نفط ليبيا يتبخر في فاتورة الأجور… واقتصاد التناقضات يبتلع ثروة الليبيين
صندوق النقد الدولي يدق ناقوس الخطر: فاتورة الأجور 30% من الناتج المحلي... والدين العام يلامس 146%... وحكومة الدبيبة تواصل الإنفاق الاستهلاكي
ليبيا 24
اقتصاد التناقضات في ليبيا: حين يبتلع الاستهلاك ثروة الأجيال… ومواطن مكلوم يدفع الثمن
في بلد يسبح على بحر من الذهب الأسود، يجد المواطن الليبي نفسه محاصراً بين فاتورة أجور متضخمة تلتهم عائدات النفط، وقطاع تنمية لا يكاد يذكر، وحكومة منتهية الولاية تواصل سياساتها الاقتصادية وكأن البلاد تعيش في نعمة دائمة لا تنضب.
بيانات مصرف ليبيا المركزي تكشف عن مفارقة صارخة: إيرادات نفطية وضريبية تقارب 99 مليار دينار خلال الأشهر الثمانية الأولى من 2026، منها 80.8 مليار دينار من المبيعات النفطية و15.3 مليار دينار من الضرائب، أي أن 97% من إجمالي الإيرادات العامة تأتي من النفط والضرائب.
وفي المقابل، بلغت المرتبات المدرجة في الباب الأول 46.9 مليار دينار من دون احتساب مرتبات أغسطس، مقابل نحو 912.8 مليون دينار فقط لباب التنمية.
ويوضح المصرف أن النفقات التسييرية وبند الدعم يتضمنان أيضاً مرتبات لبعض الجهات والشركات العامة، ما يعني أن فاتورة الأجور الحقيقية أكبر من الرقم المعلن.
والأخطر من ذلك، أن استخدامات النقد الأجنبي والالتزامات القائمة تجاوزت الإيرادات النفطية والضرائب المحصلة بالدولار بنحو 4.9 مليارات دولار حتى نهاية أغسطس، وهو فرق بين موارد العملة الأجنبية واستخداماتها، يختلف عن عجز الموازنة العامة المقاس بالدينار.
تشخيص مشترك… بين الخبير الليبي والصندوق الدولي
حين يصف الخبير الاقتصادي محمد أبو سنينة الاقتصاد الليبي بأنه “اقتصاد التناقضات والغموض”، فإنه لا يقدم وصفاً بلغة محلية فحسب، بل يلتقي في جوهره مع تقييم بعثة صندوق النقد الدولي.
فالرأيان ينطلقان من نقطة واحدة: المشكلة ليست في نقص الموارد، بل في غياب رؤية اقتصادية واضحة ونموذج محدد لإدارة الاقتصاد. ويشير أبو سنينة إلى أن التناقضات لا تقتصر على قطاع بعينه، بل تظهر في مختلف الظواهر الاقتصادية والإجراءات والأحداث، وتمتد من مؤسسات الدولة إلى القطاع الخاص، بما يعكس الصورة المرتبكة للمشهد العام.
ويضيف أن بعض السياسات التي يفترض أن تعالج مشكلات اقتصادية أو تشوهات قائمة قد تؤدي إلى نتائج عكسية، لأن البيانات أو المدخلات الخاطئة تقود إلى نتائج خاطئة من دون أن يتبع ذلك بالضرورة مراجعة للسياسات.
ويقدم أبو سنينة الرقم الذي يختصر الكارثة: فاتورة الأجور والمرتبات ارتفعت بنسبة 263% بين عامي 2020 و2025، مقابل زيادة الناتج المحلي الإجمالي بنسبة 25.9% فقط خلال الفترة نفسها.
هنا يتدخل صندوق النقد الدولي ليكمل الصورة من زاوية مختلفة، إذ قدر في بيانه الصادر في 10 إبريل الماضي فاتورة الأجور بنحو 30% من الناتج المحلي الإجمالي، وهي من بين أعلى النسب عالمياً، داعياً إلى إصلاح التوظيف الحكومي وترشيد فاتورة الأجور ضمن إجراءات معالجة الاختلال المالي.
وبحسب البيان ذاته، بلغ عجز المالية العامة نحو 30% من الناتج المحلي في 2025، فيما ارتفع الدين العام إلى نحو 146% من الناتج. وهنا يلتقي التحذير المحلي بالتحذير الدولي: ارتفاع الإيرادات النفطية لا يعالج وحده الاختلالات، واستخدام المكاسب المؤقتة لتمويل التزامات إنفاق يصعب خفضها قد يزيد مواطن الضعف عندما تعود أسعار النفط إلى مستوياتها الطبيعية.
ويدعو الصندوق إلى ادخار جزء من الإيرادات الاستثنائية لبناء هوامش مالية وتنفيذ الإصلاحات، مع توجيه الاستثمارات العامة وفق خطط متعددة السنوات وأولويات واضحة، تراعي الموارد المتاحة وقدرة الاقتصاد على استيعابها، وتعزز أنظمة المشتريات والرقابة.
نفط يصدر ووقود يستورد… المفارقة التي تلتهم النقد الأجنبي
تظهر المفارقة أيضاً في قطاع الطاقة، إذ تعتمد ليبيا على تصدير النفط الخام، بينما تستورد جزءاً من احتياجاتها من المحروقات، بما يفرض تكاليف على المالية العامة ويستهلك النقد الأجنبي.
وهنا تتقاطع أرقام ديوان المحاسبة، التي نشرت في 17 أغسطس، مع التحذيرات السابقة: إنتاج النفط الخام بلغ نحو 287.9 مليون برميل خلال الأشهر السبعة الأولى من 2026، فيما بلغت الكميات المصدرة نحو 193.4 مليون برميل، بقيمة إجمالية للصادرات النفطية نحو 18.46 مليار دولار.
لكن تكلفة توريد المحروقات من الخارج وصلت إلى نحو 6.12 مليارات دولار، مقابل كميات تقارب 6.11 ملايين طن متري، وردت عبر 207 شحنات خلال الفترة نفسها. وأشار الديوان إلى إنهاء العمل بنظام مبادلة النفط بالمحروقات في 12 فبراير الماضي، والانتقال إلى نظام فتح الاعتمادات المستندية وتغطيتها من الإيرادات النفطية.
فالمفارقة ليست في الأرقام وحدها، بل في أن بلداً يملك أكبر الاحتياطيات النفطية في أفريقيا يظل رهيناً لاستيراد الوقود الذي يستهلك جزءاً من عائداته بالعملة الصعبة.
اقتصاد مقلوب… حين يستهلك النفط بدل أن يستثمر
هنا يتوسع أستاذ الاقتصاد بالجامعات الليبية أحمد المبروك في التشخيص، فيلتقي مع أبو سنينة في أن مشكلة الاقتصاد الليبي لا تكمن في نقص الموارد، وإنما في طريقة إدارة عائدات النفط، التي تذهب نسبة كبيرة منها إلى الإنفاق الاستهلاكي والمرتبات والدعم، مقابل محدودية الاستثمار والإنتاج المحلي.
ويضيف المبروك أن هذه المعادلة تخلق اقتصاداً “مقلوباً”، إذ يمول النفط الإنفاق، فيرفع الطلب على الاستيراد والنقد الأجنبي، بينما يؤدي ضعف الإنتاج المحلي إلى زيادة الضغوط على سعر الصرف والأسعار والقوة الشرائية.
وهنا يربط المبروك معالجة الضغوط على سعر الصرف بتوجيه حصة أكبر من عائدات النفط إلى الإنتاج المحلي وتقليص الاعتماد على الواردات، مؤكداً أن زيادة إنتاج النفط وحدها لا تكفي لمعالجة الاختلالات ما لم تتحول حصة أكبر من عائداته إلى استثمار منتج وتنويع مصادر الدخل.
ويخلص إلى أن ليبيا لا تعاني من نقص الثروة بقدر ما تعاني من اقتصاد يستهلك ثروته أكثر مما يستثمرها.
ويأتي أستاذ التمويل والمصارف بجامعة المرقب، جمعة المنتصر بالله، ليكمل هذا الطرح من زاوية مختلفة دون أن يناقضه: ارتفاع إنتاج النفط أو تحسن أسعاره يوفر للدولة قدرة أكبر على الإنفاق، لكنه لا يعالج بمفرده ضعف القطاعات غير النفطية.
ويضيف أن الاقتصاد يصبح أكثر عرضة للصدمات كلما بقيت الإيرادات العامة مرتبطة بالخام، ولم تتحول نسبة كافية من عائداته إلى استثمارات تزيد الإنتاج خارج قطاع النفط.
فبينما يركز المبروك على سعر الصرف كحلقة ضغط مباشرة، يوسع المنتصر بالله الدائرة نحو تنمية القطاعات غير النفطية، لكنهما يتفقان في النهاية على أن الاعتماد الأحادي على الخام هو أصل الداء، وأن تنويع مصادر الدخل هو الشرط الأول للخروج من الحلقة المفرغة.
الفجوة بين الوعود والتنمية… مواطن يدفع الثمن
في خضم هذا الجدل الاقتصادي، تبرز حقيقة سياسية لا يمكن تجاهلها: حكومة منتهية الولاية تدير هذا الملف الحساس، وتواصل الإنفاق بلا رؤية تنموية واضحة.
فالفجوة بين 46.9 مليار دينار مرتبات و912.8 مليون دينار تنمية ليست مجرد رقمين، بل هي تعبير صارخ عن خيارات سياسية تضع الاستهلاك والولاءات فوق الاستثمار والمستقبل.
والمواطن الليبي، الذي يرى ثروة بلاده تتدفق بالمليارات، يجد نفسه أمام واقع مرير: رواتب تلتهمها الضغوط التضخمية، وخدمات صحية وتعليمية متراجعة، وبنية تحتية متهالكة، وشباب يحلم بالهجرة بحثاً عن فرصة ضائعة في وطن يملك كل مقومات الحياة الكريمة.
ثروة تتبخر… ومستقبل معلق على برميل
في ظل هذا المشهد، يبقى السؤال الأكثر إلحاحاً: إلى متى سيظل الليبيون يدفعون ثمن غياب الرؤية الاقتصادية وسوء إدارة ثرواتهم؟ وإلى متى ستبقى فاتورة الأجور والولاءات تلتهم أحلام جيل كامل في حياة كريمة؟ الأرقام لا تكذب، والتصريحات تتقاطع، لكن الحل لا يزال غائباً… والمواطن الليبي، المكلوم، ينتظر.



