ليبيا

المسيرات المنفلتة في غرب ليبيا تثير مخاوف أمنية وتكشف تعقيدات الصراع

استهداف منشآت حيوية يفتح باب التكهنات حول الجهات المنفذة ودور التنافس الدولي

تشهد مناطق غرب ليبيا، تصعيداً أمنياً لافتاً مع تزايد الهجمات التي تنفذها طائرات مسيّرة ضد أهداف ومنشآت حيوية، في تطور يثير تساؤلات واسعة حول الجهات التي تقف وراء هذه العمليات والدوافع السياسية والأمنية التي تحركها.

وكان آخر هذه الهجمات استهداف طائرة مسيّرة مجهولة لخزانات وقود في مستودع البريقة بطريق المطار في طرابلس، نهاية الأسبوع الماضي، في حادثة كادت أن تتسبب في تداعيات إنسانية وبيئية خطيرة، قبل أن تتحطم المسيّرة دون إصابة هدفها بصورة مباشرة.

ويأتي ذلك في وقت تعاني فيه مناطق غرب ليبيا من حالة أمنية معقدة، نتيجة انتشار التشكيلات المسلحة وتعدد مراكز النفوذ، ما يجعل أي هجوم على منشأة استراتيجية قابلاً لأن يتحول إلى أزمة أمنية أوسع، خصوصاً عندما تظل هوية الجهة المنفذة غير محسومة.

غياب الأدلة الرسمية يعزز الغموض

ورغم تصريحات رئيس حكومة «الوحدة منتهية الولاية» عبد الحميد الدبيبة، التي وصف فيها استخدام المسيّرات ضد المنشآت الحيوية بأنه عمل منظم وخطير يستوجب رداً حازماً، فإن السلطات لم تكشف بصورة علنية عن أدلة تفصيلية تثبت هوية منفذي الهجمات أو الجهة التي تقف خلفها.

المسيّرات تتحول إلى أداة في الصراع الليبي

خلال السنوات الماضية، لم تعد الطائرات المسيّرة مجرد وسيلة عسكرية محدودة الاستخدام في ليبيا، بل تحولت إلى عنصر مؤثر في الصراعات الأمنية، خصوصاً مع قدرة هذه التكنولوجيا على تنفيذ عمليات دقيقة نسبياً من مسافات بعيدة، وبتكلفة أقل مقارنة بالوسائل العسكرية التقليدية.

وكانت حكومة «الوحدة منتهية الولاية» قد استخدمت المسيّرات في عمليات استهداف قالت إنها طالت مواقع مرتبطة بتهريب الوقود والبشر، من بينها مناطق في غرب البلاد. وفي المقابل، شهدت منشآت ومواقع حيوية لاحقاً هجمات نسبت إلى جهات مجهولة، وهو ما دفع مراقبين إلى التحذير من تحول المسيّرات إلى أداة جديدة لتصفية الحسابات داخل الساحة الليبية.

ويرى مصدر عسكري سابق في غرب ليبيا أن المشهد قد يتجاوز حدود الصراع بين التشكيلات المحلية، معتبراً أن امتلاك بعض الأطراف لتكنولوجيا متقدمة في مجال المسيّرات قد يعكس وجود دعم أو تدخل خارجي.

البعد الدولي حاضر في المشهد

تزداد حساسية ملف المسيّرات في ليبيا مع الحديث عن وجود جهات أجنبية تمتلك خبرات تقنية وتدريبية في هذا المجال، وسط تقارير تحدثت عن دور أوكراني محتمل في تدريب عناصر في غرب البلاد.

كما أشارت تقارير إعلامية سابقة إلى استخدام طائرات مسيّرة أوكرانية الصنع من طراز «FPV» وموجهة بالألياف الضوئية في الهجوم الذي استهدف مجمع الزاوية النفطي في 12 أغسطس، وأسفر، وفق شركة «البريقة لتسويق النفط والغاز»، عن فقدان نحو 13 مليون لتر من الوقود.

ولا يعني ذلك، بالضرورة، ثبوت مسؤولية جهة أجنبية عن الهجمات الأخيرة، لكن تطور نوعية الأسلحة المستخدمة يفرض على المؤسسات الليبية التعامل مع الملف باعتباره قضية أمن قومي، لا مجرد خلاف أمني بين مجموعات محلية.

منشآت النفط أمام مخاطر متزايدة

يمثل استهداف منشآت النفط والوقود أحد أخطر جوانب التصعيد الحالي، نظراً للأهمية الاقتصادية والاستراتيجية لهذه المواقع بالنسبة إلى ليبيا، التي يعتمد اقتصادها بصورة كبيرة على قطاع الطاقة.

ويكشف استهداف خزانات الوقود والمنشآت النفطية عن مستوى خطورة يتجاوز الأضرار المباشرة، إذ يمكن لأي إصابة في منشأة تخزين أو معالجة أن تؤدي إلى خسائر اقتصادية كبيرة، فضلاً عن مخاطر بيئية وأمنية قد تمتد إلى المناطق السكنية المحيطة.

كما أن تكرار استهداف المواقع الحيوية يهدد بإضعاف ثقة المواطنين والمؤسسات الاقتصادية في قدرة الدولة على حماية بنيتها التحتية، ويزيد من الضغوط على الحكومة في ظل أزمات مالية وخدمية وأمنية متراكمة.

تحذيرات من انتقال الصراع إلى مرحلة أخطر

ويحذر أستاذ القانون والباحث السياسي رمضان التويجر من أن انتشار استخدام الطائرات المسيّرة يمثل مؤشراً بالغ الخطورة على مستقبل الأمن الليبي، خصوصاً في ظل استمرار الانقسام المؤسسي وتعدد القوى المسلحة.

ويرى التويجر أن أطرافاً دولية قد تكون لديها مصلحة في دفع الصراع الليبي إلى مستويات أكثر تصعيداً، بما ينعكس على استقرار الدولة وأمن دول الجوار، ولا سيما دول جنوب البحر المتوسط.

ومن هذه الزاوية، تبدو أزمة المسيّرات جزءاً من مشهد أوسع، تتداخل فيه الحسابات المحلية مع المصالح الإقليمية والدولية. فكلما استمرت حالة الانقسام السياسي والأمني، ازدادت فرص استخدام الأراضي الليبية كساحة لتبادل الرسائل أو تصفية الحسابات بين أطراف متعددة.

ليبيا أمام اختبار أمني وسياسي

ويضع التصعيد المتعلق بالطائرات المسيّرة السلطات الليبية أمام اختبار حقيقي يتعلق بقدرتها على حماية المنشآت الحيوية وكشف ملابسات الهجمات بعيداً عن الاتهامات غير المدعومة بالأدلة.

كما أن احتواء هذه الظاهرة لا يرتبط فقط بتشديد الإجراءات الأمنية، وإنما يتطلب معالجة جذور الانقسام وتوحيد المؤسسات العسكرية والأمنية، وتعزيز الرقابة على حركة المعدات والتقنيات العسكرية، إلى جانب رفع مستوى التعاون مع الجهات الدولية المختصة.

وفي المحصلة، فإن استمرار الهجمات الغامضة على أهداف حيوية في غرب ليبيا يحمل مؤشرات مقلقة على اتساع دائرة المخاطر، خصوصاً إذا تحولت المسيّرات من أداة تستخدمها أطراف محدودة إلى وسيلة ثابتة في الصراع على النفوذ. ولذلك فإن الكشف عن الجهات المسؤولة، وتقديم أدلة واضحة للرأي العام، باتا ضرورة للحيلولة دون تحول الغموض الأمني إلى وقود جديد للصراع الليبي.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى