ليبيا

مقترحات ثلاثية لدرء شبح انقسام وشيك بالسلطة القضائية الليبية

الوساطة القانونية تحذر من تدخلات خارجية تعمق جرح القضاء

ليبيا 24

بوادر صفقة قانونية في ليبيا لإنقاذ جسد القضاء من بتر مؤسسي
وسط مخاوف دولية من تعميق الفوضى السيادية.. جهود محلية برعاية أممية تقدم خارطة طريق معقدة لكنها ممكنة التنفيذ

في لحظة حرجة تختبر فيها الدولة الليبية آخر معاقل وحدتها المؤسسية المتماسكة، تدور في الكواليس معركة قانونية وسياسية هادئة لكنها الأعلى كلفة على مستقبل البلاد، حيث تواجه السلطة القضائية شبح انقسام قد لا يكون قابلاً للترميم. ففي الوقت الذي تعاني فيه ليبيا من الانقسام السياسي، ظل القضاء هو الدرع الأخير الذي يحمي فكرة الدولة الواحدة، غير أن أزمة ازدواجية رئاسة “المجلس الأعلى للقضاء” بين طرابلس وبنغازي باتت تهدد هذا الصرح بالتصدع.

أفضت جهود وساطة محلية محمومة، قادها نخبة من كبار القضاة وأساتذة القانون الدستوري وبرلمانيون مخضرمون، إلى طرح ثلاث مقترحات جوهرية تهدف إلى رأب الصدع واحتواء أزمة تهدد بإنتاج محكمتين علياوين ونظام عدالة موازٍ في بلد يعاني أصلاً من انهيار هش للدولة منذ أحداث العام 2011. وتأتي هذه المساعي بدعم دبلوماسي حذر من بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا، التي دعت جميع الأطراف الليبية إلى التعاطي “السريع والبنّاء” مع هذه المخرجات بحسن نية، في محاولة للحد من مخاطر تعميق الانقسام القضائي الذي قد ينسف أي أمل في إجراء انتخابات وطنية شفافة مستقبلاً.

جوهر المقترحات الثلاثة: من تشكيل المجلس إلى الدرك الدستوري

استناداً إلى التقرير النهائي للجنة الوساطة، والذي اطلعت عليه ليبيا 24، فإن الحلول المطروحة تتجنب الانتصار لطرف ضد آخر بشكل كامل، وتركز بدلاً من ذلك على إعادة صياغة هيكل الحوكمة القضائية. تتمثل أبرز النقاط المطروحة في ثلاثة محاور أساسية:
الأول، يتعلق بإعادة تشكيل المجلس الأعلى للقضاء عبر صيغة توافقية تمنح مقاعد محددة لرؤساء محاكم الاستئناف والمسؤولين القضائيين، مع منح مجلس النواب صلاحية تعيين رئيس المجلس من بين ثلاثة مرشحين يتم تزكيتهم من الهيئة القضائية العامة.
الثاني، وهو مطلب طال انتظاره، يتمثل في إنشاء دائرة دستورية مستقلة ضمن هيكل المحكمة العليا، وهي خطوة تهدف إلى فض الاشتباك بين العمل القضائي البحت والنزاعات السياسية ذات الطابع الدستوري.
الثالث، معالجة الآثار القانونية المترتبة على الأحكام الصادرة بعدم دستورية بعض التشريعات التي أصدرها مجلس النواب في حقب سابقة، والتي تعد جزءاً من جذور الأزمة الحالية.

وتعكس هذه النقاط الثلاث إدراكاً عميقاً لدى الوسطاء بأن الأزمة القضائية الحالية ليست وليدة اللحظة، بل هي نتاج تراكمي لتشوهات دستورية وتنازع في الاختصاصات بين السلطتين التشريعية والقضائية. ويؤكد المستشار مبروك الفاخري، أحد أبرز أعضاء لجنة الوساطة، أن الجهود التي بذلت خلال الأسابيع الماضية كانت مكثفة للغاية، ونجحت في جذب الأطراف القضائية المتخاصمة إلى طاولة نقاش غير مباشر. وقال الفاخري في تصريحات صحفية رصدتها “ليبيا 24”: “الحل أصبح اليوم سياسياً بقدر ما هو قضائي، وهو يحتاج إلى توافق بين مجلسي النواب والأعلى للدولة لاعتماد هذه المقترحات وإقرارها بشكل قانوني ملزم”.

موقف مجلس النواب ودور المستشار مفتاح القوي: في عمق الشرعية

في مقابل هذا الحراك، يبرز موقف الطرف القضائي الذي يقوده المستشار مفتاح القوي والمدعوم رسمياً من مجلس النواب في بنغازي، بوصفه طرفاً رئيسياً في هذه المعادلة. ويذهب أنصار هذا الفريق إلى أن الأزمة الحقيقية تكمن في هيمنة إدارية ومركزية خانقة مورست من العاصمة لسنوات طويلة، وأن نقل بعض الإدارات القضائية إلى بنغازي كان ضرورة فرضتها ظروف القوة القاهرة وانعدام الاستقرار الأمني في طرابلس.

ويؤكد مقربون من المستشار القوي أن شرعية المجلس الأعلى للقضاء تنبثق من السلطة التشريعية المنتخبة المتمثلة في مجلس النواب، الجهة التشريعية الوحيدة المعترف بها دولياً بموجب الاتفاق السياسي في صيغته المعدلة. وترى هذه الجهة أن المقترحات المطروحة، وإن كانت خطوة جيدة في طريق الحوار، إلا أنها لا تزال بحاجة إلى إعادة نظر عميقة تتعلق بضمانات استقلال القضاء عن أي نفوذ حزبي أو سلطة أمر واقع في الغرب الليبي.

وفي بيان صدر الأربعاء عن هذا الفريق، تم الإشارة إلى أن “الحل الأمثل يكمن في تعديل كامل للبناء المؤسسي للنظام القضائي”، مع الدعوة إلى حوار مباشر بين المجلس الأعلى للقضاء والمحكمة العليا تحت إشراف أممي لدراسة مقترحات أكثر شمولاً، أبرزها ما يتم إعداده في أروقة كلية القانون بجامعة بنغازي. ويبدو هذا الطرح معززاً بفكرة مفادها أن الهياكل القضائية الحالية ورثت تشوهات من النظام السابق ولم تعد قادرة على استيعاب المتغيرات السياسية والدستورية الجديدة التي أفرزتها مرحلة ما بعد 2011.

تحذيرات من السقوط في فخ العواصم المزدوجة

وفيما تتسارع وتيرة تبادل القرارات المتضاربة بين الجهتين المتنازعتين بشأن تعيين القضاة وندبهم، يحذر خبراء القانون الدستوري من أن استمرار هذا الوضع على حاله سيفتح الباب أمام ما يمكن وصفه بـ”تسييس الذرائع القضائية”. فوجود سلطتين قضائيتين عاليتين يعني أن أي حكم يصدر عن محكمة في طرابلس قد يُطعن في شرعيته أمام مراكز صنع القرار في بنغازي والعكس صحيح، مما يخلق حالة من الفوضى القانونية تهدد مصالح الليبيين في الداخل وتقوض ثقة المجتمع الدولي في قدرة ليبيا على الوفاء بالتزاماتها التعاقدية والتجارية.

ويشدد الدكتور الكوني عبودة، أستاذ القانون بجامعة طرابلس وعضو لجنة الوساطة، في تحليله للمشهد، على أن نجاح أي مسعى للحل يظل رهيناً بثلاثة شروط لازمة: “أولها تغليب الأطراف لصالح الوطن على حساب المكاسب الفئوية الضيقة، وثانيها الالتزام الحرفي بمنطق الوساطة والتعاون البناء لتطوير النصوص المقترحة بدلاً من رفضها جملة وتفصيلاً، وثالثها وأخطرها تخلي الدول المتدخلة في الشأن الليبي عن عرقلة هذه المحاولة المحلية الجادة”.

ويأتي هذا التحذير في وقت تزداد فيه حدة التجاذبات الإقليمية والدولية حول الملف الليبي، حيث يرى مراقبون أن وحدة القضاء الليبي باتت خطاً أحمر يجب أن يفرض نفسه على كل جداول الأعمال الدولية. فالانقسام السياسي والعسكري يمكن معالجته باتفاقات وتقاسم للسلطة، أما انقسام القضاء فهو بمثابة طلاق بائن بين أقاليم البلاد، يتحول معه مفهوم الدولة الواحدة إلى مجرد حبر على ورق في أروقة الأمم المتحدة.

إن ما يجري في ليبيا اليوم ليس مجرد خلاف حول من يدير شؤون القضاة، بل هو صراع على تعريف “العدالة” في بلد ممزق. وبينما يراهن الوسطاء على ضمير القانون ونخوته، تبقى الكلمة الفصل في يد القوى السياسية الفاعلة، وفي مقدمتها مجلس النواب باعتباره الممثل الشرعي للإرادة الشعبية، من أجل إقرار حل يحافظ على ما تبقى من هيبة الدولة الليبية وسيادتها.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى