أخبار العالمليبيا

تحت سطوة السلاح.. جريمتا قتل بالتعذيب تعيدان ملف المليشيات في طرابلس إلى الواجهة

مقتل مدنيين بالتعذيب في معتقلات سرية في طرابلس

ليبيا 24

اتهامات رسمية لقائد ميليشيا بجرائم قتل وسط صمت السلطات

في جريمتين هزتا الضمير الإنساني، عادت انتهاكات المليشيات المسلحة في طرابلس لتتصدر المشهد، في حادثتين تكشفان عن وحشية الجماعات الخارجة عن القانون في غرب البلاد، وعن حالة الإفلات الممنهج من العقاب التي تتمتع بها هذه التشكيلات رغم ارتباطاتها العسكرية والأمنية الرسمية.

ففي غضون أيام قليلة، اهتزت منطقة ورشفانة جنوب طرابلس على وقع جريمتي قتل بشعة، راح ضحيتهما المواطنان عبيد مسعود محمد الشعلالي ومنير المهدي علي الأجدل، بعد أن وقعا في قبضة مسلحين ينتمون إلى ما يعرف بـ”الكتيبة 55 مشاة” التي يقودها القيادي البارز معمر الضاوي. الحادثتان أعادتا إلى الأذهان ملف المعتقلين والموقوفين لدى المليشيات، والذين يخضعون لتعذيب وحشي في مراكز احتجاز غير رسمية، في مشهد يخلو من أي رادع قانوني أو أخلاقي .

تقارير حقوقية تتهم جماعات مسلحة غرب ليبيا باختطاف مدنيين وتعذيبهم حتى الموت داخل مقار احتجاز غير رسمية، وسط مطالب بفتح تحقيق قضائي وكشف ملابسات الحوادث

شهادات مروعة من داخل معتقلات الموت

وفقاً لما وثقته المؤسسة الوطنية لحقوق الإنسان في ليبيا، فإن الضحية الأول، المواطن عبيد مسعود محمد الشعلالي، اختطف من مقهى عام في مدينة الزهراء، لتبدأ بذلك رحلة عذاب انتهت بجثة هامدة. أما الضحية الثاني، منير المهدي علي الأجدل، فلم يسلم حتى في منزله، إذ اقتحم مسلحون مجهولون مسكنه ليقودوه إلى مصير مماثل داخل أحد المقار غير الرسمية التابعة للكتيبة نفسها في بلدية الماية.

وتحدثت المؤسسة الحقوقية عن معلومات تفيد بتعرض الضحيتين لتعذيب شديد خلال فترة احتجازهما، ما أدى إلى وفاتهما داخل تلك المقار. وأكدت المصادر الحقوقية أن هذه الانتهاكات تأتي ضمن نمط ممنهج من الاختطاف والاحتجاز التعسفي والتعذيب الذي تمارسه بعض الجماعات المسلحة بحق المدنيين في مناطق نفوذها، في ظل صمت رسمي وغياب تام للرقابة القضائية.

رواية مضللة.. وقتل تحت غطاء أمني

على وقع صدمة الرأي العام المحلي، سارعت الكتيبة 55 مشاة إلى إصدار بيان تحاول فيه تبرير الجريمتين، زاعمة أن الضحايا قتلوا أثناء محاولتهم مهاجمة أحد مقارها العسكرية. غير أن المؤسسة الوطنية لحقوق الإنسان كشفت زيف هذه الرواية، مؤكدة أن المعطيات الميدانية والشكاوى المقدمة تفيد بأن الاثنين اعتقلا في توقيتات متفرقة وأماكن مختلفة، قبل أن يلقيا حتفهما داخل المعتقل، وهو ما يندرج ضمن خانة القتل خارج نطاق القانون .

واعتبرت المؤسسة الحقوقية هذه الادعاءات محاولة يائسة للتغطية على جريمة مكتملة الأركان، مشيرة إلى أن تسليم جثامين الضحايا تم بشروط إذلالية، من بينها دفنها في مواقع تحدده الجهة المسلحة، ودون عرضها على الطب الشرعي بإشراف النيابة العامة، ما يعد انتهاكاً صارخاً للإجراءات القانونية ومحاولة واضحة لطمس الأدلة.

عائلات تفر من منازلها تحت وقع الرعب

لم تقتصر المأساة على الضحايا فحسب، بل امتدت لتطال عائلاتهم التي وجدت نفسها بين خيارين أحلاهما مرّ: إما الصمت والخوف، أو دفع الثمن. وأكدت المؤسسة الحقوقية أن عائلات القتلى تعرضت لتهديدات مباشرة دفعت بعضها إلى النزوح القسري من مساكنها في منطقة ورشفانة، هرباً من بطش المليشيات.

هذا التهجير القسري حال دون تمكن الأسر من متابعة الإجراءات القانونية أو استلام جثامين ذويهم، ما ضاعف من معاناتهم النفسية والمادية، وجعلهم يعيشون حالة من الفقد المزدوج: فقدان عائلهم، وفقدان حقهم في استرداد جثته ودفنها دفناً كريماً. وترى منظمات حقوقية أن هذه الممارسات ترقى إلى مستوى جريمة حرب، خصوصاً مع توثيق حالات وفاة مماثلة في مناطق سيطرة الجماعات المسلحة .

تقارير حقوقية تتهم جماعات مسلحة غرب ليبيا باختطاف مدنيين وتعذيبهم حتى الموت داخل مقار احتجاز غير رسمية، وسط مطالب بفتح تحقيق قضائي وكشف ملابسات الحوادث

جدل قانوني.. مدنيون يحاكمون عسكرياً

من الناحية القانونية، أثارت الحادثتان جدلاً واسعاً حول طبيعة القضاء المختص بالتحقيق في مثل هذه الجرائم. وأكدت المؤسسة الوطنية لحقوق الإنسان أن الضحايا هم من المدنيين الذين لا يحملون أي صفة عسكرية، وبالتالي فإن الاختصاص في التحقيق بوفاتهم يعود حصراً إلى النيابة العامة وليس إلى النيابة العسكرية. واستندت في ذلك إلى قانون القضاء العسكري الليبي رقم 11 لسنة 2013 المعدل، الذي يحصر اختصاص القضاء العسكري بالجرائم العسكرية فقط.

كما شددت المؤسسة على أن قانون حماية المحتجزين رقم 10 لسنة 2013 يجرم التعذيب والمعاملة القاسية، ويفرض على القيادات العسكرية مسؤولية جنائية مباشرة في حال عدم اتخاذ إجراءات لمنع هذه الانتهاكات. ودعت إلى فتح تحقيق قضائي عاجل وشامل في ملابسات الحادثتين، وتسليم الجثامين إلى النيابة العامة لعرضها على الطب الشرعي وتحديد أسباب الوفاة بشكل رسمي وعلني.

معمر الضاوي.. قصة قائد مثير للجدل

في خلفية هذه الجرائم، يبرز اسم قائد الكتيبة 55 مشاة، معمر الضاوي، كأحد أبرز الوجوه المثيرة للجدل في المشهد العسكري والأمني في طرابلس. ينحدر الضاوي من منطقة ورشفانة، وصعد نجمه خلال العقد الأخير عبر مشاركته في صراعات مسلحة متعددة. وقد نجا الضاوي قبل أشهر من محاولة اغتيال في منطقة ورشفانة، أسفرت عن مقتل 12 مسلحاً مهاجماً، في حادثة كشفت عن حالة الاستقطاب الأمني الحاد في المنطقة .

وتتهمه تقارير حقوقية محلية ودولية بالضلوع في انتهاكات متعددة، تتراوح بين الاختطاف والاحتجاز غير الشرعي، والتعذيب، والقتل خارج إطار القانون. وتشير هذه التقارير إلى أن مقار الكتيبة تضم معتقلين غير معلنين، يتعرضون لأسوأ أشكال المعاملة، في ظل غياب أي رقابة من الهيئات القضائية الرسمية.

علاقة جدلية مع السلطة التنفيذية

يثير اسم معمر الضاوي علامات استفهام كبيرة حول طبيعة العلاقة بين بعض قيادات المليشيات المسلحة والسلطة التنفيذية في طرابلس. فرغم الاتهامات الحقوقية الموجهة إليه، يظهر الضاوي في مناسبات عدة إلى جانب رئيس الحكومة منتهية الولاية عبد الحميد الدبيبة، كما أن له حضوراً في لقاءات رسمية، آخرها مشاركته في اجتماعات بلدية لبحث مشاريع تنموية، وهو ما يثير استغراب النشطاء والمراقبين الذين يرون في ذلك “تطبيعاً” مع قائد متهم بارتكاب جرائم .

ويؤكد حقوقيون أن استمرار ظهور قيادات متهمة بارتكاب انتهاكات جسيمة في مناسبات رسمية يعزز ثقافة الإفلات من العقاب، ويرسل رسالة سلبية للضحايا وأسرهم مفادها أن العدالة غير قادرة على الوصول إلى الجناة، وأن النفوذ المسلح أقوى من أي سلطة قانونية .

وتطالب منظمات المجتمع المدني بتحرك عاجل من النائب العام، لفتح تحقيق فوري في الحادثتين، وضمان مثول المسؤولين أمام القضاء، وإنهاء حالة اللامساءلة التي تتيح للمليشيات مواصلة انتهاكاتها بحق المدنيين دون حسيب أو رقيب .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى