رياضة

غيث يفكك هندسة الفوضى المالية في ليبيا: الخزانة الموحد “طوق نجاة” والدعم العشوائي “ثقب أسود” يبتلع موارد الليبيين

غيث يحذر من “متناقضات قاتلة” في السياسة المالية ويطالب بتوحيد الخزانة لوقف الهدر.

ليبيا 24

غيث: ليبيا تدفع فاتورة دعم وقود خيالية بينما تفتقر لميزانية موحدة وضوابط صرف واضحة.

خزانة مشلولة وفساد ممنهج: التشخيص القاسي لاقتصاد ما بعد “الشرعية الزائفة”

في وقت تتكاثر فيه الأزمات وتتشابك فيه خيوط المشهد الليبي، يطل علينا الدكتور امراجع غيث، عضو مجلس إدارة مصرف ليبيا المركزي سابقاً، بتشخيص لا يرحم لواقع مالي أصبح فيه الهدر قاعدة والفساد نظاماً.

تصريحاته، التي جاءت عبر صفحته على فيسبوك، ورصدتها ليبيا 24، لم تكن مجرد انتقاد عابر، بل كانت أشبه بنداء استغاثة من داخل مؤسسة سيادية يرى صاحبها أن البلاد تنزلق نحو هاوية مالية بفعل قرارات متناقضة ومصالح ضيقة، في ظل غياب الإرادة السياسية الحقيقية لإنقاذ ما يمكن إنقاذه.

حساب الخزانة الموحد: الحل الذي ترفضه المنظومة

يضع غيث يده على الجرح الأول والأعمق: غياب نظام حساب الخزانة الموحد. ففي ظل انتشار آلاف الحسابات الحكومية المتناثرة، تجد السيولة النقدية طريقها بسهولة إلى ممارسات تضر بالمال العام.

ويؤكد الخبير المصرفي أن تطبيق هذا النظام هو “الحل الوحيد” لكبح جماح الهدر والفساد، لأنه سيحد بنسبة كبيرة من هذه الممارسات التي تستنزف موارد الدولة. هذا الطرح ليس ترفاً فكرياً، بل ضرورة ملحة فرضتها الفوضى المالية التي جعلت من الصرف على “البواقي” والمصروفات غير المبررة سلوكاً يومياً، في غياب رقابة مركزية فعالة.

متناقضات “الريغانية” الليبية: مطالب شعبية تتناقض مع إمكانيات الدولة

يستعرض غيث مفارقات السياسة المالية الليبية بأسلوب يكشف زيف الخطاب السائد، مستشهداً بمفارقة الرئيس الأمريكي الأسبق رونالد ريغان الذي وعد بخفض الضرائب وتوازن الموازنة وزيادة الإنفاق الدفاعي في آن واحد، وهي وعود وصفها غيث بأنها “متناقضات لا يمكن التنسيق بينها”.

في ليبيا، يرى غيث أن المشهد أكثر تعقيداً: فالبعض يطالب بزيادة المرتبات دون تحديد من يستحقها فعلاً أو النظر إلى الفئات الأخرى غير الموظفة، وآخرون ينادون بحرية الحصول على العملة الصعبة دون قيود “حتى يتساوى سعر السوق السوداء مع السعر الرسمي”، بل إلغاء السعر الرسمي، بينما يتمسك الجميع بأسلوب الدعم الحالي للوقود رغم ما فيه من هدر لمليارات بحجة الإبقاء على الأسعار منخفضة، متسائلاً: “فهل هي صدقاً منخفضة؟”.

وفي مقابل هذه المطالب، يشير غيث إلى أن البعض يطالب بتخفيض الإنفاق، معترفاً بوجود نفقات غير مبررة في السفارات “يجب إلغاء 75% منها”، لكنه يتساءل بمرارة: “كم توفر لنا من تخفيضها؟”، مؤكداً في الوقت ذاته أنه ليس ضد إغلاقها.

وهنا تتجلى المفارقة الكبرى: المطالبة بالمحافظة على الاحتياطي من النقد الأجنبي، في وقت يتوقع فيه انخفاض أسعار النفط بمجرد انتهاء الأزمات الحالية، ناهيك عن أن ليبيا لا تستفيد من الارتفاع الحالي في الأسعار لأن جزءاً كبيراً من الزيادة يذهب ثمناً لفاتورة النفط المرتفعة.

ونتيجة لكل هذه الضغوط والمطالب المتناقضة، يحذر غيث من أن البلاد “ستضطر إلى استخدام الاحتياطي”، في سيناريو يتكرر فيه ما تفعله الدول عند تعرضها لأزمات، حيث تلجأ إلى تجميد أي زيادة في الإنفاق وتخفيض النفقات غير الضرورية بل إيقافها نهائياً.

“ماذا يريد أصحاب القرار؟”: أسئلة وجودية بلا إجابات

ينتقل غيث من الاقتصاد إلى السياسة في تسلسل منطقي يفضح عجز الطبقة الحاكمة. ويرى أن “الفوضى عندما تصل إلى موارد الدولة فهذا أمر خطير، وعندما يصل التلاعب إلى أموال الليبيين فهذا منتهى الاستهتار”.

ويطرح غيث سلسلة من الأسئلة المصيرية التي تختصر أزمة ليبيا السياسية والاقتصادية في آن واحد، متسائلاً عن أسباب رفض أصحاب القرار تحسين دخل المواطن، وتخفيض سعر الدولار لتخفيف عبء التضخم، والتنازل عن المصالح وتكوين حكومة واحدة، ووضع أسس وموعد محدد للانتخابات، ووضع ضوابط للإنفاق وأولها “الاتفاق على ميزانية واحدة بعيداً عن شرعية زائفة”، وإصلاح سياسة الدعم “الفاشلة” التي تلتهم 30% على الأقل من الإيرادات، وتبني سياسة اقتصادية وتنموية ناجحة ومحددة الأهداف.

من “1/12” إلى “مقترحات فبراير”: تفكيك هندسة الفساد القانوني

يكشف غيث عن الآلية التي تم بها تكريس هذه الفوضى، بدءاً من “قاعدة 1/12” للصرف دون التقيد بشروطها، بل إن هناك من يطبق الصرف على أساس الميزانية المقترحة استناداً إلى مقترحات “لجنة فبراير”.

وهنا يضع غيث النقاط على الحروف: “إما أن تؤخذ المقترحات كلها أو تترك كلها”. ويشير إلى أن هذه المادة كانت محل جدال حتى لو أقرت سيتم تعديلها لأنها “لا تتماشى مع المنطق”.

لكن السبب “الأهم” في هذه الفوضى المالية، بحسب غيث، هو مخالفة المواد 18-22 من القانون المالي للدولة لسنة 1967، والمواد من 98 إلى 108 من لائحة الحسابات، والتي حددت كيفية الصرف ومن له حق الصرف (أي سداد الأموال).

ويشرح أن هذا الحق كان محصوراً في مديريات الشؤون المالية بالمحافظات، فعندما كان عدد المحافظات 10 كانت هناك عشر خزائن للصرف فقط، أي أن الصرف كان مركزياً عبر هذه المديريات (مراقبات الخدمات المالية حالياً) لكافة المؤسسات والمصالح، باستثناء حالات بسيطة مثل الجامعات.

فالجهات الحكومية، كما يوضح غيث، لها الحق في التعاقد والشراء في حدود ميزانيتها المخصصة، أما السداد فهو مركزي عند وزارة المالية ومراقباتها.

هذا التجاهل للقانون هو ما فتح الباب على مصراعيه أمام الميليشيات والجهات الموازية للعبث بأموال الليبيين، في ظل حكومة تتحدث عن الشرعية بينما تغض الطرف عن “شرعية زائفة” يتمسك بها البعض لتبرير الاستحواذ على المال العام.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى