ريع النفط يلتهم المستقبل.. وخبراء يضعون خريطة طريق لإنقاذ الليبيين من “اقتصاد الاستيراد” قبل فوات الأوان
أزمة الإنفاق الليبي تتصاعد.. وخبراء يدعون لإعادة هندسة العلاقة بين الريع النفطي والإنتاج لإنقاذ المواطن من دوامة التضخم والاستيراد
ليبيا 24
ليبيا بين مطرقة الريع وسندان الإنتاج.. حوار اقتصادي يكشف خللاً بنيوياً يهدد مستقبل الليبيين
136.8 مليار دينار إنفاق.. و73.3 ملياراً تذهب للمرتبات فقط
في مشهد يعكس عمق الأزمة الهيكلية التي تعصف بالاقتصاد الليبي، كشفت بيانات مصرف ليبيا المركزي لعام 2025 عن حجم الإنفاق العام الذي بلغ نحو 136.8 مليار دينار، استحوذت المرتبات وحدها على 73.3 ملياراً منها، بينما لم يتجاوز الإنفاق على التنمية نحو 20 ملياراً فقط.
هذه الأرقام، التي تعكس اعتماداً مفرطاً على الإنفاق الاستهلاكي على حساب الاستثمار الإنتاجي، جاءت في توقيت يشهد فيه المواطن الليبي تدهوراً متسارعاً في قدرته الشرائية، مع استمرار الفجوة بين سعر الصرف الرسمي البالغ 6.34 ديناراً للدولار وسعر السوق الموازي الذي تجاوز 9 دينارات، في وقت تستورد فيه ليبيا نحو 80% من احتياجاتها من الخارج.
نقاش أكاديمي يطرح “نظرية التحول الإنتاجي”
في خضم هذه المعطيات المقلقة، أثار الدكتور حلمي القماطي، رئيس قسم الاقتصاد بجامعة بنغازي، نقاشاً أكاديمياً رائداً عبر منشور له على فيسبوك، طرح فيه “نظرية التحول الإنتاجي للاقتصاد الريعي المشوَّه” (LPTT)، التي تعيد صياغة العلاقة بين الريع النفطي والتنمية في ليبيا.
ويؤكد القماطي أن المشكلة ليست النفط وحده، بل منظومة مترابطة من الاختلالات تشمل: “ريعاً نفطياً، هيمنة مالية، تشوهاً نقدياً، تعدد أسعار الصرف، قطاعاً عاماً متضخماً، دعماً واسعاً، اقتصاداً غير رسمي، ضعف القطاع الخاص، اعتماداً مرتفعاً على الاستيراد، ضعف الائتمان الإنتاجي، وانقساماً مؤسسياً”.
ويطرح القماطي مفهوماً جديداً أسماه “معامل التحويل الإنتاجي للريع” (RPC)، وهو نسبة الريع الذي يتحول فعلياً إلى قدرات إنتاجية مستدامة من إجمالي الريع المتاح، مقترحاً “قاعدة ذهبية ليبية” تنص على أنه “لا يجوز أن يستخدم الريع النفطي بصورة تؤدي إلى زيادة الاستهلاك الجاري بصورة أسرع من زيادة القدرة الإنتاجية للاقتصاد”.
حسني بي يرد: الحافز يسبق الإنتاج
من جانبه، رد رجل الأعمال حسني بي على منشور القماطي، متفقاً مع جوهر الطرح لكنه أضاف خطوة جوهرية يراها سابقة على أي تحول إنتاجي، وهي معالجة مصادر الاختلال قبل معالجة ظواهره.
يقول حسني بي: “المشكلة ليست فقط أن الريع يسلك اليوم المسار (نفط – حكومة – مرتبات ودعم – استهلاك – استيراد)، بل إننا أنشأنا داخل هذا المسار حوافز تجعل اقتناص الريع أكثر ربحية من الإنتاج نفسه”.
ويضرب مثلاً واقعياً: “كيف أقنع مستثمراً بالمخاطرة برأسماله في مصنع يحقق ربما 10% أو 15% بعد سنوات، بينما يمكن لفارق سعر الدولار أو سلعة مدعومة أن يمنحه عائداً أكبر وبمخاطر أقل؟”.
ويدعو حسني بي إلى مرحلة انتقالية أطلق عليها “Distortion-to-Incentive Reform”، تقوم على ضبط الإنفاق وخلق النقود، وإزالة ريع تعدد أسعار الصرف، واستبدال دعم السلعة بتحويل نقدي مباشر للمواطن، وفتح الوصول التنافسي والشفاف للنقد الأجنبي، وإعادة المصارف إلى وظيفة تمويل الاستثمار.
انقسام مؤسسي واستنزاف للموارد
في سياق متصل، كشف تقرير البنك الدولي أن الاقتصاد الليبي لا يزال يعتمد اعتماداً كبيراً على الهيدروكربونات، التي شكلت 65% من إجمالي الناتج المحلي، و93% من الصادرات، و72% من الإيرادات في عام 2024. وأشار التقرير إلى تحديات ناجمة عن الانقسام المؤسسي، والاعتماد المفرط على النفط، وضعف الرقابة المالية.
وفي أبريل 2025، أعلن مصرف ليبيا المركزي خفض سعر صرف الدينار بنسبة 13.3%، ليكون أول خفض رسمي منذ عام 2020، في ظل استمرار الضغوط المالية والانقسام المؤسسي في البلاد.
وتشير بيانات المركزي إلى أن إجمالي إنفاق الحكومتين المتنافستين خلال عام 2024 بلغ 224 مليار دينار (نحو 46 مليار دولار)، منها 42 مليار دينار خصصت لمبادلات النفط الخام مقابل الوقود المستورد.
المواطن الليبي يدفع الثمن
في وقت تتحدث فيه النخب الأكاديمية والاقتصادية عن نظريات التحول الإنتاجي ومعاملات الريع، يعيش المواطن الليبي اليومي واقعاً مختلفاً تماماً. فمع استمرار انهيار قيمة الدينار، باتت الغالبية من الليبيين تتقاضى ما بين 100 و200 دولار شهرياً، في وقت تشهد فيه طرابلس وعدد من مدن غرب ليبيا مظاهرات شعبية غاضبة تنديداً بتدهور الأوضاع المعيشية واستمرار انهيار الخدمات الأساسية.
وتتسع دائرة الانتقادات الموجهة إلى حكومة الوحدة الوطنية المنتهية ولايتها برئاسة عبدالحميد الدبيبة مع تفاقم أزمة الكهرباء وعودة ساعات طرح الأحمال، وسط اتهامات للحكومة بالعجز عن معالجة الاختلالات الهيكلية التي يعاني منها الاقتصاد.
نموذج مقترح: من النفط إلى الإنتاج
في جوهر النقاش الذي أطلقه القماطي، يطرح نموذجاً أسماه “نموذج النفط إلى الإنتاج” (Oil-to-Production Model)، حيث يقترح تحويل مسار الريع من:
النفط ← الحكومة ← المرتبات ← الاستهلاك ← الاستيراد
إلى مسار جديد:
النفط ← الاستثمار السيادي/الإنتاجي ← البنية التحتية ← رأس المال الخاص ← الإنتاج ← التشغيل ← الصادرات ← الإيرادات الضريبية.
ويؤكد القماطي أن الدولة لا تنسحب من الاقتصاد في هذا النموذج، بل تصبح “دولة تمكينية إنتاجية” تستثمر في الطرق والكهرباء والمياه والموانئ والمناطق الاقتصادية والتكنولوجيا، ثم تترك الإنتاج التجاري والمنافسة للقطاع الخاص.
قطاعات قاطرة ومزايا تنافسية
ويقترح القماطي اختيار مجموعة محدودة من القطاعات التي تمتلك ليبيا فيها مزايا نسبية، تشمل: الزراعة الصحراوية الحديثة، الصناعات الغذائية، البتروكيماويات، الطاقة الشمسية، الخدمات اللوجستية والموانئ، التعدين، الخدمات المالية الرقمية، السياحة، والخدمات العابرة للحدود مع أفريقيا.
ويشير إلى أن مناطق مثل فزان يمكن تحويلها من مناطق تحتاج إلى إعانات إلى منصة إنتاج ولوجستيات وطاقة وزراعة صحراوية، بدلاً من أن تظل عبئاً على الميزانية.
ماذا بعد النقاش؟
أكد القماطي أن النظرية التي طرحها يمكن أن تتطور إلى إطار متكامل من 10 إلى 12 فرضية نظرية، ونموذج رياضي، ومؤشرات قياس، ومعادلات، وآلية انتقال لمدة 10 سنوات للاقتصاد الليبي، ليتم اختبارها على بيانات ليبيا بين 2000 و2026.
أما حسني بي، فاختصر رؤيته المكملة في ثلاث مراحل: أولاً: أوقف صناعة الريع. ثانياً: حوّل الريع النفطي إلى رأس مال منتج. ثالثاً: اجعل الإنتاج الجديد يمول تدريجياً الدولة والمواطن بدلاً من النفط.
ويختتم حسني بي قائلاً: “إذا استطاعت LPTT أن تقيس هذه الرحلة بالأرقام، وتحدد الحوافز وآلية الانتقال والنتائج القابلة للاختبار على بيانات ليبيا، فإنها تنتقل من فكرة جيدة إلى إطار بحثي يستحق فعلاً البناء عليه”.



