. ولكن الأمل يظل قائماً في وجود نخبة واعية من الاقتصاديين والخبراء، الذين يصرون على كشف الحقائق وتقديم الحلول، في انتظار أن يصل الصوت إلى من يملك القرار، وأن تتحرك الدولة أخيراً لإنقاذ شعبها من براثن الفقر والتهميش.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى