النقابة العامة لموظفي العدل والهيئات القضائية تطعن بإلزامية أحكام العليا لفقدان الاختصاص
الدستورية تنسف شرعية أحكام جهة منعدمة الولاية قضائيا
ليبيا 24
أزمة القضاء الليبي تتفاقم بين إلزامية الأحكام وفقدان الاختصاص
جدل قانوني حاد حول شرعية المحكمة العليا بعد إنشاء المحكمة الدستورية
في تطور يضرب بجذوره في بنية النظام القضائي الليبي، أثارت النقابة العامة لموظفي العدل والهيئات القضائية موجة من الجدل بإعلانها رفض ما تصفه بـ”الإلزام المطلق” لأحكام المحكمة العليا، مستندة إلى ما تراه فقدانا للاختصاص والولاية القانونية عقب صدور القانون رقم 5 لسنة 2023. هذا الموقف يفتح ملفا شائكا حول طبيعة السلطة القضائية في ليبيا وعلاقة الجهات القضائية ببعضها البعض في ظل مرحلة انتقالية متعثرة.
إشكالية الاختصاص بين النص والاجتهاد
لا يختلف اثنان على أن احترام الأحكام القضائية يمثل ركيزة أساسية في أي دولة تحكمها المؤسسات، غير أن النقابة العامة تطرح سؤالا جوهريا: هل يظل الحكم ملزما إذا صدر عن جهة فقدت ولايتها القانونية أصلا؟ وتذهب النقابة في تحليلها إلى أن الإلزام ليس صفة ملازمة لأي حكم قضائي، بل يظل مرتبطا بسلامة الاختصاص والوجود القانوني للجهة المصدرة.
وتشير النقابة إلى أن القانون رقم 5 لسنة 2023 الخاص بإنشاء المحكمة الدستورية العليا، قد نقل الاختصاص في الرقابة على دستورية القوانين بشكل حصري إلى هذه المحكمة، مما يعني ـ وفق وجهة نظرها ـ أن ما يعرف بـ”الدائرة الدستورية” التابعة للمحكمة العليا السابقة قد فقدت أي ولاية في هذا المضمار. وبالتالي، فإن أي حكم يصدر عنها بعد نفاذ القانون يعتبر منعدما قانونيا لصدوره من جهة غير مختصة.
معركة الجريدة الرسمية ورهن القوانين
يمتد النزاع ليشمل آلية نشر القوانين في الجريدة الرسمية، وهي مسألة تبدو إجرائية لكنها تحمل في طياتها أبعادا دستورية عميقة. تستعرض النقابة تاريخ هذه الآلية، فتشير إلى أنه قبل عام 2011، كانت السلطة التشريعية هي الجهة المعنية بنشر التشريعات عبر مدونة التشريعات الصادرة بأمرها. وبعد الثورة، صدر قانون أسند طباعة الجريدة الرسمية إلى وزارة العدل، ثم جاء قانون لاحق من مجلس النواب ليحسم الاختصاص لصالح السلطة التشريعية بوصفها السلطة الوحيدة غير المنقسمة في البلاد.
وتطرح النقابة إشكالية دستورية محرجة: كيف يمكن للقوانين أن تنفذ في عموم ليبيا إذا أصبحت الجهة القائمة على نشرها (وزارة العدل) منقسمة بين حكومتين متنازعتين في الشرق والغرب؟ وتتساءل: كيف يقبل دستوريا أن تصبح إرادة مجلس النواب التشريعية رهينة توقيع أو امتناع سلطة تنفيذية متنازع على مشروعيتها؟
ويرى مراقبون أن هذا الوضع يجعل قوانين مجلس النواب مرهونة بإرادة حكومة الوحدة الوطنية في طرابلس ووزارة العدل التابعة لها، فإذا نشرت القوانين نُفذت، وإن امتنعت جُمدت. وهو ما تصفه النقابة بـ”العدوان الدستوري المكتمل الأركان على مبدأ الفصل بين السلطات”.
ازدواجية القضاء بين النص الدستوري والتطبيق
تعيد النقابة قراءة الإعلان الدستوري لثورة 17 فبراير، وتلفت الانتباه إلى أن المادة (32) منه التي تنص على أن “السلطة القضائية تمارسها المحاكم على اختلاف أنواعها ودرجاتها”، هي صيغة مقتبسة من دساتير تتبنى نظام ازدواجية القضاء، ومن بينها الدستور المصري. وهذا يعني، وفق النقابة، أن فكرة تعدد جهات القضاء ليست غريبة عن النص التأسيسي، بل كامنة فيه منذ البداية.
وتضرب النقابة مثالا بالمقابل، فالدساتير التي تأخذ بنظام وحدة القضاء تنص بشكل صريح على أن السلطة القضائية تتولاها المحكمة العليا والمحاكم الأدنى درجة. ومن هذه الزاوية، فإن تشكيل المحكمة الدستورية بموجب القانون رقم 5 لسنة 2023 لا يعد مخالفا للإعلان الدستوري، بل يجد له أساسا في صياغة تكرس ازدواجية القضاء.
استقلال القضاء بين الشعارات والجوهر
في لفتة تعيد النظر في الموروث القانوني، تذهب النقابة إلى أن استقلال القضاء ليس منة تمنح بنص ولا شعارا يرفع في لحظة سياسية عابرة، بل هو أصل راسخ في الشريعة الإسلامية قبل أن تعرفه الدساتير واللوائح. وتؤكد أن القضاء مستقل في جوهره، سواء سمي سلطة أو وصف بوظيفة، لأن استقلاله نابع من طبيعة رسالته.
وتنتقد النقابة ما تصفه بـ”المبالغة” في القول بأن وجود وزير العدل على رأس المجلس الأعلى للقضاء سابقا كان مساسا بالاستقلال. وتوضح أن وزير العدل، مهما كان موقعه، لا يملك التدخل في صميم عمل القاضي أو الفصل بين الخصوم، وأن القضاء لا يستمد هيبته من العناوين بل من نزاهة رجاله وعدل أحكامه.
بنغازي عاصمة الدستور والقانون
في جزء لافت من بيانها، تتناول النقابة البعد الجغرافي للأزمة، وتذكر أن الدولة الليبية ولدت دستوريا من بنغازي، حيث أقر أول دستور في تاريخ ليبيا سنة 1951، ومنها انطلقت محطات مفصلية في بناء الشرعية الوطنية. وتستغرب النقابة أن بعض الخطابات تحاول اختزال الدولة الليبية في رقعة جغرافية واحدة، وكأن الشرعية تقاس بالموقع لا بالنص.
وتشير النقابة إلى أن أول كلية قانون في تاريخ ليبيا لم تنشأ في طرابلس بل في بنغازي بتاريخ 31 يناير 1962، ومنها تخرجت أجيال من القضاة والمحامين. كما كانت بنغازي حاضنة للجامعة الليبية أول جامعة في البلاد، والمؤسسة الوطنية للنفط، والكلية الحربية، وشركة الخطوط الجوية العربية الليبية، فضلا عن أن مجلس النواب اتخذ من البيضاء مقرا له.
وتلفت النقابة إلى مفارقة تاريخية، فمن ينظر إلى طرابلس على أنها مركز الحضارة بسبب العمارة الإيطالية التي أنشأها الحاكم العسكري إيتالو بالبو، ينسى أن هذا العمران المستعمر جاء في وقت كانت حركة الجهاد قائمة في برقة بقيادة شيخ الشهداء عمر المختار، الذي خلد التاريخ باسمه لا باسم العمارة الإيطالية.
الرقابة المتبادلة بين السلطات
تطرح النقابة مفهوما متقدما للرقابة بين السلطات، فترفض الفصل المطلق الذي قد يفضي إلى تغول سلطة على أخرى. وتؤكد أن الرقابة المتبادلة بين السلطات الثلاث تمثل الضمانة الأساسية لتحقيق الفصل المرن والمتوازن. فكما يملك القضاء سلطة التحقق من دستورية القوانين، فإنه لا يستقيم منطقا أن يراد تحصين عمل القضاء نفسه من رقابة مجلس النواب.
وتحذر النقابة من أن إعفاء السلطة القضائية من كل مساءلة قد يؤدي إلى تحولها إلى سلطة منغلقة تؤسس لنفسها مجالا محصنا داخل الدولة، بما يفضي عمليا إلى قيام “دولة داخل الدولة” لا تخضع إلا لإرادتها الذاتية.
المسؤولية عن تقسيم القضاء
تحمل النقابة الجهة التي تقف وراء صدور الحكم عن الدائرة الدستورية المسؤولية الكاملة عن الآثار المترتبة عليه، وتعتبر أن كل من ساند أو أيد هذا الحكم يعد شريكا في تقويض وحدة المؤسسة القضائية. وتصف هذا السلوك بأنه سبب جوهري في الدفع نحو تقسيم القضاء، مما يهدد وحدة الدولة ويعرضها لخطر الانقسام.
وتذكر النقابة بأن أعلى سلطة في الدولة هي السلطة التشريعية، وهي التي تمنح الاختصاصات وتعدل فيها للسلطتين التنفيذية والقضائية. وإذا ما سحب أي اختصاص لأي محكمة، يصبح ممارسة هذا الاختصاص بعد سحبه خارج القانون، بل تحمل طابع التمرد على الدولة ونظامها ومشروعيتها.
معاناة موظفي محكمة القبة
في خضم هذا الجدل القانوني والسياسي، تطل الأزمة الإنسانية برأسها. فقد وجه موظفو وزارة العدل بمحكمة القبة مناشدة عاجلة إلى رئيس مجلس النواب المستشار عقيلة صالح ووزير العدل خالد المدير، يفضحون فيها أوضاعا مأساوية تتمثل في تأخر صرف مرتباتهم ومستحقاتهم المالية منذ عامين كاملين، رغم استمرارهم في أداء مهامهم الوظيفية.
ويستند الموظفون في مطالبهم إلى نصوص قانونية صريحة هي القرار رقم 57 والقرار رقم 59، ويناشدون المسؤولين التدخل المباشر والتوجيه العاجل للجهات المختصة بصرف كافة مستحقاتهم المتأخرة. وتظهر هذه المناشدة جانبا آخر من الأزمة، حيث يدفع موظفو القضاء ثمن الصراعات السياسية والقانونية رغم التزامهم بواجبهم الوظيفي.
خلاصة أزمة تنتظر الحسم
تبقى الأسئلة معلقة حول مصير الأحكام الصادرة عن جهات قضائية يختلف على اختصاصها، وحول كيفية ضمان نفاذ القوانين في دولة تعاني انقساما مؤسسيا، وحول مستقبل التوازن بين السلطات في ظل مرحلة انتقالية تطول. ما تطرحه النقابة العامة لموظفي العدل ليس مجرد اجتهاد قانوني، بل قراءة لواقع مرير تتصارع فيه النصوص والاجتهادات على خلفية سياسية معقدة، ويبقى الأهم هو البحث عن صيغة تحفظ احترام القضاء دون أن تتحول الأحكام إلى أداة في الصراع السياسي، وتضمن نفاذ القوانين دون أن تصبح الجريدة الرسمية سلاحا بيد السلطة التنفيذية.



