ليبيا تستغيث: مطار بلا كهرباء.. وعالم جليل بلا كرامة.. وأوليغارشية تنهش المال العام
قزيط يفضح "شلل" مطار مصراتة وانقطاع الكهرباء.. ويطالب بمحاسبة أوليغارشية المصرف المركزي
ليبيا 24
ليبيا مطار معتم .. قزيط يفضح “نظام التفاهة” وأوليغارشية المصرف المركزي
مطار في الظلام.. ومواطنون على أضواء الهواتف
في مشهد يعكس حجم الانهيار الذي تعيشه مؤسسات الدولة في ليبيا، كشف عضو المجلس الأعلى للدولة أبو القاسم قزيط، في منشورات متتابعة عبر صفحته على فيسبوك، عن تفاصيل صادمة لحالة “الشلل التام” التي يعيشها مطار مصراتة الدولي، جراء انقطاع التيار الكهربائي ونفاد مادة الديزل من المولدات البديلة.
ولم يقتصر الأمر على انقطاع الخدمات الأساسية، بل تجاوزه إلى إجراءات بدائية تعيد البلاد عقودًا إلى الوراء، حيث اضطر العاملون في المطار إلى إكمال إجراءات المسافرين على أضواء هواتفهم المحمولة، وتدوين بيانات الواصلين يدويًا بالورقة والقلم.
وفي لفتة إنسانية نادرة، وجّه قزيط تحيته إلى هؤلاء الشباب العاملين الذين جسّدوا، في مشهد البؤس هذا، معنى المسؤولية الوطنية في غياب دولة.
فهل يعقل أن يكون مطار دولي في بلد يمتلك ثالث احتياطي نفطي في أفريقيا، يرزح تحت وطأة انقطاع التيار الكهربائي كأحد أبسط مقومات الحياة؟
عالم الاجتماع الجليل.. مقعد ضيق وكرامة مهدرة
في الرحلة الجوية نفسها، رصد قزيط مشهدًا آخر هزّ ضمير الوطن. كان عالم الاجتماع الليبي الكبير الدكتور مصطفى عمر التير، الذي تجاوز التسعين من عمره، يسافر وحيدًا يتكئ على عكازه، يُحشر في مقاعد الدرجة الاقتصادية الضيقة.
الرجل الذي أفنى عمره في خدمة العلم والمعرفة، والذي يعتبره كثيرون أبا علم الاجتماع في ليبيا، لم يجد من يكرم شيخوخته أو يخفف عنه مشقة السفر.
يقول قزيط: “شعرت بالأسى وهو يُحشر في المقاعد الضيقة بجواري في الدرجة الاقتصادية”. كلمات موجزة لكنها تحمل في طياتها إدانة صارخة لمجتمع فقد معنى التقدير والعرفان، ولمؤسسات دولة تاهت عنها قيم الاحترام والتكريم.
سيدة مرموقة ومستشاراتها.. وممر كبار المسؤولين!
وفي تناقض صارخ يعكس عمق الانقسام الاجتماعي في ليبيا، يروي قزيط مشهدًا ثالثًا لا يقل إثارة. ففي المطار نفسه، وصلت سيدة ليبية في سيارة فارهة، برفقة معاونتين أو وصيفتين من جنسية عربية، ونُقلت إلى الطائرة مباشرة دون المرور بأي تفتيش أو حتى الجلوس في صالة الانتظار، كما هو حال باقي المسافرين.
وعند الوصول إلى البلد العربي الشقيق، حظيت السيدة ومستشاراتها بأعلى درجات التشريف، ودخلن من الممر المخصص لكبار مسؤولي الدولة ومنطقة المراسم.
ولم يكتفِ الأمر بذلك، بل تابعت الكاميرا المشهد في متجر السوق الحرة “دوتي فري”، حيث كانت الحصيلة كبيرة من أرقى العطور، بما لا يخالج قزيط شك في أنه يعادل أضعاف المرتب التقاعدي لأستاذنا الجليل مصطفى التير.
سؤال يفرض نفسه بقوة: من تكون هذه السيدة التي تنعم بامتيازات تفوق ما يحظى به كبار مسؤولي الدول، بينما يعاني عالم جليل من هوان العيش وضيق المقعد؟
نقد الذات أم فتنة مقنعة؟
لا يكتفي قزيط برصد المشاهد، بل يقدّم قراءة نقدية عميقة لطبيعة الخطاب السائد في ليبيا.
يقول في منشوره: “أيُّ نقدٍ ينصبّ على الآخر، ولا يمارس في الوقت نفسه أيَّ نقدٍ على الذات، فرديةً كانت أم جماعية، ليس نقدًا بالمعنى الحقيقي. إنه الوقوف وراء متراس الأنا، والتصويب ببندقية الاتهام نحو الآخر”.
ويحذّر من تحول النقد إلى “فتنة مقنّعة”، مؤكدًا أن “القاعدُ فيها خيرٌ من القائم”. في إشارة واضحة إلى أن المشهد السياسي الليبي غرق في ثقافة اتهام الآخر وتبرئة الذات، مما أفقد النقد قيمته الحقيقية كأداة للإصلاح.
الأمن بواسطة “الفزاعات”.. مسرح عبث يليق بليبيا
في نقد لاذع للخطاب الأمني المهيمن، يسخر قزيط من طريقة تعامل السلطات مع الملفات الأمنية، متحدثًا عن “الصمت الصاخب الذي يصمّ الآذان”. ويتوقع، بسخرية مرّة، أن تُفاجئنا السلطات – كالعادة – بكشف “الحقيقة الغامضة”، عبر القبض على “خلية لتنصير الشباب المسلم” أو “شبكة دعارة تديرها إحدى المقيمات” أو “منظمات أجنبية تعمل على نشر المثلية الجنسية”.
ويخلص إلى أن البلاد لا تحتاج إلى حلول بقدر ما تحتاج إلى “مسرح عبث جيد” على غرار مسرحيات صمويل بيكيت، حتى ننسى “وجعنا ومرارتنا وبؤسنا”. إنها إدانة صريحة لسياسة “الفزاعات” التي تعتمدها السلطات لتشتيت انتباه الرأي العام عن القضايا الجوهرية.
من “الامتلاك” إلى “الوجود”.. المعركة الحقيقية لليبيا
في أعمق مقاطع تحليله، يقدّم قزيط قراءة فلسفية – اجتماعية لأزمة ليبيا، مستعيرًا من المفكر إريك فروم مفهوم نمط “الامتلاك” مقابل نمط “الوجود”. يرى أن ليبيا اليوم لا تعاني فقط من أزمة سلطة، بل من “أزمة في معنى الإنسان نفسه”، حيث تحولت الدولة من فكرة تُبنى إلى “غنيمة تُقتسم”.
ويضرب أمثلة من التاريخ لتأكيد أن القيمة الحقيقية لا تكمن في الامتلاك بل في الوجود والمعنى: جان بول سارتر الذي كان صوتًا مؤثرًا رغم عدم توليه أي منصب، وعبد الرحمن الكواكبي الذي غيّر الفكر العربي بسلطة القلم لا المنصب، وعمر المختار الذي أصبح رمزًا خالدًا لأنه آمن بقضية ولم يملك سلطة.
ويخلص قزيط إلى أن “المعركة الحقيقية في ليبيا ليست بين شرق وغرب، ولا بين حكومة وأخرى، بل بين منطقين: منطق الامتلاك، ومنطق الوجود”. ويؤكد أن “لن تقوم لليبيا قائمة ما لم نكسر هذه المعادلة المختلة، ما لم نعد تعريف القيمة: من يضيف لا من ينهب، من يبني لا من يسيطر، من يكون لا من يملك”.
أوليغارشية مصرف دي روما المركزي!
في خاتمة منشوراته، يوجه قزيط سهام النقد الأشد إلى سياسات مصرف ليبيا المركزي، متهمًا إياه بـ”الظلم والجور والفساد وازدراء الليبي”.
ويضرب مثالًا صارخًا: شركة تحصل من المصرف المركزي على أكثر من مائة مليون دولار مدعومة، بينما يحصل المواطن الليبي على ألفي دولار بعد صراع مرير مع البيروقراطية.
ويختتم قزيط منشوراته بعبارة لاذعة: “ظلمٌ وجورٌ وفسادٌ وازدراءٌ لليبي، لم يسبقكم إليه حتى مصرف دي روما”. في إشارة إلى البنك المركزي الإيطالي الشهير، وكأنما يريد القول إن المستعمر القديم كان أقل ظلمًا من حكام اليوم.
في سلسلة منشوراته، قدّم أبو القاسم قزيط مرآة تعكس تشوّه المشهد الليبي على مختلف مستوياته: سياسيًا بفشل المبادرات الدولية في معالجة جذور الأزمة، واقتصاديًا بسياسات مصرفية جائرة تكرس التفاوت الطبقي، واجتماعيًا بتناقضات صارخة بين هوان العلماء وترف الأثرياء، وأمنيًا بخطاب “الفزاعات” الذي يغطي على العجز الحقيقي.
إنها دعوة مفتوحة لإعادة النظر في كل المفاهيم، والانتقال من منطق “الامتلاك” إلى منطق “الوجود”، قبل أن يفوت الأوان.



