رفع أسعار الوقود “حل عقيم” يفتح جبهات جديدة على المواطن الليبي… وحكومة الدبيبة تغامر بمعيشة الناس بفكر محاسبي ضيق
عصر يحذر: رفع الدعم عن الوقود دون معالجة العمالة الأجنبية والتهريب يضرب المخابز والمدارس والمياه… ويؤكد: السياسة والأخلاق لا يلتقيان في منهج الدبيبة
ليبيا 24
عصر: حكومة منتهية الولاية تراهن على جيوب الليبيين… ورفع أسعار الوقود “خطوة في الاتجاه الخطأ”
في تطور يعكس عمق الأزمة الاقتصادية والاجتماعية التي تعيشها ليبيا تحت وطأة حكومة منتهية الولاية، خرج وزير الاقتصاد والصناعة الأسبق منير علي عصر بتصريحات نارية عبر صفحته الرسمية على فيسبوك، كشف فيها عن خلل بنيوي في المقاربة الاقتصادية التي تنتهجها حكومة عبد الحميد الدبيبة، محذراً من أن قرار رفع أسعار الوقود – أو ما يسمى بترشيد الدعم – لن يحقق أهدافه المعلنة، بل سيفتح جبهات معيشية جديدة في وجه المواطن الليبي المكلوم.
إعادة قراءة التاريخ: ضرورة منهجية أم ترف نظري؟
يبدأ عصر تحليله من زاوية منهجية عميقة، مؤكداً أنه “لا يجوز الحكم أو التثمين لأي مرحلة دون الرجوع إلى ظروف المرحلة والمعطيات المحلية والدولية”، مضيفاً أن “التاريخ ليس حكواتي، بل هو سرد للواقع والمعطيات والمؤثرات”. هذه المقولة تحمل في طياتها رفضاً ضمنياً للخطاب الرسمي الذي يبرر القرارات القاسية بالظروف الاستثنائية، دون تقديم قراءة شاملة للسياق الاقتصادي والاجتماعي الذي أنتج هذه الأزمات.
الفكر المحاسبي الضيق: حين تُدار الدول بدفاتر الحسابات لا بعلم الاقتصاد
يشن الوزير الأسبق هجوماً مباشراً على منهجية الحكومة في معالجة ملف دعم الوقود، واصفاً إياها بـ”الفكر المحاسبي الضيق” و”الحل العقيم”. ويتساءل بمرارة عن الأثر التراكمي لهذا القرار على حياة المواطن اليومية: “ماذا عن أثر غلاء الوقود على سيارة المدرسة، وعلى المواد الغذائية، ومتاجر المواد الغذائية، ودقيق المخابز؟ ماذا عن ارتفاع أجرة سيارة النقل؟ ماذا عن التنقل بين المناطق نتيجة ارتفاع سعر الوقود وعدم وجود مواصلات عامة؟ وماذا عن ارتفاع أجرة صهاريج المياه في المناطق التي تتزود بها؟”
هذه الأسئلة ليست مجرد بلاغة خطابية، بل هي تشخيص دقيق لسلسلة الأثر التضخمي التي ستمتد من محطة الوقود إلى كل ركن في حياة المواطن الليبي.
فرفع سعر الوقود يعني رفع تكلفة النقل، التي تعني رفع أسعار السلع، التي تعني مزيداً من الفقر والتآكل في القدرة الشرائية.
ويضع عصر المعادلة في نصابها الصحيح: “الدول تقاد بفكر اقتصادي، بعلم الاقتصاد، وليس بفكر محاسبي ضيق. شتان بين علم الاقتصاد وعلم المحاسبة، بين وزارة المالية ووزارة الخزانة”.
ويكشف عن خلل في التكوين المؤسسي للحكومة، حيث يفترض أن يكون “الوزير الأول اقتصادياً ومحافظ البنك المركزي اقتصادياً”، في إشارة ضمنية إلى غياب الكفاءة الاقتصادية في قيادة المشهد المالي في ليبيا.
الطلب على النقد الأجنبي: من يحرّك السوق فعلاً؟
ينتقل عصر إلى تحليل جذور أزمة النقد الأجنبي، كاشفاً أن “الطلب الكبير على النقد الأجنبي ليس من الموردين الفعليين للسلع، وإنما من العمالة الأجنبية غير المنظمة بشكل يومي، ومن المهربين وتجار الممنوعات”.
هذه القراءة تكشف زيف الخطاب الرسمي الذي يحمّل المواطن ومسؤوليته عن أزمة السيولة، بينما الأسباب الحقيقية تكمن في اقتصاد الظل والتهريب المنظم.
ويرى عصر أن قرار رفع أسعار الوقود “خطوة في الاتجاه الصحيح”، لكنه يشدد على أنها “تظل جملة من الخطوات والإصلاحات بخصوص تنظيم العمالة، وحماية الحدود والمنافذ من دخول وخروج أي سلع، والحماية من المهربين ومكافحة الممنوعات”.
أي أن القرار منفرداً – دون منظومة متكاملة من الإصلاحات – سيكون عبئاً على المواطن دون أن يحقق أهدافه المعلنة.
حين تغيب الأخلاق عن السياسة
يختتم عصر تصريحاته بسؤال عميق: “هل صدقوا حكماء بن صهيون في بروتوكولاتهم عندما قالوا إن السياسة والأخلاق لا تتفقان في شيء؟” هذا التساؤل – رغم حساسيته – يحمل في طياته نقداً لاذعاً لمنهجية حكومة الدبيبة التي تتعامل مع المواطن كرقم في معادلة محاسبية، لا كإنسان له حقوق معيشية وكرامة يجب صونها.
حكومة تراهن على صبر المواطن… والمواطن يدفع الثمن
في المحصلة، تكشف تصريحات الوزير الأسبق عن أزمة أعمق من مجرد قرار اقتصادي: إنها أزمة منهجية في إدارة الدولة، وأزمة ثقة بين المواطن ومؤسسات حكم منتهية الولاية.
فبينما تتحدث الحكومة عن الإصلاح، يرى المواطن في كل قرار جديد تهديداً مباشراً لقوته اليومي. وبينما تتشدق الحكومة بالحوكمة، يرى الليبي في كل رفع للأسعار خطوة نحو مزيد من التضييق على حياته.
إنها معادلة يدفع ثمنها المواطن الليبي وحده، في وقت تغيب فيه الرؤية الاقتصادية الشاملة، وتحضر فيه الحسابات الضيقة، ويبقى السؤال معلقاً: إلى متى سيظل المواطن الليبي رهينة لقرارات حكومة منتهية الولاية؟



