ليبيا

ثروة مدفونة تحت الرمال.. الغاز الليبي بين إغراءات الاحتياطي وكوابيس الانقسام

ليبيا تملك 177 تريليون قدم مكعب غاز غير مستغل رغم قربها من أوروبا

ليبيا 24

احتياطي ضخم من الغاز ينتظر إدارة جديدة لإنعاش الاقتصاد الليبي

في الوقت الذي تعيد فيه دول العالم ترتيب أوراقها الطاقية بحثًا عن مصادر بديلة، تظل ليبيا واقفة على كنز استراتيجي لا يقل أهمية عن النفط، لكنه يبقى أسير معادلة معقدة تجمع بين الإرادة السياسية والاستقرار الأمني والإدارة الرشيدة.

احتياطي معطل منذ عقد

تشير التقديرات الدولية، التي لم تُحدث منذ أكثر من عشر سنوات، إلى امتلاك ليبيا احتياطيًا مؤكدًا من الغاز الطبيعي يبلغ 177 تريليون قدم مكعب. هذا الرقم، وفق مراقبين، لا يعكس حجم الاكتشافات الجديدة التي شهدتها الحقول الليبية خلال الأعوام الأخيرة، والتي تنتظر فقط بيئة استثمارية مستقرة لتدخل دائرة الإنتاج الفعلي.

لكن المفارقة أن هذا المورد الحيوي، الذي كان يمكن أن يكون رافدًا أساسيًا لتنويع الاقتصاد الليبي بعيدًا عن تقلبات أسعار النفط، لا يزال يعاني من التهميش التشغيلي. فالإيرادات العامة لا تزال تعتمد بشكل شبه كلي على النفط الخام، في وقت يشهد فيه سوق الغاز العالمي تحولات جذرية.

ثلاثي الانسداد: السياسة والإدارة والأمن

في تصريحات صحفية رصدتها ليبيا 24، أوضح الأكاديمي والخبير الاقتصادي محمد درميش أن قطاع الغاز في ليبيا يواجه ثلاثة تحديات كبرى تعيق تحوله إلى قاطرة اقتصادية حقيقية. أولها يتمثل في “غياب إدارة جديدة وفعّالة” تمتلك رؤية استراتيجية طويلة المدى لتطوير الحقول وزيادة الإنتاج.

أما التحدي الثاني فيكمن في “استمرار الانقسام السياسي والمؤسسي”، الذي تسبب في شل قدرة الدولة على اتخاذ قرارات موحدة بشأن عقود الاستثمار والشراكات الدولية. وهذا الانقسام، وفق درميش، يُضعف التفاوض مع الشركات العالمية ويدفعها نحو التردد في ضخ استثمارات جديدة.

التحدي الثالث يتمثل في “عدم الاستقرار الأمني”، الذي لا يزال يلقي بظلاله على المناطق النفطية والغازية، مما يجعل تأمين البنية التحتية تحديًا يوميًا يرهق الميزانية ويثني المستثمرين.

ميزة جغرافية لا تُعوض

رغم هذه التحديات، يشير الخبراء إلى أن ليبيا تمتلك ميزة تنافسية نادرة في قطاع الغاز، تتمثل في “القرب الجغرافي من الأسواق الأوروبية”. فهي أقرب إلى الساحل الأوروبي مقارنة بمعظم منتجي الغاز الآخرين، مما يخفض تكاليف النقل ويعزز فرصها في أن تصبح بديلًا استراتيجيًا لأوروبا في ظل سعيها الدائم لتأمين إمدادات طاقية مستقرة.

إضافة إلى ذلك، تمتلك البلاد موارد مالية وبشرية قادرة على قيادة عملية التطوير، لكنها تظل رهينة “الإرادة السياسية والاستقرار اللازم” كما يؤكد درميش.

طريق التحول إلى رافد حقيقي

لن يكون بمقدور الغاز أن يتحول إلى رافد حقيقي لدخل النفط أو داعم فعّال للميزانية العامة، إلا عبر “إصلاحات هيكلية” جذرية. يرى الخبير الاقتصادي أن البداية يجب أن تكون من بوابة اختيار إدارة كفؤة، تُوكل إليها مهمة رسم خريطة طريق واضحة، تتضمن تطوير الحقول القائمة، واستغلال الاكتشافات الجديدة، وإعادة تأهيل البنية التحتية التي تضررت بسبب الإهمال والصراعات.

كما أن إعادة هيكلة القطاع تتطلب فصل الجوانب السياسية عن الإدارة الفنية، وإرساء قواعد الحوكمة والشفافية، لضمان أن تعود عوائد الغاز بالنفع على الاقتصاد الوطني والمواطن الليبي، بدلاً من أن تتحول إلى مصدر إضافي للصراع.

في المحصلة، يظل ملف الغاز الليبي مرآة لحالة الدولة بشكل عام. فطالما استمر الانقسام وضعفت المؤسسات، ستبقى هذه الثروة حبيسة التقارير الدولية والأرقام النظرية. لكن متى ما توافقت الإرادات، وتوفرت الإدارة الرشيدة، يمكن لهذا القطاع أن يكون نقطة التحول الحقيقية في مسار الاقتصاد الليبي.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى