ليبيا

رغم انطلاق العام الدراسي.. حكومة الدبيبة تترك العملية التعليمية تنهار والمعلمون يرفعون راية العصيان

ليبيا: اعتصام المعلمين وارتفاع الأسعار يضعان العام الدراسي على حافة الهاوية

ليبيا 24

من طرابلس إلى بنغازي: أولياء الأمور يدفعون الثمن وحكومة الدبيبة منتهية الولاية تكتفي بالمشاهدة

عندما يصبح التعليم عبئاً: قراءة في الانهيار المنظومي للقطاع التعليمي الليبي

في مشهد بات يتكرر كل عام مع اقتراب موعد انطلاق الدراسة، تجد الأسر الليبية نفسها أمام معادلة قاسية: إما الإنفاق بما يفوق طاقتها لتجهيز أبنائها، أو تركهم يواجهون مصيراً تعليمياً غامضاً.

لكن هذا العام يبدو مختلفاً، فالأزمة لا تقتصر على ارتفاع الأسعار، بل تمتد إلى اعتصامات متصاعدة لأعضاء هيئة التدريس، وعجز مستمر في الكتاب المدرسي، ومبانٍ مدرسية متهالكة، وحكومة منتهية الولاية تكتفي بإصدار البيانات بينما يغرق المواطن في بحر من الأزمات المتلاحقة.

اقتصاد الضنك: كيف تُدار أزمة الأسعار؟

تشير البيانات الميدانية إلى أن أسعار المستلزمات المدرسية ارتفعت هذا العام بنسب تتراوح بين 20% و30% مقارنة بالعام الماضي، وهو ارتفاع لا يمكن قراءته بمعزل عن سياسات سعر الصرف والتجارة الخارجية.

فسعر حقيبة مدرسية واحدة بلغ 135 ديناراً عند سعر صرف يبلغ 6.3 دنانير للدولار، وهو مؤشر على حجم الضغط الذي تواجهه ميزانيات الأسر في بلد لا يزال يعاني من انقسام مؤسسي وغياب للسياسات الاقتصادية الواضحة.

ويؤكد مواطنون أن الدولة لم تقدم الدعم الكافي لا للتجار ولا للمواطنين، في وقت يبرر فيه التجار ارتفاع الأسعار بارتفاع سعر الدولار عند شرائهم من تجار الجملة، رغم حصولهم على الاعتمادات.

ويطرح أحد المواطنين تساؤلات حول أسباب استمرار ارتفاع الأسعار بالقول: “عندما نراجع قوائم مصرف ليبيا المركزي، نجد أسماء شركات حصلت على الاعتمادات، لكن عندما نذهب إليها يقولون إنهم لم يحصلوا على شيء”.

هذه المفارقة تطرح تساؤلات جوهرية حول الوجهة الحقيقية للاعتمادات الممنوحة، وما إذا كانت هناك شبكات نافذة تستفيد من إبقاء الأزمة قائمة لتحقيق مكاسب غير مشروعة.

وفي غياب الرقابة الفعالة والشفافية، يجد المواطن نفسه وحيداً في مواجهة منظومة اقتصادية معقدة لا يرسم ملامحها سوى القريبين من مراكز القرار.

اعتصام المعلمين: مطالب مشروعة في وجه التجاهل الرسمي

وفيما تتخبط الأسر في أزماتها الاقتصادية، يلوح في الأفق خطر تأخير انطلاق العام الدراسي بسبب الاعتصامات التي أعلن عنها عدد من أعضاء هيئة التدريس. وأعلن “حراك المعلمين في ليبيا” استمرار الاعتصام الذي بدأ مع انطلاق العام الدراسي، وبالتالي الإضراب عن العمل في المدارس إلى حين تحقيق مطالبهم، داعياً إلى تنظيم وقفات احتجاجية أمام مراقبات التربية والتعليم.

وقال الحراك في بيان إن الاعتصام مستمر “إلى حين الوصول إلى حلول حقيقية وجادة بشأن المطالب، والحراك لن يتراجع عن مطالبه، ولن يقبل بأن تتحول حقوق المعلمين إلى وعود مؤجلة أو بيانات عامة لا تُترجم إلى قرارات وإجراءات تنفيذية واضحة”.

وأشار البيان إلى أنه لم يحدث أي تواصل مباشر ورسمي من الجهات التنفيذية أو التشريعية مع الحراك، “بما يضمن فتح حوار جاد ومباشر حول كامل المطالب المطروحة”.

وأضاف أن المهلة التي منحها المعلمون للحوار تقترب من نهايتها، مهدداً بتصعيد نقابي منظم وسلمي في المرحلة المقبلة “في حال عدم صدور إجراءات عملية وملموسة تستجيب لمطالب المعلمين”.

وأجمل الحراك موقفه في ثماني نقاط: أولاً استمرار الاعتصام إلى حين الوصول إلى حلول حقيقية وجادة بشأن المطالب.

ثانياً تأكيد أن أي حوار قادم يجب أن يكون مع قيادات الحراك وممثليه بصورة مباشرة، وأن يتناول جميع المطالب دون تجزئة أو انتقائية.

ثالثاً إنهاء الاعتصام لا يمكن أن يكون مقابل وعود جديدة، وإنما من خلال قرارات رسمية واضحة وملزمة وقابلة للتنفيذ.

رابعاً أي تسوية نهائية يجب أن تتضمن جدولاً زمنياً محدداً، وخريطة طريق واضحة المعالم، ومراحل تنفيذ معلنة، وجهات مسؤولة عن التنفيذ، بما يمنع التأويل أو التسويف أو إعادة الملفات إلى نقطة الصفر.

خامساً في حال انتهاء المهلة المحددة للحوار دون الوصول إلى إجراءات تنفيذية حقيقية، فإن الحراك سيمضي في إعلان الإضراب العام في المؤسسات التعليمية، وفق الأطر القانونية والتنظيمية المعمول بها، إلى حين تنفيذ المطالب المتفق عليها.

سادساً دعوة جميع المعلمين والمعلمات إلى تنظيم وقفات احتجاجية سلمية ومنظمة أمام مراقبات التربية والتعليم، وإيصال صوت المعلمين إلى الجهات التنفيذية والتشريعية، تأكيداً لوحدة الصف وتمسك الأسرة التعليمية بحقوقها ومطالبها.

سابعاً مطالب المعلمين ليست مطالب شخصية أو فئوية، وإنما مطالب مرتبطة بالحقوق المالية والوظيفية والمهنية، ومكانة المعلم، واستقرار العملية التعليمية. ثامناً باب الحوار لا يزال مفتوحاً، ولكن الحوار الحقيقي هو الذي يقود إلى قرارات وتنفيذ ومواعيد محددة، وليس إلى مزيد من الوعود والتأجيل.

وفي الختام، أكد الحراك أنه “حريص على مصلحة أبنائنا الطلاب، واستقرار العملية التعليمية، لكن في الوقت نفسه نؤكد أن استقرار التعليم لا يتحقق بتجاهل حقوق المعلم، وإنما بتحقيق العدالة والاستقرار للمعلم والمؤسسة التعليمية”.

الشارع الليبي يتفاعل: غضب عارم ورفض للوعود

على منصات التواصل الاجتماعي، تصاعدت موجة الغضب الشعبي تجاه الأداء الحكومي، وتباينت التعليقات بين السخرية والأسى. يقول أحد النشطاء على منصة فيسبوك: “كل عام نفس القصة: أسعار ترتفع، ومعلمون يعتصمون، وحكومة تتفرج. متى سنرى عاماً دراسياً طبيعياً؟”.

وتضيف إحدى الأمهات في تعليق على منصة إكس: “ابني في الصف الخامس، وحقيبته وحدها تكلفني ثلث راتبي. كيف سأجهز ثلاثة أطفال؟”.

ويقول معلق آخر: “المعلمون يطالبون بحقوقهم المشروعة، ونحن ندعمهم بكل قوة. لكن السؤال: من سيسمع صوتهم؟”.

وفي مجموعة على تطبيق واتساب مخصصة لأولياء الأمور في طرابلس، تبادل الأعضاء قوائم بأسعار المستلزمات المدرسية في محاولة للبحث عن أرخص الخيارات، بينما اقترح البعض تنظيم وقفات احتجاجية أمام مقرات الحكومة للمطالبة بتدخل عاجل.

وتداول نشطاء وسم “عام_دراسي_على_كف_عفريت” على نطاق واسع، في إشارة إلى حالة عدم اليقين التي تسود المشهد التعليمي.

الكتاب المدرسي: أزمة مزمنة تتجدد

وفيما تتواصل الاعتصامات، أعلن مركز المناهج التعليمية الحكومي اكتمال توريد الكتاب المدرسي للعام الجديد، غير أن هيئة الرقابة الإدارية أكدت استمرار العجز في 13 عنواناً مدرسياً، وطالبت وزارة التعليم باستكمال العناوين والكميات وإنهاء عمليات التوزيع، وإيصال الكتب إلى المدارس قبل انطلاق العام الدراسي.

ورافقت أزمة الكتاب المدرسي العملية التعليمية طوال سنوات مضت، ووصل الأمر في بعض السنوات إلى دراسة طلاب من دون كتب مدرسية.

ويقول مراقبون إن “اكتمال التوريد على المستوى المركزي يحتاج إلى أن يتحول هذا إلى توزيع فعلي على المدارس، خصوصاً في البلديات البعيدة والمناطق التي تعتمد على مخازن فرعية وخطوط نقل أطول، ويظل العجز في بعض عناوين الكتب مثيراً للقلق”.

جاهزية المدارس: مبانٍ آيلة للسقوط ونقص في الكوادر

وهناك جوانب أخرى تدخل في معنى الاستعداد الفعلي لبدء العملية التعليمية، وفي مقدمتها جاهزية المدارس. ويؤكد مختصون أن “عدداً من المؤسسات التعليمية يعاني مشكلات في المباني، وبعضها يحتاج إلى صيانة عاجلة، بينما تعاني مدارس أخرى نقصاً في وسائل التعليم والتجهيزات الأساسية”.

وأطلقت الحكومة مشروعاً لإعادة تأهيل المدارس وإنشاء مدارس جديدة، وقطع المشروع شوطاً مهماً خلال الفترة الماضية، لكن اكتمال الاستعداد للدراسة يتجاوز افتتاح مبان جديدة أو إعلان جاهزيتها إدارياً.

ويوضح مختصون أن “التفكير في افتتاح مدرسة جديدة يجب أن يترافق مع التفكير في البيئة التعليمية، ومن عناصر هذه البيئة المقاعد الكافية، ودورات المياه المناسبة، ومياه الشرب، والوسائل التعليمية، وساحة للترفيه، وتجهيزات تساعد المعلم على أداء دوره. إذا لم تتوفر هذه العناصر فلا معنى لاكتمال الاستعداد للدخول المدرسي”.

وتمثل مشكلة نقص عدد المعلمين جانباً آخر من الجاهزية التعليمية، إذ يدفع المدارس إلى تغطية العجز بإسناد بعض التخصصات إلى معلمين من تخصصات أخرى، أو توزيع النصاب التدريسي بصورة تؤثر في انتظام الحصص، وفي المحصلة يجد الطالب نفسه أمام درس لم يستوعبه، أو مقرر دراسي يتأخر استكماله، فيتجه الطالب إلى البحث عن مدرس خصوصي لسد الفجوة التي تركها ضعف انتظام العملية التعليمية.

وهناك الكثير مما يقال حول حقيقة اكتمال الاستعداد للدخول المدرسي، ومنه صلاحية الكتاب المدرسي بغض النظر عن وصوله أو عدمه، فمنذ أكثر من عقدين لم يتم تحديث المناهج الدراسية، وتوسعت معها الفجوة بين البيئة الطبيعية التي يعيش فيها الطالب خارج المدرسة بكل وسائل التطور الحديثة في المعارف وبين ما يتعلمه في المدرسة.

وتفرض هذه التحديات على وزارة التعليم مواجهتها عبر تشكيل لجان من الخبراء لإنقاذ العملية التعليمية.

الكهرباء والوقود: أزمات تتجاوز صلاحيات وزارة التعليم

وتحمل بداية السنة الدراسية أزمات إضافية تتجاوز صلاحيات وزارة التعليم لتشمل منظومة الخدمات الحكومية كلها، من بينها أزمتا الكهرباء والوقود.

ويقول مواطنون إن “الطلاب الذين يستعدون للعودة إلى مدارسهم سيواجهون أثر الانقطاعات الكهربائية الطويلة التي لا توفر لهم بيئة مناسبة للدراسة، في حين يضطر الأب أو الأم إلى قضاء ساعات أمام محطات الوقود للتمكن من نقل الأولاد إلى مدرستهم. هذه الهواجس لا تظهر في أي موقف أو تصريح يشعرنا بأن السلطات تعتني بها كما تعتني ببقية تفاصيل بدء السنة الدراسية”.

الأطفال والنزاعات: جيل كامل يحمل جراحه إلى المدرسة

ولم تقتصر آثار النزاعات والأزمات الأمنية التي شهدتها ليبيا خلال السنوات الماضية على الخسائر المادية وتداعياتها المباشرة، بل امتدت إلى شريحة الأطفال، الذين وجدوا أنفسهم في مواجهة الخوف والعنف والنزوح وفقدان أحد أفراد الأسرة أو المنزل، في مراحل عمرية يفترض أن تكون مخصصة للتعلم والنمو وبناء الشخصية.

ووفقاً لخبراء في علم النفس، تترك هذه التجارب آثاراً قد لا تظهر بصورة مباشرة، لكنها يمكن أن تنعكس على الصحة النفسية للأطفال، وقدرتهم على مواصلة التعليم، وعلاقاتهم بأسرهم ومحيطهم، فضلاً عن فرصهم في بناء مستقبل مستقر. ويقول مختصون إن “النزاعات والعنف تترك آثاراً كبيرة على الأطفال، وتختلف هذه الآثار النفسية باختلاف المرحلة العمرية للطفل، وطبيعة الموقف الذي تعرض له”.

ومن أبرز الآثار النفسية التي قد تظهر على الأطفال هي الخوف والاضطراب في النوم، وصعوبة التركيز، والانطوائية، وفقدان الشعور بالأمان والراحة النفسية.

ويوضح الخبراء أن “بعض الأطفال قد يصبحون أكثر عدوانية، أو يتعلقون بذويهم بشكل أكبر نتيجة شدة الخوف والقلق الذي يمرون به”، بينما “قد يميل بعض الأطفال إلى الصمت والعزلة، وفقدان الشهية، والتعرض للكوابيس ليلاً، إضافة إلى التبول اللاإرادي، نتيجة الخوف الشديد والضغوط النفسية التي يمرون بها”.

ويشير المختصون إلى أن “اكتشاف هذه الآثار في وقت مبكر يمكن أن يتم من خلال متابعة التغيرات التي تطرأ على سلوك الطفل، ومستواه الدراسي، وعلاقته بالآخرين، إلى جانب التواصل المستمر مع المعلمين في المدرسة”، لافتين إلى أن “الطفل قد ينعزل عن زملائه أو يتراجع مستواه الدراسي، وهو ما يتطلب متابعة واهتماماً من الأسرة”.

ويؤكدون أن “بعض الأطفال الذين تعرضوا للعنف والخوف قد يحتاجون إلى مساعدة أخصائيين نفسيين”، مشددين على “أهمية عدم ممارسة الضغوط عليهم، والعمل على توفير بيئة آمنة وداعمة وحاضنة لهم”.

ويضيفون أن “خضوع الطفل لجلسات علاج نفسي ليس أمراً يدعو للخجل، بل يمثل خطوة مهمة لمساعدته على تجاوز آثار التجربة التي مر بها”.

ويشكل النزوح عاملاً إضافياً في تعقيد الوضع النفسي للأطفال، إذ يقول خبراء إن “انتقال الأطفال من منازلهم وبيئتهم التي اعتادوا عليها إلى بيئة أخرى يؤثر بشكل مباشر في حياتهم ونفسياتهم، وقد يؤدي إلى صعوبة في الاندماج مع البيئة الجديدة، فضلاً عن تأثيره على مسارهم التعليمي واستقرارهم النفسي والاجتماعي”.

ويشيرون إلى أن “الأسر النازحة قد تواجه في الوقت نفسه ظروفاً اجتماعية واقتصادية صعبة تؤثر في قدرتها على توفير الاحتياجات الأساسية والخاصة بالأطفال”، مؤكدين أن “النزوح ليس مجرد انتقال من مكان إلى آخر، وإنما تجربة قد تؤدي إلى اضطراب كبير في حياة الطفل والأسرة بأكملها”.

ويوصي المختصون بضرورة “إخضاع الأطفال المتأثرين بالنزاعات والنزوح لبرامج للدعم النفسي والاجتماعي، تساعدهم على الاندماج مع أقرانهم واستعادة شعورهم بالأمان”.

ويشيرون إلى أن “ليبيا لديها تجارب سابقة ومتكررة مع النزاعات المسلحة وعمليات النزوح، ما يجعل الحاجة إلى توفير جلسات للدعم النفسي داخل المدارس أمراً مهماً”.

ويحذرون من أن “تكرار الحروب والاشتباكات المسلحة من وقت إلى آخر يتسبب في حالة من الخوف العميق لدى الأطفال، ويعزز شعورهم بعدم الأمان، كما يساهم في تغيير سلوكياتهم”، موضحين أن “بعض التجارب السلبية التي يعيشها الطفل في سن مبكرة قد تترك آثاراً تمتد إلى مراحل لاحقة من حياته”.

ويضيفون أن “شعور الطفل بالخوف والقلق، أو مشاهدته فقدان أحد أفراد أسرته، قد تترسخ آثاره في ذاكرته، وقد تؤدي في بعض الحالات إلى اضطرابات ما بعد الصدمة، التي يمكن أن تظهر أعراضها بعد فترة من التعرض للحدث الصادم، وقد تشمل الكوابيس، والتبول اللاإرادي، والقلق الشديد واضطرابات السلوك، وفي الحالات الأكثر خطورة قد تصل إلى أفكار إيذاء النفس”.

غير أن الخبراء يطمئنون إلى أن “هذه الآثار قد تكون مؤقتة في بعض الحالات إذا توافرت للطفل بيئة آمنة، وعلاقات أسرية واجتماعية داعمة، ومساندة نفسية مناسبة، إلى جانب إعادة بناء الشعور بالأمان والثقة”، مشيرين إلى أن “بعض الأطفال قد يحتاجون إلى جلسات علاج نفسي متخصصة لمساعدتهم على استعادة توازنهم والعودة تدريجياً إلى حياتهم الطبيعية”.

ويحدد المختصون الفئات الأكثر عرضة للتأثر بتداعيات النزاعات بأنهم “الأطفال الذين تعرضوا للعنف أو النزوح أو فقدان أحد أفراد الأسرة، إلى جانب الأطفال ذوي الإعاقة والأطفال في المناطق المتضررة من النزاعات”.

ويشددون على أن “هذه الفئات تحتاج إلى توفير الأمان والدعم النفسي، إلى جانب الاحتواء الأسري والاجتماعي، وضمان استمرار العملية التعليمية والعمل على تعويض الفاقد التعليمي، بما يساعد الأطفال على استعادة قدراتهم والتكيف مع الظروف التي مروا بها”.

ويؤكدون أن “للأسرة والمدرسة والمؤسسات الاجتماعية والنفسية أدواراً متكاملة في حماية الأطفال، ومساعدتهم على تجاوز آثار النزاعات، فالأسرة تسهم في توفير الأمان والاحتواء والدعم النفسي، بينما تعمل المدرسة على توفير بيئة آمنة تضمن استمرار التعليم وتقدم الدعم النفسي والاجتماعي للأطفال”.

ويضيفون أن “المؤسسات الاجتماعية والنفسية تضطلع بدور مهم في الكشف المبكر عن الآثار النفسية والاجتماعية التي قد تظهر على الأطفال، وتوفير العلاج والحماية وإعادة دمجهم مع أقرانهم الأطفال الأسوياء”، مؤكدين أن “نجاح هذه الجهود يتطلب تعاوناً وتنسيقاً مشتركاً بين الأسرة والمدرسة والمؤسسات المختصة”.

وحول الآليات والبرامج التي تحتاجها ليبيا لضمان التعافي النفسي والاجتماعي والتعليمي للأطفال، ومنع انتقال آثار النزاعات إلى مستقبلهم، يقول الخبراء إن “ليبيا تحتاج إلى برنامج وطني متكامل لحماية الأطفال، يتضمن توفير خدمات الدعم النفسي والاجتماعي، والاستعانة بأخصائيين ذوي كفاءة داخل المدارس، إلى جانب تنفيذ برامج لتعويض الفاقد التعليمي”.

ويشددون على “أهمية تعزيز حماية الأطفال من العنف والاستغلال، وتقديم الدعم للأسر، بالتوازي مع نشر ثقافة السلام والحوار ونبذ العنف”، مؤكدين أن “الاستثمار في حماية الأطفال ودعمهم نفسياً وتعليمياً واجتماعياً يمثل خطوة أساسية لمنع انتقال آثار النزاعات إلى الأجيال القادمة”.

حصيلة الأزمة: عام دراسي بلا ضمانات

وبينما يستعد الطلاب لبدء عامهم الدراسي، يجدون أنفسهم أمام واقع مرير: كتب ناقصة، ومدارس متهالكة، ومعلمون معتصمون، وأسر تنزف تحت وطأة الأسعار، وحكومة منتهية الولاية تكتفي بالمشاهدة.

وإذا لم تتحرك الجهات المعنية بجدية لمعالجة هذه الأزمات، فإن العام الدراسي الجديد قد يتحول إلى عام دراسي ضائع آخر، يضاف إلى سلسلة السنوات التي أهدرت فيها حقوق الطالب والمعلم والمواطن.

إن استقرار التعليم لا يتحقق بتجاهل حقوق المعلم، ولا بتجاهل معاناة الأسر، ولا بالوعود المؤجلة. إنه يتحقق بقرارات جريئة، وإرادة سياسية حقيقية، وبرامج عملية قابلة للتنفيذ. ولكن في ظل حكومة منتهية الولاية تتشبث بالسلطة، يبدو أن أولوية المواطن الليبي ليست في مقدمة أولوياتها.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى