أخبار العالمليبيا

بين وهم الثراء وجحيم الواقع… حين يتحول البحر المتوسط إلى تابوت

مصر تتحرك دبلوماسياً بعد غرق مركب هجرة قبالة كريت ومصير 18 مواطناً معلقاً

ليبيا 24

المتوسط… المقبرة الجماعية للأحلام الإفريقية

في كل مرة يبتلع فيها البحر الأبيض المتوسط ضحايا جدداً، تتجدد المأساة ذاتها، وتتكرر المشاهد ذاتها: نعوش خشبية توارى الثرى، وأمهات ثكالى ينتظرن جثامين أبنائهن، وأرقام باردة تضاف إلى إحصائيات الموت التي لا تنتهي. لكن خلف كل رقم يعلنه بيان رسمي، تختفي حكاية إنسان، كان يحلم بحياة أفضل، فوجد نهايته في الأعماق.

ثلاثة جثامين تصل إلى الوطن، وثمانية عشر اسماً يضاف إلى قوائم المفقودين، وخمسون مهاجراً غير شرعي كانوا على متن مركب واحد انطلق من إحدى الدول المجاورة باتجاه اليونان، في رحلة لم تكتمل. المشهد يتكرر، لكن السؤال يبقى: لماذا يستمر آلاف الشباب في المخاطرة بحياتهم عبر هذا الطريق الخطير، رغم التحذيرات الرسمية ورغم آلاف القصص التي انتهت بمآس مماثلة؟

الوجه الآخر للجنة الموعودة

“إن الوضع الداخلي في البلدان الإفريقية هو الذي يجعل الشباب يحلم بالعيش في أوروبا أو الجنة الموعودة في أذهانهم”، هكذا يصف الدكتور محمد جويلي، أستاذ علم الاجتماع بجامعة تونس، الدوافع النفسية والاجتماعية التي تقف خلف قرار الهجرة. فالشاب الإفريقي، خاصة في المناطق الريفية والفقيرة، ينشأ على فكرة أن أوروبا هي الحل السحري لكل مشاكله، أنها المكان الذي تتحقق فيه الأحلام وتُصنع الثروات.

لكن الواقع مختلف تماماً. فعندما يصل هؤلاء الشباب إلى شواطئ أوروبا بعد رحلة عذاب طويلة، يصطدمون بواقع قاسٍ لا يشبه أحلامهم. يجدون أنفسهم في مواجهة إجراءات قانونية معقدة، وعنصرية مجتمعية، وبطالة متفشية حتى بين أبناء البلدان المستقبلة. كثيرون منهم ينتهي بهم الحال في مخيمات اللجوء، أو في شوارع المدن الأوروبية الباردة، يتسولون لقمة العيش بعد أن كانوا يحلمون بالثراء.

هذه الفجوة بين الحلم والواقع، بين الصورة الذهنية لأوروبا كفردوس مفقود، وبين الواقع المرير الذي ينتظر المهاجرين، هي واحدة من أكثر المفارقات إيلاماً في قضية الهجرة غير الشرعية. فالشباب لا يهاجرون إلى جنة حقيقية، بل إلى صورة ذهنية صنعتها عقود من الروايات الشفوية التي تناقلتها الأسر، وقصص النجاح الفردية التي نادراً ما تروي الجانب المظلم من التجربة.

بين وهم الثراء وجحيم الواقع… حين يتحول البحر المتوسط إلى تابوت

الاقتصاد أولاً… حين يصبح الخروج ضرورة لا اختيار

يقول أشرف ميلاد روكسي، المحامي والخبير في المفوضية الإفريقية لحقوق الإنسان: إن أكثر من تسعين بالمئة من المهاجرين بدوافع اقتصادية، طمعاً في الارتقاء المعيشي المتوهم بالحياة في أوروبا. هذه النسبة المرتفعة تكشف الحقيقة المرة: الهجرة غير الشرعية هي، في جوهرها، قضية اقتصادية قبل أي شيء آخر.

ففي بلد مثل مصر، الذي فقد جنيهه أكثر من ثلثي قيمته خلال السنوات الأخيرة، وتضاعفت أسعار الخبز والوقود عدة مرات، يصبح الحلم بحياة كريمة حلماً بعيد المنال بالنسبة لملايين الشباب. نصف سكان مصر تقل أعمارهم عن ثلاثين عاماً، وهذه الفئة العمرية هي الأكثر تضرراً من البطالة وتدهور الأوضاع المعيشية.

وتشير الإحصائيات إلى أن أكثر من سبعة عشر ألف مصري عبروا البحر الأبيض المتوسط في العام الماضي فقط، مما جعلهم في صدارة المهاجرين غير النظاميين الوافدين إلى أوروبا من إفريقيا. هذا الرقم الضخم يعكس حجم الأزمة، ويعكس أيضاً يأس شباب بأكمله يرى أن مستقبله في وطنه أصبح مسدوداً.

لكن المشكلة لا تقتصر على مصر وحدها. فالقارة الإفريقية بأكملها تعاني من أزمة هيكلية في اقتصاداتها، حيث يقدر معدل النمو الديمغرافي لإفريقيا خلال الفترة الممتدة من 2010 إلى 2026 بنحو 48.6 في المئة، فيما يقدر نصيب الفرد من الناتج المحلي بـ32.3 في المئة فقط. وبالمقابل، في دول الاتحاد الأوروبي، يقدر معدل النمو الديمغرافي لنفس الفترة بنحو واحد في المئة، بينما يقدر نصيب الفرد من الناتج المحلي بـ48.7 في المئة.

هذه الفجوة الصارخة تفسر لماذا يفكر ملايين الشباب الأفارقة في الهجرة، ولماذا هم على استعداد للمخاطرة بحياتهم من أجل الوصول إلى الضفة الأخرى. إنها ليست ترفاً فكرياً أو نزوة شبابية، بل هي ضرورة اقتصادية تفرضها أرقام لا تكذب.

شبكات التهريب… تجارة الموت الرابحة

في خضم هذه المأساة الإنسانية، تبرز جهة واحدة فقط هي الرابحة: شبكات تهريب البشر. هذه العصابات، التي تصفها وزارة الخارجية المصرية بأنها لا تعرف قيماً إنسانية أو أخلاقية، تستغل أحلام الشباب ويأسهم لتحقيق أرباح طائلة.

تعمل هذه الشبكات بطريقة منظمة وعبر حدود عدة، تبدأ من دول المصدر في إفريقيا، مروراً بدول العبور في شمال إفريقيا، وصولاً إلى سواحل الانطلاق نحو أوروبا. تقدم للمهاجرين وعوداً زائفة بوصول سهل وآمن، وتتقاضى آلاف الدولارات مقابل ركوب مراكب غير صالحة للملاحة، ومكتظة بالبشر، ولا تحمل أدنى مقومات السلامة.

المركب الذي غرق مؤخراً قبالة سواحل كريت كان يقل خمسين مهاجراً، أي أكثر بكثير من طاقته الاستيعابية. وهذا ليس استثناءً، بل هو القاعدة في هذه الرحلات. فالمهربون لا يهتمون بسلامة الركاب، بل بعددهم فقط، فكل راكب إضافي يعني أرباحاً إضافية.

وتشير التقديرات إلى أن آلاف المهاجرين لقوا حتفهم في البحر المتوسط خلال السنوات الأخيرة، مما جعله أكثر طرق الهجرة خطورة في العالم. ورغم ذلك، تستمر الرحلات، وتستمر الأرباح، ويستمر الموت.

السياسات الأوروبية… بين الإنسانية والردع

هناك اتهامات للجانب الأوروبي بالتباطؤ في عمليات الإنقاذ، كما يشير الخبير أشرف ميلاد روكسي، خاصة في إيطاليا، حتى يكون ذلك رادعاً لكل من يفكر في الهجرة مرة أخرى. هذه الاتهامات تطرح سؤالاً أخلاقياً صعباً: هل تتخلى أوروبا عن مبادئها الإنسانية من أجل مكافحة الهجرة غير الشرعية؟

واقع الحال يقول إن السياسات الأوروبية تجاه الهجرة تتأرجح بين قطبين متناقضين. من ناحية، هناك التزامات قانونية وإنسانية تلزم الدول الأوروبية بإنقاذ الغرقى واستقبال طالبي اللجوء. فطبقاً لاتفاقية عام 1951 الخاصة باللاجئين، إذا دخل الشخص المياه الإقليمية لدولة ما، فإنه يتحتم عليها استقباله، وإجراء مقابلة لتحديد صفة اللاجئ. ومن ناحية أخرى، هناك ضغوط سياسية داخلية في العديد من الدول الأوروبية تطالب بوقف تدفق المهاجرين، وتتهم الحكومات بالتساهل.

إيطاليا، على سبيل المثال، تستقبل حوالي 140 ألف شخص تم رفضهم كلاجئين، رغم أن القانون يلزمها باستقبالهم وإجراء المقابلات اللازمة. وهذا الرقم الضخم يشكل عبئاً كبيراً على الاقتصاد الإيطالي والمجتمع الإيطالي، ويفسر جزئياً صعود الخطاب المناهض للهجرة في السياسة الأوروبية.

وفي العام الماضي، أبرم الاتحاد الأوروبي اتفاقية للتنمية الاقتصادية بقيمة 7.4 مليارات يورو مع مصر، بهدف الحد من تدفق المهاجرين. هذه الاتفاقية تعترف ضمنياً بأن الحل الحقيقي لمشكلة الهجرة لا يكمن في إجراءات أمنية مشددة، بل في معالجة الأسباب الاقتصادية التي تدفع الشباب إلى الهجرة.

الفخ الديموغرافي… حين تصبح الشباب نقمة

يمثل الشباب في إفريقيا نحو ستين في المئة من إجمالي السكان، وهي نسبة هائلة يمكن أن تكون مصدر قوة هائلة إذا ما أحسن استغلالها. لكن الواقع يقول إن هذه النسبة تتحول تدريجياً إلى قنبلة موقوتة، في ظل غياب فرص العمل، وتدهور الخدمات العامة، وتآكل قيمة العملات المحلية.

ففي المدن الإفريقية الكبرى، يعيش ملايين الشباب في أحياء عشوائية، بدون خدمات صحية أو تعليمية كافية، ومع فرص عمل شبه معدومة. كثيرون منهم يقضون سنوات في الشوارع بحثاً عن عمل لن يجدوه، حتى يصلوا إلى مرحلة اليأس الكامل، فيقررون المجازفة بحياتهم في رحلة الهجرة.

ويؤدي النزوح الجماعي من الريف إلى المدن إلى تفاقم المشكلة. فبسبب النزاعات المسلحة والتدهور الاقتصادي، يفر الآلاف من سكان الريف إلى المدن، مما يزيد الضغط على خدماتها المحدودة أصلاً، ويخلق جيشاً كبيراً من العاطلين عن العمل المستعدين لفعل أي شيء لتحسين أوضاعهم.

هذه الظاهرة ليست جديدة، لكن الجديد هو تسارعها بشكل كبير خلال العقدين الأخيرين. ففي الفترة الممتدة من 1990 إلى 2008، كانت إفريقيا وحدها تمثل 88 في المئة من حجم الضحايا في العالم بسبب النزاعات، مقارنة مع باقي القارات. هذه النزاعات تسببت في نزوح ملايين البشر، ودمرت البنى التحتية، وقضت على فرص التنمية في العديد من المناطق.

حين يتحول الحلم إلى كابوس

لعل أكثر ما يميز ظاهرة الهجرة غير الشرعية هو الفجوة المأساوية بين الحلم والواقع. فالشباب الذين يقررون الهجرة يحلمون بحياة أفضل في أوروبا، لكن القلة القليلة فقط هي التي تحقق هذا الحلم. الأغلبية إما تموت في الطريق، أو تعيش في ظروف أسوأ مما كانت عليه في بلادها.

ففي إيطاليا وحدها، هناك حوالي 140 ألف شخص تم رفضهم كلاجئين، ويعيشون في وضع قانوني غير مستقر، بدون حق العمل، وبدون خدمات اجتماعية، وفي انتظار ترحيل قد لا يحدث أبداً. هؤلاء الأشخاص يعيشون في منطقة رمادية بين القانون والواقع، غير قادرين على العودة إلى بلادهم، وغير مرحب بهم في بلاد المهجر.

وحتى الذين يحصلون على حق اللجوء أو الإقامة، لا يجدون دائماً الحياة التي كانوا يحلمون بها. فكثيرون يعملون في وظائف متدنية لا تتناسب مع مؤهلاتهم، ويعيشون في مساكن متواضعة، ويعانون من التمييز والعنصرية. وبعضهم يندم على قرار الهجرة، لكن العودة إلى الوطن أصبحت مستحيلة بعد أن باع كل ما يملك لتمويل الرحلة.

دروس الماضي… هل يتعلم أحد؟

منذ عشرات السنين، تتكرر مآسي الهجرة غير الشرعية في البحر المتوسط. في كل عام، تغرق مراكب، ويموت مئات المهاجرين، وتنشر وسائل الإعلام صور الجثث والناجين، ثم يمر الأمر وكأن شيئاً لم يكن. تعلن الحكومات تحقيقاتها، وتعد باتخاذ إجراءات، لكن الأرقام ترتفع سنة بعد سنة.

في ديسمبر من العام الماضي، أعلنت مصر مصرع 14 مواطناً بعد غرق مركب هجرة غير شرعية قرب جزيرة كريت اليونانية. وفي يوليو من نفس العام، أعلنت مصر غرق عدد من مواطنيها كانوا على متن قارب قبالة سواحل مدينة طبرق الليبية. وقبل ذلك بعام، كانت هناك مآسٍ أخرى. وهكذا دواليك، في دورة لا تنتهي من الموت والحداد.

السؤال الذي يطرح نفسه: لماذا لا يتعلم أحد من هذه الدروس؟ لماذا يستمر الشباب في تكرار نفس التجربة رغم معرفتهم بالمخاطر؟ الإجابة بسيطة ومأساوية في آن: لأن اليأس أقوى من الخوف. لأن الحياة في بلدانهم أصبحت صعبة إلى درجة أن الموت في البحر يبدو خياراً معقولاً. لأنهم لا يرون أي أمل في المستقبل ينتظرهم في أوطانهم.

المطلوب… حلول شاملة لا ترقيعية

الدكتور محمد جويلي يؤكد أن الحلول الأمنية ليست كافية من قبل الدول العربية، لأن دوافع الهجرة اقتصادية في الأساس، وينبغي أن يكون الحل اقتصادياً وكذلك ثقافياً. هذه المقولة تلخص المطلوب في جملة واحدة: لا يمكن وقف الهجرة غير الشرعية دون معالجة جذور المشكلة.

المعالجة الاقتصادية تعني خلق فرص عمل حقيقية للشباب، وتحسين الأجور، وتوفير حياة كريمة. هذا يتطلب إصلاحات هيكلية عميقة في الاقتصادات العربية والإفريقية، ومكافحة الفساد، وتحسين مناخ الاستثمار. وهو ما تحتاج إلى وقت وجهد، لكنه الحل الوحيد المستدام.

المعالجة الثقافية تعني تغيير الصورة الذهنية عن أوروبا، وتوعية الشباب بمخاطر الهجرة غير الشرعية، وتقديم نماذج نجاح محلية تلهمهم. هذا يتطلب تعاوناً بين الحكومات والمؤسسات التعليمية والإعلامية والمجتمع المدني، لنشر ثقافة واقعية عن الهجرة، لا تبالغ في أحلامها ولا تهول مخاطرها.

على المستوى الإقليمي، هناك حاجة إلى تنسيق أكبر بين دول المصدر ودول العبور ودول المقصد، لتفكيك شبكات التهريب، وتوفير قنوات آمنة للهجرة الشرعية، وتقاسم أعباء استقبال اللاجئين والمهاجرين بشكل عادل.

أرواح تاهت في المتوسط

في النهاية، يبقى البحر الأبيض المتوسط أكبر مقبرة جماعية للأحلام الإفريقية. ثلاثة مصريين لقوا حتفهم، وثمانية عشر في عداد المفقودين، وخمسون أسرة في حالة حداد وترقب. هذه الأرقام قد تمر مرور الكرام في زحام الأخبار اليومية، لكنها تعني لخمسين أسرة نهاية العالم، وبداية معاناة لا تنتهي.

السفارة المصرية في أثينا تواصل جهودها لاستقبال أسر الضحايا، والتنسيق مع السلطات اليونانية لإنهاء إجراءات نقل الجثامين. ووزارة الخارجية تجدد تحذيراتها للمواطنين من مخاطر الهجرة غير الشرعية. لكن هذه الإجراءات، رغم أهميتها، لا توقف رحلة الموت، ولا تردع شبكات التهريب، ولا تعيد الحياة لمن فقدوا.

الدرس الأقسى في هذه المأساة أن من يموتون في البحر ليسوا أرقاماً، بل كانوا بشراً مثلنا، لهم أسماء ووجوه وأحلام. كانوا يريدون حياة أفضل، فوجدوا موتاً في الأعماق. ورحلتهم لم تكن مجرد رحلة هجرة، بل كانت صرخة يائسة في وجه واقع قاسٍ، يدفع الشباب إلى المجازفة بحياتهم من أجل حلم قد لا يتحقق.

يبقى الأمل الوحيد في أن تتحرك الحكومات والمجتمعات لمعالجة جذور المشكلة، قبل أن يبتلع البحر المزيد من الأحلام، وتتحول شواطئ المتوسط إلى مقابر جماعية لشباب أرادوا الحياة فقط.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى