المركزي يفقد السيطرة وحكومة الدبيبة تنهب: 4.9 مليار دولار عجزاً… والمواطن ينتظر دوره في طابور الانتظار
فائض وهمي وعجز حقيقي: 16.6 مليار دينار مجهولة المصير و4.9 مليار دولار تتبخر من خزينة الليبيين... والمواطن يدفع الثمن
عجز بالنقد الأجنبي يبلغ 4.9 مليار دولار… مصرف ليبيا المركزي يكشف عن مفارقة الفائض المحلي والخسارة الخارجية وسط صمت حكومي مطبق
16.6 مليار دينار مجهولة المصير… أرقام المركزي تفتح أبواب الجحيم على حكومة منتهية الولاية وتكشف عن إنفاق 2.3 مليار دينار على “الجهات التابعة” لمجلس الوزراء
أموال الليبيين تتبخر… 20.1 مليار دولار تخرج من خزينة المركزي بينما إيرادات النفط 15.2 مليار فقط… والمواطن يدفع الثمن
ليبيا 24
الفائض الوهمي والعجز الحقيقي: كيف يغرق مصرف ليبيا المركزي وحكومة الدبيبة في مستنقع الأرقام المتناقضة؟
مقدمة: بيان كشف العورات
في خطوة يراها المراقبون محاولة لتبرئة الذمة قبل انفجار الأزمة، نشر مصرف ليبيا المركزي بيانه الشهري عن الإنفاق العام والإيرادات عن الفترة من بداية العام حتى نهاية أغسطس 2026، بعد توقف دام ستة أشهر.
بيان لم يكن مجرد جدول أرقام، بل كان صرخة في وجه كل الليبيين، وكشفاً لسلسلة من التناقضات التي تضع مصداقية المؤسسة المالية الأولى في البلاد على المحك، وتفتح الباب واسعاً أمام تساؤلات لم يعد ممكناً تجاهلها عن مصير أموال النفط، وعن حقيقة الإنفاق الحكومي، وعن الطريقة التي تدار بها خزينة الدولة في ظل حكومة منتهية الولاية.
الأرقام الرسمية تقول إن الإيرادات بلغت نحو 99 مليار دينار، مقابل إنفاق نحو 68.7 مليار دينار، أي فائض يتجاوز 30 مليار دينار.
وفي المقابل، يقول البيان نفسه إن إيرادات النقد الأجنبي من بيع النفط والأتاوات بلغت نحو 15.2 مليار دولار، مقابل استخدامات بنحو 20.1 مليار دولار، أي عجز يقارب 4.9 مليار دولار.
فائض بالدينار وعجز بالدولار… مفارقة لا يمكن تفسيرها إلا بالكشف عن وجود خلل بنيوي عميق في إدارة المالية العامة، أو بمحاولة ممنهجة لتضليل الرأي العام وإخفاء حقيقة ما يجري.
الفصل الأول: 16.6 مليار دينار مجهولة المصير
الخبير في الشؤون الاقتصادية علي المحمودي وضع يده على الجرح عندما كشف عن فجوة مالية بقيمة 16.6 مليار دينار. فحسب تقرير المركزي، بلغت الإيرادات من النفط بالدينار 80.8 مليار دينار.
ولكن إذا ما تم تحويل إيرادات النفط الدولارية البالغة 15.2 مليار دولار إلى الدينار بالسعر الرسمي، فإنها يفترض أن تصل إلى 97 مليار دينار. وبإضافة الإتاوات والضرائب والجمارك والاتصالات وباقي الإيرادات، يصبح الإجمالي الحقيقي بالدينار نحو 115 مليار دينار، وليس 99 ملياراً كما قال المركزي. أين ذهبت الـ16.6 مليار دينار؟
ويزيد المحمودي الطين بلة عندما يشير إلى أن إجمالي مبيعات النقد الأجنبي البالغة 20.1 مليار دولار تعني أن المركزي تحصل على دنانير بقيمة 128 مليار دينار. وبما أن إجمالي النفقات المعلنة لحكومة الدبيبة بلغ 68.7 مليار دينار، فهذا يعني إما أن المركزي يمتلك دينارات إضافية، أو أن هناك نفقات لجهات أخرى بقيمة 60 مليار دينار ممولة من المركزي لم يفصح عنها. أرقام تصرخ بالفساد، وتؤكد أن هناك أموالاً تخرج من الخزينة العامة دون رقيب أو حسيب.
الفصل الثاني: من يبتلع الدولار؟ شركات بعينها تتقدم الصفوف
البيان كشف أيضاً عن قائمة بأكبر الشركات المستفيدة من بيع النقد الأجنبي على سعر المصرف. في المقدمة، شركة النسيم التابعة لمحمد الرعيض، بطلبات شراء بلغت 119.9 مليون دولار.
تليها شركة أفريقيا لتعبئة المشروبات بـ83.5 مليون دولار، ثم شركة سما الحقول للمطاحن والأعلاف بـ72.9 مليون دولار، فشركة الهزاز للخدمات والاستثمار السياحي بـ68.4 مليون دولار، ومجموعة الامتياز لاستيراد وسائل النقل بـ65.9 مليون دولار.
القائمة تطول: المصبوبات لصناعة مواد البناء، الجيد لاستيراد المواد الغذائية، الرصيف الفاخر لصناعة مواد البناء، اليقين الليبية للصناعات الغذائية، النبسان لصهر ودرفلة المعادن، سحابة الربيع لصناعة مواد البناء، توبونا ليبيا لتجارة السيارات، البريق الأول لصناعة مواد البناء، أشبيليا لصناعة الدقيق والأعلاف، مجمع سيدي السائح للصناعات الغذائية، دروب ليبيا لاستيراد وسائل النقل، المجموعة الليبية للمطاحن والأعلاف، المنجل لاستيراد الأعلاف، زهور طرابلس لاستيراد المواد الغذائية، وموارد الربيع للصناعات الغذائية.
هذه الأسماء ليست مجرد شركات، بل هي شبكة مصالح معقدة تربط رجال أعمال نافذين بمراكز القرار السياسي.
والسؤال الذي يطرح نفسه: هل هذه الشركات تستحق فعلاً كل هذه المبالغ الضخمة من النقد الأجنبي؟ أم أن هناك تدويراً للأموال لصالح جهات بعينها؟ وهل المواطن الليبي البسيط، الذي ينتظر دوره في طوابير المصارف للحصول على 500 دولار للأغراض الشخصية، هو الضحية الحقيقية لهذا النظام الاقتصادي المشوه؟
الفصل الثالث: إنفاق حكومي منفلت… أين الرقابة؟
البيان كشف عن أرقام صادمة للإنفاق الحكومي. وزارة الشؤون الاجتماعية بحكومة الوحدة أنفقت حوالي 11.4 مليار دينار. وزارة المالية 17.1 مليار دينار. وزارة النفط 5.3 مليار دينار. وزارة الصحة 3.9 مليار دينار. وزارة الحكم المحلي 1.8 مليار دينار. مؤسسة النفط 5.2 مليار دينار. الشركة العامة للكهرباء 2.6 مليار دينار.
أما الجهات الرقابية، فقد بلغ إنفاق هيئة الرقابة الإدارية نحو 492.1 مليون دينار، وديوان المحاسبة 127 مليون دينار للبند العام و37.8 مليون دينار للمنطقة الشرقية. وفي مفارقة ساخرة، بلغ إنفاق مجلس النواب 50.2 مليون دينار، والمجلس الأعلى للدولة 42.7 مليون دينار، والمجلس الرئاسي 29.4 مليون دينار.
لكن الأكثر إثارة للدهشة هو إنفاق مجلس وزراء حكومة الدبيبة: 168.3 مليون دينار، بينما بلغ إنفاق الجهات التابعة له 2.3 مليار دينار. ما هي هذه الجهات التابعة؟ ولماذا كل هذا المبلغ الضخم؟ وهل يعقل أن ينفق مجلس الوزراء وحده أكثر من مجلس النواب والمجلس الأعلى للدولة والمجلس الرئاسي مجتمعين؟ أين هي الرقابة؟ وأين هو ديوان المحاسبة؟ وأين هي هيئة الرقابة الإدارية التي أنفقت هي نفسها نصف مليار دينار؟
الفصل الرابع: المصارف… من يخدم من؟
البيان كشف أيضاً عن قائمة المصارف الأكثر استخداماً للنقد الأجنبي. مصرف الجمهورية تصدر القائمة بحصة سوقية 16.69% وبقيمة 2.9 مليار دولار. مصرف الأمان للتجارة والاستثمار ثانياً بحصة 10.64% وبقيمة 1.8 مليار دولار. مصرف الوحدة ثالثاً بحصة 8.10% وبقيمة 1.4 مليار دولار. المصرف التجاري الوطني رابعاً بـ1.3 مليار دولار. مصرف شمال أفريقيا خامساً بـ1.179 مليار دولار.
هذه الأرقام تطرح سؤالاً جوهرياً: ما هو دور المصارف الحقيقي في الاقتصاد الليبي؟ هل هي قناة لتمويل المشاريع وتوجيه الأموال نحو الإنتاج والاستثمار وخلق النشاط الاقتصادي؟ أم أنها أصبحت مجرد أداة لتوزيع المرتبات وتحويل الأموال إلى الخارج؟ حجم الودائع في المصارف التجارية يفوق 150 مليار دينار، لكن التمويل ممنوع.
المصارف ليست خزائن لاكتناز الأموال، بل هي قناة رئيسية لتمويل المشاريع. فإذا كانت أموال المودعين موجودة داخل الجهاز المصرفي لكنها لا تتحول إلى تمويل للمشروعات والشركات والقطاع الخاص، وفي المقابل يتم توجيه التمويل نحو الإنفاق الحكومي، فهل يؤدي القطاع المصرفي دوره الحقيقي في الاقتصاد؟
الفصل الخامس: خبراء يحذرون… والمركزي مطالب بالإفصاح
أستاذ الاقتصاد بجامعة بنغازي الدكتور علي الشريف قال بوضوح: “لا يزال فائض الموازنة العامة وعجز الصرف الأجنبي لغزاً يجب على المركزي حله. المطلوب إفصاح أكثر حتى لا يتحمل المركزي وحده جريمة ما يحدث الآن.”
أما الدكتور عطية الفيتوري، أستاذ الاقتصاد بجامعة بنغازي، فقد أشار إلى التناقض الأكبر: “إيرادات النفط والإتاوات خلال الثمانية أشهر الأولى من هذا العام 2026 كانت 15.2 مليار دولار، مع أن هذه الإيرادات خلال نفس الفترة من العام الماضي 2025 كانت 15.8 مليار دولار. هذا يعني انخفاضاً في إيرادات النفط رغم أن أسعار البرميل خلال هذا العام تجاوزت 90 و100 دولار، بينما لم تتجاوز 70 دولاراً خلال العام الماضي.
كيف ترتفع الأسعار وتنخفض الإيرادات؟ هذا هو اللغز الذي يحتاج إلى حل واجابة صريحة. أين بقية إيرادات النفط؟”
وزير الاقتصاد والصناعة السابق منير علي عصر ربط المشكلة بغياب التنسيق بين السياسات: “مشكلة الميزانية العامة وتداعياتها على سعر الصرف تتعلق بمجلس سياسات لا يمكن للبنك المركزي، وهو المسؤول عن السياسة النقدية، أن يشتغل بمنأى عن السياسة المالية والسياسة التجارية وبشكل متناغم ودقيق. فضلاً عن غياب السياسة المالية التي دورها ليس الصرف والتوزيع فقط للميزانية، وإنما دورها ممول أيضاً للميزانية العامة من خلال الضرائب المباشرة وغير المباشرة والجمارك ورسوم الإنتاج والاستهلاك وأرباح الشركات العامة وأرباح مصرف ليبيا المركزي والأملاك العامة. لا يقتصر عملها كوزارة خزانة توزع بنود الميزانية.”
الفصل السادس: هل تم الالتزام باتفاق الإنفاق الموحد؟
الخبير الاقتصادي إدريس الشريف يطرح سؤالاً محورياً: “هل تم الالتزام باتفاق الإنفاق الموحد؟” ويشرح: “إيرادات الحكومة التي تموّل الإنفاق العام تأتي أساساً – بنحو 98% – من بيع الحكومة لدولارات النفط إلى مصرف ليبيا المركزي بالسعر الرسمي. وطالما أن الإنفاق العام يتحرك في حدود الإيرادات، يبقى سوق الصرف أكثر توازناً.
دينارات تدخل الاقتصاد، يقابلها دولارات موجودة في خزينة المصرف المركزي. وهذا تحديداً ما استهدفه اتفاق توحيد الإنفاق الذي رعاه المصرف المركزي عندما وضع سقفاً للإنفاق لا يتجاوز الإيرادات. لكن يبدو أن الرياح جرت بغير ما تشتهي سفن المركزي، ويبدو أنه أرخى أشرعته لها.”
ويضيف: “برغم غياب البيانات – أو حجبها بتعبير أدق – تشير مؤشرات سوق الصرف إلى أن الإنفاق الفعلي أكبر بكثير من الإيرادات. وما دام العجز قائماً، فلا بد من تمويله بالدين العام وخلق دينارات جديدة.
وهنا تبدأ المشكلة. دينارات إضافية تُضخ في الاقتصاد من دون أن تقابلها دولارات إضافية أو إنتاج حقيقي بالقدر نفسه. وفي اقتصاد منكشف يعتمد على الخارج في توفير معظم السلع والخدمات، تتحول نسبة كبيرة من هذه الدينارات إلى طلب على الدولار، فتتسع الفجوة بين السعر الرسمي والسعر الموازي.”
ويحذر: “ثم يحدث الأخطر. عندما يبدأ الدينار في فقدان قيمته أمام العملات الأجنبية، لا يبقى الطلب على الدولار طلباً تجارياً فقط، بل يظهر طلب المضاربة للاستفادة من فروق الأسعار، ويظهر كذلك طلب التحوط، أي شراء الدولار لحماية المدخرات من التآكل مع انخفاض قيمة الدينار. وهكذا يصبح انخفاض قيمة الدينار نفسه مولّداً لمزيد من الطلب على الدولار.
يحاول المصرف المركزي احتواء الفجوة بضخ دولارات إضافية من الاحتياطيات بعد أن جرب سابقاً تخفيض قيمة الدينار ثلاث مرات وفرض رسوم على بيع الدولار. لكن هذه الإجراءات، مهما أخرت المشكلة، لا تعالج أصل المرض، الذي هو ضخ دينارات في الاقتصاد تفوق ما يقابلها من دولارات وموارد وإنتاج حقيقي من السلع والخدمات في ظل وضع سياسي وإداري واقتصادي منقسم ومضطرب.”
الفصل السابع: المواطن… الضحية الأخيرة
في خضم هذه الأرقام المتناقضة والصراعات السياسية والاقتصادية، يبقى المواطن الليبي هو الضحية الحقيقية. احتياطي النقد الأجنبي انخفض من 99.4 مليار دولار في نهاية 2025 إلى 96.0 مليار دولار في نهاية أغسطس 2026. ثلاثة مليارات وأربعمائة مليون دولار تبخرت في ثمانية أشهر فقط. هذا يعني أن الاحتياطي الحر، الذي يمكن استخدامه فعلياً، يتآكل بوتيرة متسارعة.
وفي الوقت نفسه، يشتكي المواطن من ارتفاع الأسعار، ومن انخفاض قيمة الدينار، ومن صعوبة الحصول على النقد الأجنبي للأغراض الشخصية. مصرف ليبيا المركزي يخصص 34% من استخدامات النقد الأجنبي للأغراض الشخصية، أي ما يعادل 5.913 مليار دولار. لكن هل تصل هذه الأموال فعلاً إلى المواطن؟ أم أن هناك وسطاء ومستفيدين يبتلعيونها؟
مجلس الوزراء شاري زيت زيتون بـ170 ديناراً، يعني 20 لتراً بـ3400 دينار. هذه ليست مجرد صفقة مشبوهة، بل هي رمز على الفساد المستشري في مفاصل الدولة. فإذا كان مجلس الوزراء، وهو أعلى سلطة تنفيذية، يشتري زيت الزيتون بهذا السعر، فما بالك بباقي المؤسسات؟
خاتمة: من يدفع الثمن؟
من قرر الإنفاق الزائد والمنفلت؟ من موّل العجز؟ من سمح بخلق دينارات جديدة دون موارد حقيقية تقابلها؟ من يحمي الشركات التي تبتلع الدولار؟ من يغطي على المصارف التي تحولت إلى أدوات لتوزيع المرتبات بدلاً من تمويل الإنتاج؟
كل هذه الأسئلة تحتاج إلى أجوبة صريحة. لكن ما يحدث الآن هو العكس تماماً. مصرف ليبيا المركزي، الذي يجب أن يكون حارساً على المال العام، يكتفي بنشر أرقام متناقضة ثم يطلب من الآخرين تفسيرها. وحكومة الدبيبة، المنتهية الولاية، تستمر في الإنفاق بلا رقيب أو حسيب. والمجلس الرئاسي صامت. ومجلس النواب مشغول بصراعاته. والمجلس الأعلى للدولة غائب.
والمواطن الليبي… يقف عاجزاً أمام طوابير المصارف، وأمام ارتفاع الأسعار، وأمام انخفاض قيمة مدخراته، وأمام مستقبل غامض. يدفع الثمن هو، بينما يبتسم الآخرون على أنقاض خزينة كانت يوماً من أغنى خزائن العالم.
16.6 مليار دينار مجهولة المصير، و4.9 مليار دولار عجز بالنقد الأجنبي، و3.4 مليار دولار انخفاض في الاحتياطي… أرقام لا تحتاج إلى تحليل بقدر ما تحتاج إلى محاسبة. لكن المحاسبة في ليبيا أصبحت ترفاً، والفساد أصبح نظاماً، والمواطن أصبح مجرد رقم في معادلة خاسرة.



