الدبيبة يفتح قنوات مع القصب لإعادة تشكيل نفوذ الزاوية
تحالفات الظل تعيد خلط أوراق السلاح والشرعية بالزاوية
ليبيا 24
لقاء يتجاوز البروتوكول ويكشف حسابات القوة
أعاد ظهور رئيس الحكومة منتهية الولاية عبد الحميد الدبيبة في لقاء مع محمد الأمين العربي كشلاف، المعروف بلقب “القصب”، إلى واجهة المشهد السياسي والأمني في غرب ليبيا أسئلة قديمة متجددة حول طبيعة التحالفات التي تقوم عليها السلطة التنفيذية، وحدود التداخل بين السياسة والسلاح، وكيف تُدار التوازنات في المدن ذات الثقل الاستراتيجي مثل الزاوية. فاللقاء، الذي أثار موجة واسعة من الجدل، لم يُقرأ بوصفه حدثًا بروتوكوليًا عابرًا، بل كخطوة محسوبة ضمن سياق صراع نفوذ متشابك، يتداخل فيه المحلي بالوطني، والأمني بالسياسي.
منذ فترة، دخلت حكومة الدبيبة في مسار تفاوضي غير معلن مع مجموعات مسلحة في الزاوية، في محاولة لاحتواء حالة الرفض المتصاعدة داخل المدينة تجاه الحكومة وسياساتها. ومع تزايد الضغوط السياسية والأمنية، بدا أن الحكومة تبحث عن مداخل جديدة لكسر حالة الاصطفاف ضدها، ولو عبر بوابات مثيرة للجدل.
الزاوية: عقدة الجغرافيا والسلاح والاقتصاد
تُعد مدينة الزاوية إحدى أهم النقاط الاستراتيجية في غرب ليبيا، ليس فقط لقربها من طرابلس، بل لاحتضانها مرافق حيوية، في مقدمتها مصفاة الزاوية وموانئ وممرات بحرية ارتبطت، تاريخيًا، بملفات شائكة مثل تهريب الوقود والهجرة غير النظامية. هذه الأهمية جعلت المدينة ساحة تنافس مستمر بين مجموعات مسلحة متعددة، لكل منها امتداداتها وتحالفاتها ومصادر نفوذها.
وعلى مدار السنوات الماضية، تبلورت في الزاوية معادلة معقدة: قوة مسلحة تسيطر على الأرض، واقتصاد ظل يرفد هذه القوة، وسلطة سياسية تحاول، في أحيان كثيرة، التكيف مع الأمر الواقع بدل تغييره. وفي هذا السياق، جاء لقاء الدبيبة مع القصب ليعكس محاولة لإعادة ترتيب هذه المعادلة، عبر استمالة طرف مؤثر في ميزان القوة داخل المدينة.
القصب في قلب المشهد
يُنظر إلى محمد كشلاف بوصفه أحد أبرز الأسماء المثيرة للجدل في غرب ليبيا، نظراً لارتباط اسمه بملفات أمنية وقضائية معقدة، محليًا ودوليًا. ووفق تقارير وبيانات صادرة عن جهات حقوقية، فإن اسمه مدرج ضمن قوائم عقوبات دولية، مع اتهامات تتعلق بتهريب الوقود والاتجار بالمهاجرين والانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان.
ظهوره إلى جانب الدبيبة، في سياق سياسي رسمي، فتح باب التأويل واسعًا. فالبعض رأى في اللقاء رسالة تحدٍ للانتقادات الدولية، فيما قرأه آخرون باعتباره خطوة براغماتية تهدف إلى تحييد خصم أو كسب حليف في معركة البقاء السياسي.
شق صف الزاوية: هدف غير معلن
تشير معطيات المشهد إلى أن الزاوية، بمجموعاتها المسلحة المختلفة، كانت حتى وقت قريب تميل في غالبيتها إلى موقف رافض للدبيبة وحكومته. هذا الرفض لم يكن موحد الأسباب، لكنه التقى عند نقطة أساسية: فقدان الثقة في سياسات الحكومة، واعتبارها امتدادًا لمنظومة تحالفات لا تعكس مصالح المدينة.
في هذا السياق، يُفهم التقارب مع القصب كمحاولة لشق هذا الصف، عبر استقطاب شخصية ذات ثقل ميداني، بما يؤدي إلى إرباك حالة الإجماع المناهض للحكومة. فحين ينخرط طرف نافذ في تفاهم مع السلطة التنفيذية، تتغير حسابات باقي الأطراف، بين من يختار التصعيد، ومن يفضل التريث، ومن يسعى إلى إعادة التموضع.
الصراع مع “الفار” وإعادة توزيع النفوذ
لا يمكن فصل هذا اللقاء عن التوترات الأخيرة بين حكومة الدبيبة ومحمد بحرون، المعروف بـ“الفار”، وهو اسم آخر بارز في مشهد الزاوية الأمني. فقد شهدت العلاقة بين الطرفين فتورًا ملحوظًا، ما فتح المجال أمام لاعبين آخرين لمحاولة ملء الفراغ أو استثمار الصراع.
ويرى مراقبون أن القصب استغل هذا التوتر لصالحه، مقدمًا نفسه كبديل قادر على توفير ما تحتاجه الحكومة في هذه المرحلة: قوة على الأرض، وقدرة على التأثير في مفاصل حيوية، مقابل غطاء سياسي وغض طرف رسمي عن أنشطته.
الحاجة إلى القوة مقابل البحث عن الشرعية
تعكس هذه التطورات معادلة مألوفة في ليبيا ما بعد عام 2011: السلطة السياسية تحتاج إلى السلاح لتأمين بقائها، وقادة التشكيلات المسلحة يحتاجون إلى غطاء سياسي يضفي نوعًا من الشرعية على نفوذهم. في هذه المنطقة الرمادية، تتراجع سلطة القانون، وتعلو اعتبارات المصلحة الآنية.
بالنسبة لحكومة الدبيبة، التي تواجه تحديات متزايدة على صعيد الشرعية والاستمرارية، يصبح الاعتماد على تحالفات ميدانية خيارًا أقل كلفة على المدى القصير، رغم ما يحمله من مخاطر بعيدة المدى. أما بالنسبة لشخصيات مثل القصب، فإن الظهور العلني مع عبدالحميد الدبيبة يمنحهم موقعًا تفاوضيًا أقوى، ورسالة ضمنية بأنهم جزء من معادلة الحكم، لا مجرد أطراف هامشية.
مصفاة الزاوية: قلب الرهان
تلعب مصفاة الزاوية دورًا محوريًا في هذا الصراع، بوصفها منشأة حيوية للاقتصاد الوطني، وفي الوقت ذاته نقطة جذب لشبكات تهريب الوقود. السيطرة الفعلية على محيط المصفاة تعني امتلاك ورقة ضغط قوية، سواء في مواجهة الحكومة أو في التفاوض معها.
التقارب مع القصب، الذي يُتهم بالسيطرة على محيط المصفاة، قد يُفسر كرهان حكومي على تحقيق “استقرار مؤقت” في ملف الوقود، أو على الأقل تحييد أحد أبرز مصادر التوتر. غير أن هذا الرهان، وفق منتقدين، يأتي على حساب تعزيز سلطة خارجين عن القانون، وتكريس منطق الصفقات بدل سيادة الدولة.
رسائل سلبية للمجتمع الدولي
أثار اللقاء ردود فعل غاضبة في أوساط حقوقية، اعتبرت أن استقبال شخصية مدرجة على قوائم العقوبات الدولية يمثل انتهاكًا صريحًا لقرارات مجلس الأمن، ويضع الحكومة في موقف محرج أمام المجتمع الدولي. ورأت هذه الجهات أن الخطوة تقوض الجهود الدولية لمكافحة الاتجار بالبشر وتهريب الوقود، وتبعث برسالة مفادها أن الإفلات من العقاب ممكن إذا توفرت أوراق القوة.
كما حذرت من أن مثل هذه اللقاءات تضعف ثقة الضحايا في منظومة العدالة، وتشجع على تكرار الانتهاكات، في ظل غياب المحاسبة.
ظهور شخصيات أخرى يوسع دائرة الجدل
لم يقتصر الجدل على القصب وحده، بل امتد ليشمل ظهور شخصيات أخرى خلال اللقاءات الرسمية، من بينها علاء نصر، الذي يُنسب إليه سجل إجرامي وارتباطه بقضايا خطف وقتل وهجرة غير نظامية، ويُوصف بأنه من المقربين للقصب. هذا الظهور عزز من رواية المنتقدين الذين يرون أن الحكومة باتت تعتمد على شبكة من قادة التشكيلات المسلحة ذات السمعة السيئة، بدل العمل على تفكيكها.
الولاء بدل القانون: معادلة محفوفة بالمخاطر
يقول معارضو هذه السياسات إن ما يجري يكرس معادلة خطيرة قوامها استبدال القانون بالولاء، حيث تُغضّ الطرف عن الجرائم مقابل الحماية والدعم. ووفق هذا المنظور، تتحول الميزانيات العامة إلى أدوات استرضاء، وتُفرغ المؤسسات من مضمونها، بينما يُستخدم المال السياسي لتلميع الفساد وتهميش الأصوات الناقدة.
ويرى هؤلاء أن استمرار هذا النهج سيؤدي إلى مزيد من التآكل في بنية الدولة، ويعمق الانقسام الاجتماعي، ويقوض فرص بناء مؤسسات أمنية موحدة.
بيانات حقوقية وتحذيرات قانونية
في هذا السياق، أصدرت المؤسسة الوطنية لحقوق الإنسان بليبيا بيانًا أعربت فيه عن بالغ استيائها واستنكارها لاستقبال رئيس الحكومة لشخص مدرج ضمن قوائم العقوبات الدولية. واعتبرت المؤسسة أن الخطوة تمثل إخلالًا جسيمًا بقرارات مجلس الأمن ذات الصلة، وانتهاكًا لالتزامات ليبيا الدولية في مجال حقوق الإنسان.
وأكدت أن الواجب القانوني كان يقتضي العمل على ضبط المطلوبين وتقديمهم للعدالة، لا منحهم منصة سياسية، محذرة من أن الصمت الرسمي يشجع على ارتكاب مزيد من الجرائم والانتهاكات.
بين الواقعية السياسية وتفكيك الدولة
يدافع بعض أنصار الحكومة عن هذه الخطوات باعتبارها جزءًا من “واقعية سياسية” تفرضها ظروف معقدة، حيث لا يمكن تجاهل القوى الفاعلة على الأرض. غير أن منتقدين يرون أن هذه الواقعية، إذا لم تُضبط بإطار قانوني واضح، تتحول إلى مسار يقود إلى تفكيك الدولة، لا إنقاذها.
فالتحالفات المبنية على المصالح الآنية قد توفر هدوءًا مؤقتًا، لكنها تزرع بذور صراعات أشد تعقيدًا في المستقبل، حين تتضارب مصالح الحلفاء أنفسهم، أو حين يتغير ميزان القوة.
الزاوية كنموذج لمأزق الدولة الليبية
تكشف تطورات الزاوية، بما تحمله من لقاءات وتحالفات وصراعات، عن مأزق أعمق تعيشه الدولة الليبية: كيف يمكن بناء سلطة مركزية في ظل انتشار السلاح، وتعدد مراكز النفوذ، وضعف المؤسسات؟ وكيف يمكن الموازنة بين متطلبات الأمن الفوري ومتطلبات العدالة وسيادة القانون؟
الجواب عن هذه الأسئلة لا يقتصر على حكومة بعينها، لكنه يتجسد اليوم في قراراتها وخياراتها. ولقاء الدبيبة مع القصب، بكل ما يحمله من دلالات، بات رمزًا لهذا المأزق، وعنوانًا لمرحلة تتداخل فيها الخطوط بين الدولة واللادولة.
خاتمة مفتوحة على احتمالات متعددة
في المحصلة، لا يمكن قراءة هذا اللقاء بمعزل عن السياق العام للأزمة الليبية، حيث تُدار السياسة غالبًا من خلف الكواليس، وتُعقد التحالفات في مناطق الظل. ما إذا كان هذا المسار سيؤدي إلى استقرار نسبي، أم إلى تعميق الفوضى، يبقى سؤالًا مفتوحًا، ستجيب عنه تطورات الأيام والأسابيع المقبلة.
لكن المؤكد أن الزاوية، بما تمثله من ثقل، ستظل ساحة اختبار حقيقية لمدى قدرة أي حكومة على الانتقال من منطق الصفقات إلى منطق الدولة، ومن إدارة الأزمات إلى حلها جذريًا.



