الدينار الليبي تحت ضغط الفجوة.. الدولار يقترب من 10 دنانير وتحذيرات من تآكل المدخرات
فجوة تتجاوز 49% بين السعرين الرسمي والموازي
ليبيا 24:
عاد ملف سعر الصرف إلى واجهة المشهد الاقتصادي في ليبيا، مع استمرار الفجوة الواسعة بين السعر الرسمي للدولار وسعره في السوق الموازية، وسط انعكاسات مباشرة على أسعار السلع والخدمات والقدرة الشرائية للمواطنين.
وبحسب آخر البيانات الرسمية المتاحة، بلغ سعر بيع الدولار في السوق الرسمية نحو 6.41 دينار في 28 سبتمبر الجاري، وفق مصرف ليبيا المركزي، بينما تراوح سعره في السوق الموازية خلال الأيام الأخيرة حول 9.5 دينار، بعد أن سجل مستويات أعلى خلال الأسبوع الماضي.
وبذلك تظل الفجوة بين السعرين عند مستويات مرتفعة، بما يعكس استمرار الطلب على النقد الأجنبي خارج القنوات الرسمية.
خبراء: الفجوة أوسع من مجرد مضاربة
ويرى الخبير الاقتصادي والمالي أبوسيف أغنية أن استمرار الفارق بين السعر الرسمي والموازي يرتبط بمجموعة من العوامل الاقتصادية والمالية والنقدية، موضحًا أن الاختلالات في دورة النقد الأجنبي والنقد المحلي تتيح للمضاربة التأثير في حركة الأسعار.
ويشير أغنية إلى أن نقص المعلومات المنتظمة بشأن الاحتياطيات والسياسات النقدية، إلى جانب حالة عدم اليقين، يمكن أن يعزز تأثير التوقعات والشائعات في السوق.
كما يرى أن الاحتفاظ بالعملات الأجنبية خارج القطاع المصرفي، وتفضيل الأفراد والتجار الاحتفاظ بجزء من أموالهم خارج الجهاز المصرفي، يحدان من قدرة أدوات السياسة النقدية التقليدية على التأثير الكامل في المعروض النقدي.
ضخ العملة الأجنبية.. هل يكفي؟
ويقول أغنية إن ضخ العملات الأجنبية في السوق لا يؤدي بالضرورة إلى معالجة الاختلالات بصورة مستدامة، إذا لم يترافق مع إجراءات تعالج أسباب الطلب المرتفع على النقد الأجنبي.
ويضيف أن الاستجابة للأزمة تتطلب حزمة متكاملة تشمل السياسة النقدية والمالية والتجارية، إلى جانب ضبط وإدارة الطلب على العملات الأجنبية وتسهيل الإجراءات الرسمية أمام المواطنين والتجار.
وتأتي هذه القراءة في وقت يؤكد فيه مصرف ليبيا المركزي نشر بيانات الإيرادات والإنفاق بصورة دورية، إذ أظهر آخر بيان للفترة من يناير حتى نهاية أغسطس 2026 تسجيل إيرادات إجمالية بنحو 98.98 مليار دينار، بينها 80.8 مليار دينار من إيرادات مبيعات النفط و15.3 مليار دينار من الإتاوات النفطية.
أرقام الصرف تكشف حجم الضغط
ويرى الخبير الاقتصادي خالد الكاديكي أن حركة الدولار في السوق الموازية خلال الأسابيع الأخيرة تعكس استمرار الفجوة بين الطلب على العملة الأجنبية والمعروض عبر القنوات الرسمية، إلى جانب تأثيرات الإنفاق العام وسرعة الحصول على النقد الأجنبي ومستوى الثقة في السوق.
وبحسب بيانات السوق المنشورة خلال سبتمبر، بلغ الدولار في السوق الموازية 9.64 دينارًا في 26 سبتمبر قبل أن يتراجع إلى نحو 9.54 دينار في اليوم التالي، في حين ظل السعر الرسمي قرب مستوى 6.4 دينار للدولار.
وتعني هذه المستويات أن الفارق بين السعرين لا يزال يتجاوز ثلاثة دنانير للدولار الواحد، بما يرفع تكلفة الحصول على العملة الأجنبية خارج القنوات الرسمية ويزيد الضغوط على الأنشطة التي تعتمد على الاستيراد.
النفط يمول جانبًا كبيرًا من الموارد
وتظهر بيانات مصرف ليبيا المركزي استمرار الاعتماد الكبير على الإيرادات النفطية؛ إذ شكلت إيرادات مبيعات النفط أكثر من 96 مليار دينار من إجمالي الإيرادات خلال الأشهر الثمانية الأولى من العام.
ويشير صندوق النقد الدولي، في بيان بعثة مشاورات المادة الرابعة لعام 2026، إلى أن استمرار الطلب الزائد على النقد الأجنبي ساهم في بقاء الفجوة بين السعرين الرسمي والموازي، كما ربط الضغوط المالية بارتفاع التضخم وتراجع القوة الشرائية.
المواطن في مواجهة فاتورة ارتفاع الدولار
ولا تتوقف تداعيات سعر الصرف عند سوق العملات، إذ تنتقل آثار ارتفاع الدولار إلى تكلفة الاستيراد، ثم إلى أسعار عدد من السلع والخدمات في اقتصاد يعتمد بدرجة كبيرة على الواردات.
ويرى الكاديكي أن ارتفاع تكلفة العملة الأجنبية يمكن أن ينعكس بصورة تدريجية على أسعار الغذاء والدواء والاحتياجات الأساسية، بما يضع مزيدًا من الضغوط على دخول الأسر.
ويؤكد مواطنون أن استقرار الأسعار يمثل النتيجة الأهم بالنسبة لهم، مطالبين بتوفير النقد الأجنبي عبر القنوات الرسمية والحد من المضاربة وتقليص الفارق بين السعرين الرسمي والموازي.
تحذير من تعديل جديد لسعر الصرف
وفي سياق متصل، حذرت الإعلامية والباحثة في شؤون الأمن والهجرة ريم البركي، في منشور عبر حسابها على مواقع التواصل الاجتماعي، من احتمال اتجاه مصرف ليبيا المركزي إلى تعديل جديد لسعر الصرف خلال الفترة المقبلة، وربطت ذلك بما وصفته بضغوط الإنفاق والعجز على الاحتياطيات.
وهذا الطرح يبقى توقعًا وتحذيرًا صادرًا عن البركي، وليس إعلانًا رسميًا عن قرار مرتقب من مصرف ليبيا المركزي.
ودعت البركي المواطنين، وفق ما ورد في منشورها، إلى الاحتفاظ بالعملات الأجنبية قدر الإمكان، معتبرة أن ذلك قد يساعد الأسر على حماية مدخراتها من تراجع القوة الشرائية للدينار في حال استمرار الضغوط على سعر الصرف.
بين الرواتب والقوة الشرائية
وتطرح أزمة سعر الصرف مفارقة اقتصادية واضحة: زيادة الدخول الاسمية لا تعني بالضرورة تحسن القوة الشرائية إذا تزامنت مع ارتفاع الأسعار وتراجع قيمة العملة المحلية في السوق الموازية.
ومن هنا، فإن قدرة أي زيادة في الرواتب على تحسين مستوى معيشة المواطنين تظل مرتبطة بمسار التضخم واستقرار سعر الصرف والأسعار المحلية.
المركزي أمام اختبار معالجة الأسباب
ويُظهر المشهد الحالي أن أدوات السياسة النقدية وحدها قد لا تكون كافية لمعالجة الفجوة إذا استمرت العوامل المالية والاقتصادية التي تدفع الطلب على الدولار.
كما أن استمرار الاعتماد المرتفع على النفط يجعل استقرار النقد الأجنبي مرتبطًا بدرجة كبيرة بتدفقات القطاع النفطي وإدارة الإيرادات والإنفاق العام.
وفي المقابل، يؤكد مصرف ليبيا المركزي أن نشر بيانات الإيرادات والإنفاق يأتي ضمن جهوده لتعزيز الإفصاح والشفافية وإتاحة صورة أوضح عن الوضع المالي والاقتصادي للدولة.
إلى أين يتجه الدينار؟
مع اقتراب نهاية الربع الثالث من 2026، لا تكمن القضية في مستوى الدولار في يوم واحد، بقدر ما تكمن في قدرة السلطات النقدية والمالية على تقليص الفجوة بصورة مستدامة، وتوفير النقد الأجنبي عبر القنوات الرسمية، والسيطرة على الضغوط التضخمية.
ويبقى المواطن في قلب هذه المعادلة؛ فكلما طال الفارق بين السعرين الرسمي والموازي، ازدادت صعوبة حماية الدخول والمدخرات من أثر ارتفاع الأسعار، بينما يتطلب استقرار الدينار معالجة أوسع تتجاوز التدخلات المؤقتة في سوق الصرف إلى إصلاحات مالية ونقدية واقتصادية متكاملة.


