ليبيا

ليبيا تدفع فاتورة التهريب.. ومليار دولار شهرياً تتبخر في طوابير البنزين

استنزاف النقد الأجنبي يهدد الليبيين بانهيار اقتصادي غير مسبوق.. وتحذيرات من وصول سعر الصرف إلى 35 ديناراً للدولار

ليبيا 24

ليبيا على حافة الهاوية.. فاتورة المحروقات تستنزف الاحتياطي والمواطن يدفع الثمن

في مشهد يعيد إلى الأذهان سنوات العزلة والعقوبات، يعيش الليبيون اليوم أزمة مركبة تضرب حياتهم اليومية في مقتل، بين طوابير البنزين التي تمتد لكيلومترات تحت لهيب الشمس، وانقطاع الكهرباء الذي يحوّل الصيف إلى جحيم، وشح السيولة النقدية التي تخنق حركة الأسواق، وارتفاع جنوني في الأسعار يلتهم ما تبقى من مدخرات المواطن البسيط.

ورغم أن ليبيا تمتلك سادس أكبر احتياطي نفطي في العالم، فإن المواطن الليبي أصبح اليوم يعيش واقعاً متناقضاً يجمع بين الثروة الهائلة والفقر المدقع، بين بلد يصدّر النفط الخام ويستورد المشتقات النفطية بأعلى الأسعار.

أرقام صادمة تكشف حجم الاستنزاف

كشفت معطيات اقتصادية حديثة أن فاتورة استيراد المحروقات في ليبيا قفزت إلى مستويات غير مسبوقة، حيث تجاوزت 661 مليون دولار شهرياً خلال الأشهر السبعة الأولى من العام الجاري، بمعدل قد يصل إلى مليار دولار شهرياً في ذروة الاستهلاك الصيفي، وهو ما يعني أن إجمالي الفاتورة السنوية قد يتجاوز 15 مليار دولار بنهاية العام، وفق تقديرات الخبير الاقتصادي عبد الرحيم الشيباني الذي أكد أن هذا الرقم يمثل قفزة هائلة مقارنة بالمعدل التاريخي الذي كان يتراوح بين 4 و5 مليارات دولار سنوياً.

وتكشف المقارنات الدولية عن مفارقة صادمة، إذ تستهلك ليبيا التي لا يتجاوز عدد سكانها 7 ملايين نسمة، وقوداً يفوق استهلاك دول يزيد عدد سكانها على 38 مليون نسمة مثل المغرب، الذي لا يتجاوز استهلاكه الشهري 480 مليون دولار، كما تتفوق فاتورة الوقود الليبية على استهلاك اليونان التي يزيد عدد سكانها عن 10 ملايين نسمة وتستهلك نحو 420 مليون دولار شهرياً.

هذا الفارق الهائل يطرح سؤالاً مصيرياً: أين تذهب هذه الكميات الضخمة من الوقود؟

التهريب المنظم.. اقتصاد موازٍ ينخر عصب الدولة

لا يخفى على مراقب أن جزءاً كبيراً من هذه الكميات المهولة من المحروقات لا يصل إلى المواطن الليبي، بل يغذي شبكات تهريب منظمة تمتد عبر الحدود البرية والبحرية.

ففي الوقت الذي كانت فيه واردات ليبيا من النفط لا تتجاوز 9 مليارات دولار سنوياً، كانت فاتورة استهلاك المحروقات لا تتعدى المليار دولار في العام قبل 2011، لكنها اليوم تقفز إلى مليار دولار شهرياً، وهو ما يعني أن استهلاك ليبيا في شهر واحد يعادل استهلاكها في سنة كاملة قبل ثورة فبراير، وهذا المؤشر وحده يكشف عن اتساع رقعة التهريب بشكل ممنهج.

ويؤكد الخبير الاقتصادي الشيباني أن كميات التهريب عبر الشاحنات والقوارب، رغم خطورتها، تظل محدودة مقارنة بحجم الفاقد الكبير في كميات المحروقات المستوردة، مشيراً إلى أن عشرات الناقلات البحرية قد تم ضبطها وفرض عقوبات على بعضها بعد تورطها في عمليات تهريب النفط والمحروقات من ليبيا، لكن هذه الإجراءات تبقى نقطة في بحر من عمليات التهريب التي باتت تديرها أطراف نافذة.

أزمة الدولار تنذر بانهيار العملة

المحصلة الخطيرة لهذا الاستنزاف اليومي هي تآكل الاحتياطي النقدي الأجنبي لمصرف ليبيا المركزي، حيث يذهب الجزء الأكبر من عائدات النفط لتغطية فاتورة استيراد المحروقات، مما يترك البلاد عاجزة عن استيراد السلع الأساسية من غذاء ودواء ومواد تموينية.

وهذا ما فسّر الارتفاع المتواصل لسعر صرف الدولار في السوق الموازية من 9 دنانير إلى مستويات تراوح بين 14 و15 ديناراً، مع تحذيرات من أن استمرار الوضع على نفس الوتيرة قد يقود إلى انهيار غير مسبوق يصل بسعر الصرف إلى 30 أو 35 ديناراً للدولار في السنوات القليلة المقبلة.

وفي دلالة على خطورة الموقف، هدّد محافظ مصرف ليبيا المركزي ناجي عيسى بالاستقالة إذا لم يتم إجراء إصلاحات جذرية في ملف الوقود، وهو ما يعكس حجم الضغط الذي يعيشه المصرف في محاولة يائسة للحفاظ على ما تبقى من احتياطيات البلاد من العملة الصعبة.

بين التوفير على حساب المواطن ومحاربة المهربين

في ظل هذا الواقع المأزوم، تداولت أنباء عن نية الحكومة خفض واردات المحروقات إلى النصف، بحيث لا تتجاوز 500 مليون دولار شهرياً، أي تقليل عدد بواخر الوقود من 4 إلى 2 لكل ميناء، وهو إجراء إن تم فسيعني مضاعفة معاناة المواطن الذي سيجد نفسه أمام طوابير أطول وأوقات انتظار أكبر، بينما المهربون الكبار سيستمرون في تهريب الوقود عبر البواخر في البحر والشاحنات في البر، دون أن تتأثر عملياتهم بهذا التقليص الذي يستهدف المواطن البسيط بدلاً من معالجة جذور المشكلة.

ويرى مراقبون أن الحل الأمثل كان يجب أن يتجه نحو محاربة شبكات التهريب الكبرى التي تهرب مئات الملايين من الدولارات شهرياً، بدلاً من الاكتفاء بملاحقة المهربين الصغار بسياراتهم الصغيرة، وهو ما كان سيوفر على الدولة ما لا يقل عن 8 مليارات دولار سنوياً لو تم تطبيقه بجدية.

مقترحات عملية لإنهاء الأزمة

وسط هذا المشهد القاتم، تبرز أصوات الخبراء والمختصين بمقترحات عملية تنطلق من فكرة أن أزمة البنزين لا تحتاج إلى حلول معقدة بقدر ما تحتاج إلى إرادة سياسية وتنظيم رشيد.

وقد طرحت الدكتورة ريم البركي، الباحثة في شؤون الأمن والهجرة، رؤية متكاملة لإنشاء منظومة وطنية موحدة لتوزيع الوقود، تقوم على ربط المواطن بمركبته وحصة محددة من الوقود، عبر تطبيق إلكتروني يتيح حجز موعد للتزود من محطة معينة، مع تحديد حصة أسبوعية لا تتجاوز 80 لتراً، بحيث تصبح كل عملية توزيع قابلة للتتبع من المستودع إلى خزان السيارة.

وهذه المنظومة، التي يمكن البدء بها تجريبياً في مدينة واحدة، من شأنها أن تحقق عدة أهداف في وقت واحد: إنهاء الطوابير، ضمان وصول الدعم إلى مستحقيه، الحد من التهريب، ومراقبة حركة الوقود بشكل لحظي.

غير أن نجاحها مرتبط بتوفر شبكة كهرباء وإنترنت مستقرة، وهو ما يبدو مستبعداً في ظل الانقطاعات المتكررة التي يعاني منها المواطنون.

حل جذري بأقل من ربع التكلفة

وفي مقاربة أكثر جرأة، يطرح بعض المحللين الاقتصاديين خيار التحول إلى الطاقة البديلة كحل نهائي لأزمتي البنزين والكهرباء، حيث تقدر تكلفة استيراد 3 ملايين سيارة كهربائية جديدة بنحو 30 مليار دولار، إلى جانب تركيب أنظمة شمسية ومحولات وبطاريات لكل منزل بتكلفة 11 مليار دولار، ليصبح المجموع 41 مليار دولار، وهو ما يمثل أقل من ربع ما تنفقه الدولة على دعم المحروقات خلال عقد واحد والذي يتجاوز 180 مليار دولار.

وهذا الحل من شأنه أن يحقق مكاسب متعددة، منها توفير مئات المليارات من الدولارات كانت تذهب لدعم الوقود ورواتب قطاع الكهرباء وصيانة الشبكة المتهالكة، وحل جذري لأزمتي البنزين والكهرباء، والقضاء على تهريب الوقود، وتحويل الدعم إلى المواطن بشكل مباشر، إضافة إلى توفير فرص عمل في مجال تركيب أنظمة الطاقة الشمسية، وإنقاذ الاقتصاد الليبي من العجز المزمن الذي يثقل كاهل الموازنة العامة.

المواطن في قلب المعاناة

لكن بين كل هذه الأرقام والمقترحات، يبقى المواطن الليبي هو الخاسر الأكبر، فهو الذي يقف ساعات في طوابير البنزين تحت أشعة الشمس الحارقة، وهو الذي يبحث يائساً عن أسطوانة غاز للطهي، وهو الذي يعاني انقطاع الكهرباء في ليالي الصيف الحارة، وهو الذي يرى مدخراته تتبخر مع كل ارتفاع جديد في الأسعار.

وفي مشهد ساخر يعكس حجم الإحباط الشعبي، نشرت البركي عبر وسائل التواصل الاجتماعي إعلانا ساخر عن وظائف “بدوام جزئي” تتمثل في الوقوف في طوابير البنزين والغاز، يشترط فيها الصبر والحكمة في إدارة الأزمات داخل الطابور، والقدرة على الوقوف تحت أشعة الشمس، وعدم وجود مسؤوليات أسرية، في استهزاء مرير بواقع يعيشه ملايين الليبيين يومياً.

دعوات صريحة للنخب السياسية

وتحت وطأة هذه المعاناة، يخرج المواطنون بدعوات صريحة للنخب السياسية والحكومية، يطالبونهم فيها بالنزول إلى الشارع ومشاركة المواطنين همومهم، والتخلي عن الخوف على المصالح الشخصية والمناصب، والبحث عن حلول حقيقية تنقذ البلاد من هذا الواقع المتردي، بدلاً من الاكتفاء بتصريحات لا تلامس واقع المواطن المعيشي.

فليبيا، البلد النفطي الذي تمتلك ثرواته القدرة على توفير حياة كريمة لأبنائه، لا يمكن أن يظل أسيراً لطوابير الوقود وانقطاع الكهرباء وغلاء الأسعار، بينما تُهدر مليارات الدولارات في عمليات تهريب منظمة وفساد مستشري.

وما يحدث اليوم ليس مجرد أزمة عابرة، بل هو اختبار حقيقي لإرادة الدولة وقدرتها على حماية مقدرات شعبها، واستعادة الثقة بين المواطن ومؤسساته.

المواطن الليبي اليوم في حيرة من أمره، لا يعرف إلى أين تسير البلاد، ولا من المسؤول الحقيقي عن هذه الأوضاع، ولا متى ستنتهي هذه المعاناة التي طال أمدها.

لكنه يدرك يقيناً أن الحلول الترقيعية لن تجدي نفعاً، وأن ما يحتاجه هو رؤية واضحة، وخطة عملية، وإرادة حقيقية لمواجهة شبكات الفساد والتهريب، واستعادة الدولة لدورها في حماية حقوق المواطنين وثروات البلاد.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى