ليبيا

انهيار الثقة يعيد الدينار إلى الظل.. كتلة نقدية قياسية خارج مصارف ليبيا

تضخم السيولة خارج القطاع المصرفي الليبي يبلغ تسعة مليارات

ليبيا 24
كتلة نقدية قياسية خارج المصارف بليبيا تهدد الاستقرار
أزمة هيكلية تعمّق الانقسام بين السيولة المكدسة وعجز الصرافات

في مشهد يعكس تناقضاً صارخاً في قلب الاقتصاد الليبي، تواصل الكتلة النقدية المتداولة خارج المؤسسات المصرفية تحقيق أرقام قياسية، لتلامس حاجز التاسعة مليارات دولار بنهاية عام 2025. هذا الارتفاع، الذي بلغت نسبته نحو ثلاثة وعشرين بالمئة خلال سنة واحدة، لم يأتِ نتيجة طبيعية لنمو اقتصادي، بل كشف عن خلل بنيوي في إدارة السياسة النقدية، وعن أزمة ثقة حادة تدفع المواطن والتاجر على حد سواء إلى الاحتفاظ بأمواله خارج النظام الرسمي.

ارتفاع متواصل رغم محاولات السحب

أظهرت النشرة الاقتصادية للربع الأخير من العام الماضي أن النقد المتداول خارج المصارف واصل مساره التصاعدي بلا هوادة. فبعد أن سجل اثنين وخمسين مليار دينار في الربع الأول، قفز إلى أربعة وخمسين ملياراً وثلاثمئة مليون في الربع الثاني، ثم واصل صعوده إلى خمسة وخمسين ملياراً ومئتي مليون في شهر نوفمبر، قبل أن يستقر عند تسعة وخمسين ملياراً مع إغلاق السنة المالية.

هذا التصاعد حدث رغم إعلان إدارة مصرف ليبيا المركزي عن تنفيذ إجراءات لسحب سبعة وأربعين مليار دينار من التداول خلال العام نفسه، وهي عملية ضخمة لو تمت بنجاح لكانت قلصت الكتلة النقدية بشكل ملموس. لكن النتيجة المعاكسة تطرح سؤالاً محورياً: أين ذهبت تلك السيولة المسحوبة، وكيف عادت لتظهر مجدداً خارج القنوات الرسمية؟

اقتصاد الظل يعيد إنتاج نفسه

الخبير المالي محمود سالم يفسر هذا التناقض بأن عملية السحب التي نفذها المصرف المركزي لم تكن موجهة نحو تجفيف منابع الاقتصاد الموازي، بل اقتصرت على إعادة تدوير النقد نفسه عبر قنوات غير رسمية. فالمسحوب من السوق عبر إجراءات مصرفية يعود إليها مجدداً عبر شرائح واسعة من التجار والأفراد الذين يفضلون التعامل النقدي المباشر، هرباً من قيود السحب ومن ضعف الخدمات المصرفية.

والأخطر، وفقاً لسالم، أن جزءاً من هذه السيولة يغذي السوق الموازية للعملات الأجنبية، حيث يتحول الدينار الليبي إلى دولارات بأسعار تفوق السعر الرسمي بأكثر من الثلث، ما يضاعف الضغوط التضخمية ويرفع تكلفة المعيشة على المواطن العادي.

فجوة الثقة تعطل أدوات السياسة النقدية

المحلل الاقتصادي عادل المقرحي يذهب إلى أن المشكلة أعمق من مجرد فائض سيولة. فالمواطن الليبي، الذي عانى لعقود من سياسات مصرفية متقلبة ومن تجميد أموال ومن قيود مشددة على السحب، لم يعد يثق في أن أمواله آمنة داخل النظام المصرفي. هذه الفجوة النفسية جعلت الاحتفاظ بالنقود في المنازل أو لدى التجار سلوكاً وقائياً وليس استثمارياً.

هذا السلوك يحيد فعالية أي أداة نقدية تقليدية. فرفع أسعار الفائدة، على سبيل المثال، لا يجذب ودائع جديدة طالما أن الثقة غائبة. كما أن عمليات السحب النقدي التي ينفذها المصرف المركزي تفشل في تحقيق أهدافها لأنها تصطدم بجدار من التعاملات الموازية التي تعيد ضخ السيولة من أبواب خلفية.

المفارقة المدمرة: سيولة وفيرة وعجز في الصرافات

المصرفي معتز هويدي يصف الوضع الحالي بـ”المفارقة المدمرة”. ففي الوقت الذي تتكدس فيه مليارات الدنانير خارج القنوات الرسمية، تعاني المصارف التجارية من نقص حاد في النقد، وتجد الصرافات الآلية نفسها جافة لأيام متتالية. هذا التناقض يغذي حلقة مفرغة من انعدام الثقة: المواطن لا يودع أمواله في المصرف لأنه لا يستطيع سحبها حين يحتاجها، والمصرف لا يستطيع توفير السيولة لأن الودائع شبه منعدمة.

هويدي يضيف أن هذه المعضلة تعكس فشلاً إدارياً واضحاً في سياسات مجلس إدارة مصرف ليبيا المركزي، الذي يواصل التعامل مع الأزمة بوصفها مجرد مشكلة كمية تحتاج إلى عمليات سحب وتقليص، متجاهلاً أن جوهر المشكلة هو إعادة بناء الثقة وتطوير البنية التحتية للخدمات المالية.

غياب البدائل الإلكترونية يعمق الأزمة

عامل إضافي يفسر استمرار تدفق النقود خارج المصارف، وهو شبه غياب وسائل الدفع الإلكتروني في الاقتصاد الليبي. فالمعاملات التجارية الكبرى، سواء في الاستيراد أو العقارات أو الخدمات، لا تزال تعتمد على النقد المباشر، في ظل غياب شبكات دفع رقمية موثوقة، وارتفاع تكاليف التحويلات المصرفية، وعدم وجود تشريعات تحمي المستخدمين من الاحتيال أو الأخطاء التقنية.

هذه الفجوة التكنولوجية جعلت الاقتصاد الليبي أشبه باقتصاد ثنائي القطب: قطب رسمي خافت الحركة، وقطب موازٍ يتحكم في غالبية التدفقات التجارية والمالية. ومع استمرار هذا الوضع، ستظل أدوات السياسة النقدية عاجزة عن التأثير الحقيقي في التضخم أو سعر الصرف أو حتى حجم السيولة.

إصلاحات غائبة ومستقبل مجهول

الخلاصة التي يتفق عليها المراقبون هي أن استمرار ارتفاع العملة المتداولة خارج المصارف ليس مجرد رقم في نشرة اقتصادية، بل هو مؤشر خطير على تآكل الدولة ومؤسساتها المالية. فحتى لو نجح مصرف ليبيا المركزي في سحب خمسين ملياراً أخرى من التداول، فإن غياب الإصلاحات الهيكلية سيعيد إنتاج الأزمة مجدداً خلال أشهر.

ما لم تتغير سياسات مجلس الإدارة الحالي، وما لم تتبنى إدارة المصرف برامج واضحة لإعادة بناء الثقة، وتحرير القيود على السحب، وتطوير المدفوعات الإلكترونية، فإن الاقتصاد الليبي سيبقى أسير هذه الدائرة المفرغة: سيولة متضخمة خارج المصارف، وتضخم متصاعد، وسعر صرف منفلت، ومصرف مركزي عاجز عن فرض إرادته على السوق.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى