الدبيبة يوهم النساء باستقلالية “المجلس الوطني” بينما يخضعه لأوامر حكومته المنتهية الولاية
"المرأة الليبية" بين مطرقة التبعية الحكومية وسندان غياب القانون المنظم للمجتمع المدني
ليبيا 24:
“المجلس الوطني للمرأة”.. وهم الاستقلال في زمن تداخل المؤسسات
استقلال مزعوم وتبعية معلنة
في خطوة وصفتها أوساط نسائية وحقوقية بأنها “إعادة إنتاج للهياكل الحكومية تحت مسميات وطنية”، وجّه رئيس الحكومة منتهية الولاية عبدالحميد الدبيبة، وزارة الدولة لشؤون المرأة بتقديم مقترح لإنشاء “المجلس الوطني للمرأة الليبية”، ليثير بذلك تساؤلات قانونية ومؤسسية عميقة حول طبيعة هذا الكيان ومصيره في ظل منظومة تنفيذية تبحث عن شرعية مؤسساتية عبر استحداث أجسام جديدة.
فالمجلس الذي يفترض أن يكون مساحة مستقلة للرصد والتقييم والدفاع عن الحقوق، يبدو وفق القرائن المتاحة أنه لن يخرج عن كونه ذراعاً حكومية إضافية، تخضع لتوجيهات السلطة التنفيذية وتتقاطع اختصاصاته مع وزارة قائمة أصلاً.
وزارة قائمة ومجلس آخر.. أيهما يمثل المرأة؟
المفارقة التي لم تمرّ على المراقبين، أن هناك وزارة مختصة بشؤون المرأة داخل السلطة التنفيذية، تتولى وضع السياسات وتنفيذ البرامج، وقد شهد مارس الماضي إعلان الدبيبة عن تشكيل حكومته الجديدة التي ضمت رندة غريب كوزيرة للدولة لشؤون المرأة.
فما الجدوى من إنشاء مجلس وطني للمرأة بقرار من مجلس الوزراء، إذا كان هذا المجلس في النهاية جزءاً من منظومة السلطة التنفيذية وخاضعاً لتوجيهاتها؟ أليس من الأدق تسميته “مجلساً حكومياً” بدلاً من “مجلس وطني”؟
هذا التداخل في الاختصاصات يطرح سؤالاً جوهرياً: إذا كانت الوزارة تضع السياسات وتنفذها، فما دور المجلس؟ وإذا كان المجلس ينسق ويشرف ويمثل المرأة، فما الذي تبقى للوزارة؟ إنه سيناريو مألوف في المشهد المؤسسي الليبي، حيث تتكاثر الأجسام دون أن تتضح حدود مسؤولياتها، لتتحول المؤسسات إلى ساحات تنافس على الصلاحيات والاعتمادات المالية.
المرأة الليبية.. بين شعارات التمكين وقيود التبعية
الأخطر مما سبق، أن التوجيه الحكومي المرتبط بالقرار يضع قيوداً على قيام الكيانات النسائية بعقد الفعاليات وإطلاق المبادرات والبرامج، أو تمثيل المرأة أمام الجهات الرسمية والدولية، إلا وفق الأطر والإجراءات المعتمدة وبالتنسيق مع مكتب وزير الدولة لشؤون المرأة.
هنا لا يعود السؤال متعلقاً بالمجلس فقط، بل يصبح سؤالاً أوسع يتعلق بحدود تدخل السلطة التنفيذية في المجال المدني. فالمرأة الليبية التي ناضلت من أجل حقوقها، والتي أثبتت حضورها في مختلف المحافل، ليست ملفاً حكومياً مغلقاً يدار من فوق والمجتمع المدني الليبي بكل تنوعه، ليس إدارة تابعة للحكومة.
وفي هذا السياق، طرحت رئيسة المجلس الوطني الأعلى للمرأة الليبية “ليلى سويسي” رؤية تقوم على تعزيز البنية المؤسسية لوزارة شؤون المرأة من خلال إنشاء وضم كيانات نسائية فاعلة ومتخصصة تتبع الوزارة، مع اقتراح أن تكون تبعية المجلس الوطني الأعلى للمرأة لوزارة شؤون المرأة، باعتباره كياناً مؤسسياً داعماً لها.
وهذا الطرح يكشف بوضوح النية المبيتة لإخضاع أي كيان نسائي لوصاية الحكومة.
غياب القانون.. فوضى المؤسسات واستنساخ الهياكل
المشكلة في ليبيا لم تعد نقص المؤسسات فقط، بل أصبحت كثرة المؤسسات وتداخل اختصاصاتها وغياب الحدود الواضحة بينها. ففي الوقت الذي تعاني فيه المفوضية المسؤولة عن تنظيم عمل المجتمع المدني من غياب إطار قانوني ينظم عمل منظمات المجتمع المدني، نجد الحكومة منشغلة باستحداث أجهزة جديدة تضاف إلى الأجهزة القائمة.
ويؤكد مراقبون أن غياب قانون عصري ينظم عمل مؤسسات المجتمع المدني ويحدد العلاقة بينها وبين الدولة، هو العقدة التي تتكرر في كل ملف.
فالقانون رقم 19 لسنة 2001 الخاص بالجمعيات ولائحته التنفيذية، يصفه خبراء قانونيون بأنه “معطل بقرارات إدارية صادرة من جهات غير مختصة”، في مشهد يعكس حالة الانفلات المؤسسي التي تعيشها البلاد.
استقلالية مهدورة ومستقبل مجهول
تبقى النساء الليبيات، اللواتي ناضلن لعقود من أجل الحصول على حقوقهن المشروعة، في مواجهة هذا التداخل المؤسسي الذي يهدد بتكريس تبعيتهن للسلطة التنفيذية، بدلاً من تمكينهن كفاعلات مستقلات في المجتمع.
فالسؤال الذي يستحق إجابة صريحة وواضحة: هل نريد مجلساً وطنياً للمرأة يمثل النساء الليبيات أمام الدولة، أم مجلساً حكومياً يمثل الحكومة أمام النساء؟ الفرق بين الاثنين ليس في الاسم، وإنما في الاستقلالية والاختصاص وطريقة التشكيل.
وما لم تضع الحكومة حداً لهذا التضارب المؤسسي، وتعمل على إقرار قانون عصري ينظم عمل المجتمع المدني، ويضمن استقلالية المؤسسات الوطنية، فإن أي مجلس جديد سيكون مجرد وهم مؤسسي إضافي، يضاف إلى قائمة طويلة من الأجسام المتداخلة التي تخدم أجندة السلطة لا هموم المواطنات.
دعوة للمجتمع المدني والنساء الليبيات
في خضم هذا المشهد، تبرز دعوات حقوقية لتوحيد الصف النسائي والمدني، والمطالبة بوقف سياسة استنساخ المؤسسات، والعمل الجاد على إقرار تشريعات تضمن استقلالية مؤسسات المجتمع المدني، وتحميها من الوصاية الحكومية.
فالمرأة في ليبيا تستحق أكثر من وعود وشعارات، تستحق مؤسسات مستقلة تعبر عنها، لا أجهزة حكومية تعبّر عن السلطة.



