ليبيا

عترة فتاكة تعبر الحدود ومرتبات معلّقة على قارعة الانتظار: ثروة الليبيين الحيوانية تُنحر ببطء بين التهريب وتخاذل حكومة الدبيبة

ليبيا تسجل إصابات بعترة "سات 1" للمرة الأولى والمركز البيطري يحذر من انهيار القدرة على الاحتواء

ليبيا 24:

نفوق 90 رأساً من الأغنام و85 بقرة في ليبيا وسط نقص حاد في اللقاحات البيطرية وتهريب عبر الحدود الجنوبية

حين تصمت الحكومة… تموت المواشي: تشريح كارثة الحمى القلاعية في ليبيا

إنذار من قلب الميدان

لم يكن تحذير الدكتور محمد العقاب، مدير المركز الوطني للصحة الحيوانية، مجرد تصريح روتيني لوكالة الأنباء الليبية.

كان إنذاراً مبطناً بانهيار منظومة صحية حيوانية كانت يوماً ما صمام أمان للثروة الحيوانية في البلاد.

فمع تأكيد تسجيل إصابات بعترة “سات 1” الفتاكة — وهي سلالة لم يسبق رصدها في ليبيا من قبل — ونفوق 90 رأساً من الأغنام و85 بقرة حتى لحظة إعلان الإحصائيات، يجد المواطن الليبي نفسه أمام مشهد مألوف: كارثة تلوح في الأفق، وحكومة تكتفي ببيانات النعي بعد فوات الأوان.

جذور الأزمة: حدود مهربة ولقاحات غائبة

لم تظهر العترة الجديدة من فراغ. فالأبقار المصابة في سلوق، وفق العقاب، “ذات منشأ أفريقي دخلت البلاد عبر الحدود الجنوبية” بصورة غير قانونية، في تأكيد صارخ على أن سياسة تأمين المنافذ البرية لا تزال حبراً على ورق.

وتهريب الحيوانات من دول الجوار الإفريقي ليس مجرد مخالفة جمركية؛ إنه شريان مفتوح تنزف منه الثروة الحيوانية الليبية أمراضاً وبائية يصعب السيطرة على مساراتها.

ويقر المسؤول البيطري الأول في البلاد بأن “تكرار ظهور الإصابات وصعوبة السيطرة على مسارات التهريب” هو ما يفاقم المشكلة عاماً بعد عام.

غير أن المشكلة الأعمق تكمن في الانهيار شبه الكامل لمنظومة الوقاية. فالحمى القلاعية، كما يوضح العقاب، مرض “شديد العدوى قد تصل نسبة انتشار الإصابة إلى 70% من القطعان ونسبة النفوق إلى 50%”.

ومع ذلك، لا يجد المركز الوطني للصحة الحيوانية ما يستعين به لمواجهة هذا العدو الوبائي سوى “نقص حاد في الإمكانيات واللقاحات البيطرية”.

أزمة المرتبات: حين يُترك الحماة في العراء

لكن الطعن الأكثر إيلاماً في جسد هذه المنظومة هو الإهمال المالي الذي يطال البشر قبل الحجر. فالعاملون في المركز، وفق تصريح العقاب، “لم يتقاضوا مرتباتهم منذ 11 شهراً”.

أحد عشر شهراً من العمل بلا مقابل، في ظل غياب المخصصات المالية العاجلة لاستجلاب اللقاحات.

هذا ليس تقصيراً إدارياً عابراً؛ إنه قرار سياسي ممنهج بترك خط الدفاع الأول ضد الأوبئة الحيوانية ينهار تحت وطأة الإهمال. وكيف يمكن لطبيب بيطري أن يطارد بؤرة وبائية وهو لا يملك ثمن وقود سيارته، أو أن يعالج قطيعاً وهو لم يقبض راتباً منذ عام؟.

التسلسل المتوقع: من البؤرة إلى الكارثة الغذائية

ما يقلق الخبراء ليس الأرقام المعلنة حتى الآن، بل ما تخبئه الأشهر المقبلة. فالعقاب يحذر من أن “استمرار غياب التحصينات قد يؤدي إلى تسجيل بؤر جديدة خلال الفترة المقبلة، خاصة مع انخفاض درجات الحرارة”.

وهنا يتجلى الفارق بين إدارة أزمة وإدارة كارثة. ففي حين تكتفي حكومة الدبيبة المنتهية الولاية بتشكيل لجان وتوجيه أجهزة محلية “بسرعة التحرك” بعد أن يستفحل المرض، يطالب المركز الوطني بما هو أبسط وأكثر جوهرية: “توفير المخصصات المالية العاجلة لاستجلاب اللقاحات البيطرية ودعم جهود مكافحة المرض”.

إن استمرار هذا النهج يعني أن المواطن الليبي — المربي البسيط في سلوق أو قمينس أو بنغازي — سيدفع الثمن مرتين: مرة بفقدان قطعانه التي هي مصدر رزقه الوحيد، ومرة أخرى بارتفاع أسعار اللحوم والألبان عندما تتراجع الثروة الحيوانية الوطنية. وحينها لن تنفع بيانات التضامن ولا لجان التحقيق.

من يحمي الحامي؟

في النهاية، قضية الحمى القلاعية في ليبيا ليست قضية بيطرية فحسب. إنها مرآة تعكس أولويات حكومة تتقن فن إدارة الأزمات الإعلامية وتتجاهل إدارة الأزمات الفعلية.

فبينما يصرخ العقاب محذراً من عترة “سات 1” ومن نفوق القطعان ومن مرتبات معلقة، تبدو الحكومة وكأنها تستمع إلى صوت آخر.

والليبي الذي يرى قطيعه ينفق أمام عينيه لا يحتاج إلى مزيد من التصريحات؛ إنه يحتاج إلى لقاح يصل قبل أن يصل النفوق، وإلى راتب يصل قبل أن يصل الانهيار.

فهل تسمع الحكومة هذه المرة قبل أن تصبح الحمى القلاعية فصلاً جديداً في سجل الكوارث المنسية؟

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى