أزمة دستورية تعمق الانقسام وتكشف فشل أجسام منتهية الشرعية
صراع المؤسسات في ليبيا يعرقل الاستقرار ويقوض المسار الدستوري
ليبيا 24
أزمة جديدة في قلب المشهد السياسي الليبي
عادت الأزمة السياسية في ليبيا لتطل برأسها مجددًا، بعدما تفجّر خلاف علني بين المفوضية العليا للانتخابات من جهة، وكل من حكومة عبد الحميد الدبيبة منتهية الولاية، والمجلس الرئاسي، والمجلس الأعلى للدولة من جهة أخرى، على خلفية اتهامات متبادلة بشأن تعطيل الاستفتاء على مشروع الدستور. أزمة لا يمكن فصلها عن السياق العام للانسداد السياسي، ولا عن حالة التشظي المؤسسي التي باتت السمة الأبرز للمرحلة الانتقالية الطويلة.
هذا التصعيد، الذي خرج إلى العلن عبر بيانات رسمية وتصريحات متبادلة، يعكس حجم التوتر بين الأجسام القائمة، ويعيد إلى الواجهة سؤال الشرعية، وحدود الصلاحيات، ودور المؤسسات الفنية في ظل صراع سياسي مفتوح على إدارة المرحلة المقبلة.
اتهامات متبادلة وتبادل للمسؤوليات
اتهمت أطراف تنفيذية وسياسية المفوضية العليا للانتخابات بعرقلة الاستفتاء الدستوري، معتبرة أن تأخرها في اتخاذ الإجراءات اللازمة أسهم في تعطيل أحد أهم الاستحقاقات المفصلية في مسار الانتقال السياسي. في المقابل، خرج رئيس المفوضية عماد السايح بنفي صريح لهذه الاتهامات، مؤكدًا أن المفوضية ملتزمة بالقوانين النافذة، وأن أي تأخير يرتبط بغياب إطار دستوري وقانوني توافقي، لا بإرادة تعطيلية من داخل المفوضية.
هذا التراشق الإعلامي والسياسي نادر الحدوث بين المفوضية وأجسام يفترض أنها راعية للمسار الانتخابي، لكنه في الوقت ذاته يعكس عمق الخلافات، ويكشف هشاشة العلاقة بين المؤسسات، ويطرح تساؤلات جدية حول قدرة هذه الأطراف على إدارة استحقاقات مصيرية دون انزلاق نحو مزيد من الفوضى.
صراع على المرحلة المقبلة لا على الدستور فقط
يرى مراقبون أن جوهر الأزمة لا يكمن في الاستفتاء على الدستور بحد ذاته، بل في الصراع على من يدير المرحلة القادمة، ومن يملك مفاتيح الشرعية. فالمسار الدستوري تحول من أداة لبناء الدولة إلى ساحة تجاذب سياسي، تستخدم فيها النصوص القانونية كوسيلة لتعزيز المواقع، لا كمدخل حقيقي لإنهاء المرحلة الانتقالية.
وفي هذا السياق، قال المحلل السياسي الدكتور خالد محمد الحجازي إن التصعيد الحالي يعكس اشتداد الصراع على إدارة المرحلة المقبلة، موضحًا أن الاتهامات المتبادلة لا تنفصل عن الخلافات المزمنة حول الإطار الدستوري والقانوني للانتخابات، ومن يملك حق تحديد توقيتها وشروطها. وأضاف أن كل طرف يحاول تحصين موقعه السياسي عبر التأثير في المفوضية أو التشكيك في قراراتها، إدراكًا بأن السيطرة على المسار الانتخابي تعني امتلاك ورقة قوية في معركة الشرعية.
هشاشة التوافقات وانكشاف الشعارات
الأزمة الأخيرة كشفت، بحسب محللين، هشاشة ما يسمى بالتوافقات السياسية، التي طالما رُوّج لها باعتبارها أساس الاستقرار. فبدل أن تكون المفوضية أداة لتنفيذ ما يُتفق عليه سياسيًا، تحولت إلى ساحة صراع تعكس غياب اتفاق حقيقي بين المؤسسات. هذا الغياب لا يؤدي فقط إلى تعطيل الاستحقاقات، بل يعمق شعورًا عامًا بأن الانتخابات تُستخدم كشعار سياسي للاستهلاك الإعلامي، لا كمشروع وطني جاد.
ويحذر متابعون من أن استمرار هذا النهج سيقود حتمًا إلى فقدان ما تبقى من ثقة الشارع في العملية السياسية برمتها، خاصة في ظل تكرار الوعود دون نتائج ملموسة، وتبدل المواقف بحسب موازين القوى لا بحسب المصلحة العامة.
تآكل الثقة وضرب مصداقية الانتخابات
أحد أخطر تداعيات هذا التصعيد يتمثل في تآكل الثقة العامة. فحين تُتهم المفوضية، وهي الجهة الفنية المفترض حيادها، بالانحياز أو التعطيل، فإن أي عملية انتخابية مستقبلية ستكون موضع شك، حتى لو أُجريت شكليًا. الثقة هي العمود الفقري لأي استحقاق انتخابي، وضربها يعني عمليًا إفراغ العملية من مضمونها السياسي والشعبي.
ويرى مراقبون أن الزج بالمفوضية في صراع سياسي مفتوح يمثل مخاطرة كبيرة، ليس فقط على سمعتها، بل على مستقبل المسار الديمقراطي برمته، إذ تصبح نتائج أي انتخابات عرضة للطعن، وتفقد قدرتها على إنتاج سلطة مستقرة تحظى بقبول واسع.
حكومة منتهية الولاية ومأزق الشرعية
في خلفية هذا المشهد، تبرز إشكالية حكومة عبد الحميد الدبيبة، التي يصفها خصومها بأنها حكومة منتهية الولاية، وتفتقر إلى التفويض الشعبي والبرلماني. ويرى معارضو سياساتها أن استمرارها في إدارة المشهد، والدخول في صراعات مع مؤسسات مستقلة، يعمق الانقسام، ويؤجل الوصول إلى تسوية شاملة.
وتواجه الحكومة اتهامات باستخدام شعارات دعم الانتخابات والاستفتاء كغطاء سياسي للبقاء في السلطة، دون تقديم خطوات عملية حقيقية تفضي إلى إنهاء المرحلة الانتقالية، وهو ما يضعها في مواجهة مباشرة مع مطالب واسعة بالالتزام بالشرعية والاستقرار، ووقف سياسات الأمر الواقع.
المجلس الرئاسي ومجلس الدولة تحت المجهر
لم يسلم المجلس الرئاسي والمجلس الأعلى للدولة من الانتقادات، إذ يرى معارضون أن مواقفهما الأخيرة تعكس حالة ارتباك، ومحاولات لتوسيع الصلاحيات خارج الأطر المتفق عليها. ويؤكد هؤلاء أن تحميل المفوضية مسؤولية الفشل السياسي يمثل هروبًا من معالجة جذور الأزمة، المتمثلة في غياب توافق حقيقي على قاعدة دستورية جامعة.
كما يُنظر إلى مجلس الدولة باعتباره أحد أطراف الانقسام، لا جزءًا من الحل، خاصة في ظل الخلافات الداخلية، وتضارب المواقف، واستمرار الجدل حول شرعيته ودوره في المرحلة الحالية.
البرلمان وصمت يثير التساؤلات
في خضم هذا التصعيد، لفت صمت مجلس النواب الأنظار، إذ غاب موقف واضح وحاسم من الأزمة، رغم أن اسمه يلوح دائمًا في خلفية الخلافات حول القوانين الانتخابية والتعيينات. ويرى مراقبون أن استمرار هذا الصمت قد يفتح الباب أمام اتهامات بتكريس الانقسام، أو الاكتفاء بدور المراقب في لحظة تتطلب مبادرات مسؤولة تعيد ترتيب المشهد.
تعقيد المسار في توقيت حساس
تأتي هذه الأزمة في وقت يعلّق فيه الليبيون آمالًا على أي اختراق محتمل في جدار الأزمة السياسية، خاصة بعد إطلاق مسارات حوار جديدة برعاية أممية. غير أن التصعيد الأخير يهدد بتقويض هذه الجهود، ويضيف طبقة جديدة من التعقيد إلى مسار متخم أصلًا بالعقبات.
ويقول المحلل السياسي محمد صالح العبيدي إن مثل هذه السجالات لن تزيد إلا من تعقيد المسار السياسي والانتخابي، وقد تهز مصداقية المفوضية العليا للانتخابات، موضحًا أن التشكيك في دور المفوضية قد يكون مرتبطًا بترتيبات تهدف إلى إعادة هيكلة مجلسها، في ظل غياب إجماع حول مسودة الدستور المطروحة منذ سنوات.
الدستور بين الخلاف والواقع
يُجمع كثيرون على أن مسودة الدستور لم تحظَ يومًا بإجماع وطني حقيقي، وهو ما يجعل الجدل حول الاستفتاء عليها انعكاسًا لخلاف أعمق، لا يمكن حسمه عبر تبادل الاتهامات. فغياب التوافق على نص دستوري جامع يعكس أزمة ثقة بين الفاعلين السياسيين، ويؤكد أن الحل لا يكمن في فرض مسارات أحادية، بل في حوار وطني صادق يضع مصلحة الدولة فوق حسابات السلطة.
معركة الشرعية أم معركة الدولة؟
في المحصلة، تبدو الأزمة الراهنة أقرب إلى معركة على الشرعية منها إلى خلاف إجرائي حول الاستفتاء. معركة يخوضها كل طرف بأدواته، على حساب استقرار البلاد، ومستقبل مؤسساتها. وفي ظل هذا الواقع، يبرز تيار واسع يعلن بوضوح انحيازه للشرعية والاستقرار، ورفضه لسياسات حكومية ومؤسسية يرى أنها تكرس الانقسام، وتطيل أمد المرحلة الانتقالية.
هذا التيار يؤكد أن الخروج من الأزمة يتطلب احترام القوانين، وتوحيد المؤسسات، ووقف استخدام المفوضية ككبش فداء، والذهاب الجاد نحو مسار دستوري توافقي يقود إلى انتخابات حقيقية، لا شكلية، تعيد القرار إلى الشعب، وتضع حدًا لسنوات من الصراع والتجاذب.



