اقتصاد

الصكوك المتربصة تعيد الدولار فوق التسعة بعد انخفاضه

في تطور لافت خلال الأيام القليلة الماضية، سجل سعر صرف الدولار الأمريكي أمام الدينار الليبي قفزة مفاجئة عكست التراجع الذي كان قد تحقق مطلع فبراير الجاري، ليعود مجدداً إلى حاجز التسعة دنانير بعد أن كان قد هبط إلى 8.82 دينار.

هذا الارتداد السريع، الذي مر مرور الكرام على الكثيرين، يثير تساؤلات جدية حول فعالية إجراءات المصرف المركزي في السيطرة على السوق الموازي، ويكشف النقاب عن معركة خفية بين السياسات النقدية وقوى مالية منظمة تعمل خارج النظام الرسمي.

فبعد أن أعلن المصرف المركزي عن تنفيذ الأغراض الشخصية لشهر ديسمبر الماضي بقيمة 600 مليون دولار، واستئناف بيع الاعتمادات والأغراض الشخصية لعام 2026، بدت المؤشرات الأولية إيجابية، حيث اتجه السعر نحو الانخفاض بشكل طبيعي. إلا أن هذه الموجة من التفاؤل اصطدمت بحائط صدع غير متوقع، ليستعيد الدولار توازنه فوق مستوى التسعة دنانير في غضون 48 ساعة فقط، مما يؤكد هشاشة الوضع الحالي ووجود أيادٍ خفية تدير اللعبة.

تحليل الخبراء: الصكوك المتربصة تعرقل مساعي الاستقرار

الخبير الاقتصادي مختار الجديد يضع يده على السبب الحقيقي لهذا الارتداد السريع، مشيراً إلى أن ما حدث ليس مجرد مضاربة عابرة، بل هو تدخل منظم من قبل ما يسميه “الصكوك المتربصة بالدولار”. وأوضح الجديد في تحليله أن هذه الصكوك، التي تنتج عن الإنفاق العام المنفلت وغير المدروس، تقف على أهبة الاستعداد لالتهام أي سيولة دولارية تخرج من المصرف المركزي فور اقتراب سعر الصرف من مستويات معينة.

وهذا السلوك، وفقاً للجديد، ينسف أي أمل في قدرة المصرف المركزي على السيطرة الدائمة على سعر الصرف طالما استمر العجز في الميزانية والإنفاق غير المسؤول. وأكد أن المشكلة الحقيقية ليست مع شركات الصرافة ولا التجار، فهؤلاء مجرد مستفيدين من أزمة هم أوجدوها، بل المشكلة تكمن في الجهات التي تصنع الأزمة وتغذيها عبر سياسات مالية تفتقر إلى الانضباط والشفافية.

إنفاق منفلت ودين جديد: خياران مريران أمام المركزي

تكشف الأرقام عن حجم الكارثة التي تنتظر الاقتصاد الليبي، فمنذ بداية يناير وحتى الأربعين يوماً الأولى من عام 2026، بلغ العجز في تمويل الميزانية حوالي 15 مليار دينار، مما يعني تراكماً جديداً للدين العام. هذا الإنفاق المنفلت، بالتزامن مع التدني الملحوظ في الإيرادات النفطية، يضع المصرف المركزي أمام خيارين أحلاهما مر:

· الأول: الاستمرار في استنزاف الاحتياطيات من النقد الأجنبي لمواجهة الطلب المتزايد على الدولار، وهو حل مؤقت ومكلف يهدد الاستقرار المالي للبلاد على المدى البعيد.
· الثاني: ترك السعر يتحرك وفقاً للعرض والطلب، مما يعني وصول الدولار إلى 14 ديناراً كسعر توازني حقيقي، وهو سيناريو كارثي على القوة الشرائية للمواطن الليبي.

صراع المصالح: من المستفيد من ارتفاع الدولار؟

مع إعلان المركزي نيته السماح للأفراد بتحويل مبلغ 2000 دولار وبيعها مباشرة لشركات الصرافة، بهدف تخفيض تكلفة سحب البطاقات وتمكين الشركات من تنفيذ حوالات مباشرة للتجار، يتوقع أن تشن حملة شرسة ضد شركات الصرافة. ويوضح الجديد أن هذه الحملة يقودها من يعملون في سوق البطاقات ويخشون إغلاق أبواب أعمالهم غير المشروعة.

ويحذر الخبير من الانسياق خلف هذه الحملات، داعياً المواطنين إلى فهم طبيعة المشكلة الحقيقية، وهي تتمثل في عدم العدالة في توزيع عائدات النفط، حيث يحصل البعض على مئات الملايين من الدولارات سنوياً بحجة الاعتمادات، بينما يُحرم آخرون من حقهم في الحصول على الدولار بسعر 2000 دولار فقط، معتبراً أن النفط هو ملك لكل الليبيين، ويجب أن توزع عائداته بالتساوي.

إن استمرار هذه السياسات، بين إنفاق منفلت وصكوك متربصة، يبشر ببداية غير مبشرة لعام 2026، ويؤكد أن الطريق إلى استقرار سعر الصرف لا يمر عبر الإجراءات التجميلية، بل عبر إصلاح جذري للمالية العامة وتوزيع عادل للثروة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى