السوق الموازية للعملة في ليبيا تختبر قرار الإغلاق وسط تحديات هيكلية ممتدة
تطورت عبر سنوات من ضعف الرقابة وتأخر المعالجات الحكومية

تشكل السوق السوداء للعملات الأجنبية أحد أبرز مظاهر الاقتصاد الموازي في ليبيا، بعد أن تطورت عبر سنوات من ضعف الرقابة وتأخر المعالجات الحكومية.
ظولم يعد نشاطها مقتصرًا على محال غير مرخصة، بل أصبح يمتد إلى شبكات مالية منظمة تضم أفرادًا وشركات تمتلك رؤوس أموال كبيرة، تستحوذ على النقد الأجنبي المتأتي من عائدات النفط ثم تعيد ضخه بأسعار مرتفعة، محققة هوامش ربح واسعة.
شبكات منظمة ومصادر تمويل معقدة
تغذت السوق الموازية على جملة من العوامل، في مقدمتها محدودية القنوات الرسمية للحصول على الدولار، واستمرار الطلب المرتبط بالاستيراد والعلاج والسفر، إضافة إلى لجوء بعض المتعاملين إلى ادخار العملة الأجنبية. كما تشير تقديرات مراقبين إلى تدفق مبالغ نقدية من الخارج بطرق غير قانونية، بعضها من إصدارات حديثة، ما يعكس وجود شبكات تهريب منظمة تستفيد من الفجوة بين السعر الرسمي والموازي.
هذا الواقع أتاح للسوق الموازية أن تتحول إلى قوة قادرة على التأثير في سعر الصرف، رغم تدفق إيرادات النفط إلى الخزينة العامة. ويؤكد خبراء أن غياب الحوكمة المصرفية الفعالة وتعثر أدوات التحليل المالي والرقابة أسهما في ترسيخ هذه الظاهرة.
قرار الإغلاق بين الرمزية ومتطلبات الاستدامة
القرار الأخير الصادر عن المصرف المركزي بتوجيه الجهات الضبطية لإغلاق محال الاتجار غير الشرعي بالعملة يمثل تحركًا ميدانيًا مباشرًا لمواجهة المضاربة. غير أن خبراء اقتصاديين يرون أن فعاليته ستظل محدودة ما لم تمتد الإجراءات إلى الموردين الرئيسيين للشبكات، مع تتبع التحويلات الكبيرة وملاحقة المضاربين الكبار الذين قد يتمتع بعضهم بنفوذ مالي أو سياسي.
كما يشدد مختصون على ضرورة توفير بدائل رسمية فعالة، من خلال توسيع نشاط مكاتب الصرافة المرخصة والمنصات الإلكترونية، بما يقلص الاعتماد على السوق الموازية. ويُعدّ تعزيز الشفافية المصرفية وضبط تدفق النقد الأجنبي شرطين أساسيين لمنع عودة النشاط الموازي بعد أي حملات إغلاق.
وتكشف التجارب السابقة أن غياب الدعم السياسي والأمني المستمر قد يحد من قدرة الجهات المنفذة على تحقيق نتائج دائمة. فالأزمة النقدية في ليبيا ترتبط بعوامل هيكلية، في مقدمتها الاعتماد شبه الكامل على عائدات النفط وضعف تنويع الاقتصاد، ما يجعل سوق الصرف عرضة للتقلبات والمضاربة.
وبين خطوة الإغلاق ومتطلبات الإصلاح الشامل، يبقى نجاح القرار مرهونًا بمدى قدرته على معالجة جذور الاختلالات، وتعزيز الثقة في الدينار، وترسيخ منظومة رقابية قادرة على ضبط سوق العملة بكفاءة واستدامة.



